رغم انتشار المشروبات الغازية الدايت باعتبارها خيارًا أقل ضررًا بسبب خلوها من السكر والسعرات الحرارية، بدأت دراسات علمية خلال السنوات الأخيرة تثير تساؤلات حول تأثير المحليات الصناعية المستخدمة فيها على صحة الأمعاء، ودورها المحتمل في تغيير توازن البكتيريا النافعة