اللامركزية.. والحجج الواهية للفدرالية وتوزيع الثورة

اللامركزية.. والحجج الواهية للفدرالية وتوزيع الثورة

أ.د. فتحي أبوزخار

باحث بمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

بالفطرة الإنسانية ليس من بواعث السرور والاعتزاز بأن يحمل الواحد منا جواز سفر لدويلة قزمية بمساحة محدودة وتعداد بشري أقل من القليل وباقتصاد ريعي غير منتج إلا لثروة طبيعية أسمها البترول.  

ومع ذلك فلقد ولد المواطن/ة الليبي/ة ووجد نفسه بدولة أسمها ليبيا الحديثة التي بدأت تتشكل ملامحها الوطنية بالشكل الفدرالي الذي أظهر ما لم يبطن. \

فمع أن شكل الدولة عام 1951 م فدرالي ظاهرياً إلا أن السلطات مركزية بشكل مفرط ومختزلة ومبطن في شخص الملك محمد أدريس المهدي السنوي، رحمه الله، حيث يمنحه الدستور حق تعيين ولاء الولايات الثلاثة ورئيس الوزراء ولا تتم لائحة تنظيم أعمال المحكمة العليا إلا بموافقة الملك.

مع بداية تشكل الوحدة الوطنية لليبيا تغلغلت التيارات القومية والدينية لتسحب البساط من التوجه الوطني للدولة الفتية وتصرف الجهود والأوقات فيما لا يخدم الوطن ضمن حدوده الإدارية التي اقرها المنتظم الدولي.

فبواسطة الاقتضاب الحاد بين التيار الديني والقومي خلق تمزق واضح في النسيج الوطني للطبقة المثقفة الليبية مما ساعد على خروج الانقلاب المشؤوم في سبتمبر الأسود 1969.

كرس الدكتاتور معمر القذافي التوجيه القومي لإبعاد النظر عن هموم الوطن، وبالتوجيه الخاطئ، من خلال مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام، لأجيال بقضايا خارج الحدود الجغرافية لليبيا مما أسهم في خفض الانتماء والشعور الوطني الذي تفاقم بسياسات الفكر الجماهيري التي ترسخ الصنمية مع القائد الملهم اللاوطني معمر القذافي فبالإفراط في القومية العربية قبل الانتقال إلى التوجه الأفريقي قضى على أي شعور وطني بليبيا!.

الفدرالية والإفراط في المركزية:

صحيح أن تعديل الدستور في 1963 سعى لتكون ليبيا وحدة واحدة وترسخ الدولة الوطنية المنشودة إلا أن الدستور بالفعل حول ليبيا من الفدرالية الاتحادية إلى الدولة الوطنية الموحدة ومع ذلك فلم يتغير أي شيء بشأن المركزية.

فالتعديل كان شكلا وليس مضموناً فالملك الذي ملك السلطة بتعين أمراء الأقاليم وعزلهم استمرت مركزية السلطات في يده.

وبمراجعة سريعة لبعض نصوص دستور 1951 الفدرالي لليبيا سنجد أن السلطة المركزية مختزلة بيد الملك وعلى أنصار الفدرالية الوقوف بروية وتمعن عند المواد التالية:

  • مادة (41) السلطة التشريعية يتولها الملك بالاشتراك مع مجلس الأمة. ويصدر الملك القوانين بعد أن يقرها مجلس الأمة
  • مادة (42) السلطة التنفيذية يتولاها الملك في حدود هذا الدستور
  • مادة (43) الأحكام التي تصدرها المحاكم باسم الملك.
  • مادة (59) الملك مصون وغير مسؤول
  • مادة (72) الملك يعين رئيس الوزراء ووله الحق في أن يقيله أو أن يقبل استقالته من منصبه ويعيين الوزراء ويقيلهم أو يقبل استقالتهم بناء على ما يعرضه عليه رئيس الوزراء
  • مادة (95) يعين الملك نصف أعضاء (24 مجلس الشيوخ)
  • مادة (97) يعين الملك رئيس مجلس الشيوخ
  • مادة (180) يعين الملك الوالي ويعفيه من منصبه

فالهروب من المركزية إلى الفدرالية هو تناقض صارخ عندما تختزل تقريباً جميع السلطات، تشريعية وتنفيذية وقضائية،في يد الملك بل وأمراء الأقاليم يعينهم الملك حسب نص المادة (180).

التضاد والتناقض بين توزيع الثروة وتنمية الثروة:

نسمع نغمة تتردد في الأواسط المتحركة في المجالات السياسية بل وتجترها دول وقادة دول كما حصل مع رئيس مصر عبد الفتاح السيسي إلا وهي: “توزيع الثروة” والسؤال المهم هو: ما المقصود من توزيع الثروة؟ الإيحاء المتكرر بأن ذلك من باب العدل الذي يجب أن يهيج به بعض المتطرفين من المنطقة الشرقية ليخلقوا منه مشكلة لا أساس لها من الصحة!.

توزيع الثروة لا يعني بالضرورة توزيع الخدمات والتنمية المكانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية! وهذا يرجع للأسباب التالية:

  1. توزيع السلطات على مستوى ثلاثة أقاليم أو اختزالها  في طرايلس لن يوقف الفساد المستشري على أرض الوطن ونزيف تبديد الثروة بعد توزيعها. فما سيحدث بالضبط هو أنه سينتقل مركز الفساد من طرابلس لوحدها ليصل ويتوزع أيضاً على بنغازي وسبها.
  2. بدون إدارة الحكم المحلي الرشيد التي تتحمل فيه المسؤولية وتضمن توصيل الخدمات للمواطن/ة على المستوى البلدي فلن يكون هناك أي معنى لتوزيع الثروة. فتنمية الوحدة الإدارية الصغيرة المتمثلة في البلدية تكون هي اللبنة الأساسية لبناء مشاريع تنموية لمنطقة أوسع تتكون من البلديات المجاورة. ومن مجموع المناطق تخلق مشاريع تنموية على الصعيد الوطني لربط مشاريع المناطق مع بعضها البعض فتوسع من دائرة التنمية.
  3. يجب أن يتحول مفهوم المطالبة بتوزيع الثروة إلى تنميتها وتضخيمها وتحويلها أن مشاريع تخلق مواطن وفرص عمل وخدمات ورفاهية للمواطن/ة.

حكومة ليبيا والتحرر من الحدود الإدارية لطرابلس!

استمرت عقلية راعي زريبة الجماهيرية في الاستحواذ على السلطة المركزية بل والحرص على أن تختزل جميع الخدمات في المركز – طرابلس بالرغم من أنه حاول أن يحول المركز إلى الجفرة وسرت ولكن فشل.

صحيح طرابلس عندها الإمكانيات لتكون عاصمة بحكم التاريخ، والكثافة السكانية والخبرات العلمية والمهنية إلا أن ملكيتها لمقومات مهمة لتكون المركز لا يعني أنه لا يمكنها أن تكون تنسيقية لإدارة الحكم المحلي الرشيد!.

كما لم يخرج الدكتاتور معمر القذافي الممارس للمركزية بامتياز من باب العزيزية بالرغم من محاولته ربط جميع خيوط مدن وقرى ليبيا بأقلام باب العزيزية إلا أن المجلس الرئاسي لم يمارس الدكتاتورية على الأرض الليبية ولكنه في المقابل لم تخرج دائرة تفكيره عن حدود طرابلس المركز وربطها بخراطيم أصحاب الأرقيلة! وهذا مما عمق المفاهيم المغلوطة بشأن الفدرالية وتوزيع الثروة.

إذن!

تحتاج ليبيا لسلام عادل وشامل ودائم لذلك علينا أن نعي بأن دستور م1951 يختزل السلطات بمركزية في يد الملك الذي يعين أمراء الأقاليم الفدرالية، وهي ليست حل فستوزع المركزية على ثلاثة وتضيف لطرابلس بنغازي وسبها!.

مصطلح توزيع الثروة مضلل فظاهرة العدل وباطنه التسول وانتظار ما ستحصل عليه من مال لتصرفه، ويجب أن يستبدل بتنمية الثروة وتضخيمها وخلق فرض عمل لخلق السلام العادل والشامل والدائم  المنشود.

لا مناص من اتفاق الصخيرات ولكن أثبت المجلس الرئاسي بأنه غارق في المركزية باختزاله لليبيا داخل بلدية طرابلس المركز لذا يجب أن تولد حكومة من خارج رحم المجلس الرئاسي ببرنامج يرد على الفدرالية بإدارة الحكم المحلي الرشيد وتوزيع الثروة بخلق مشاريع تنموية تضاعف من الثروة وتخلق فرص عمل تستوعب جميع المجموعات المسلحة غير الراغبة في العمل الدفاعي أو الأمني، وبذلك سنصنع السلام العادل والشامل والدائم المنشود.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

أ.د. فتحي أبوزخار

باحث بمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

اترك تعليقاً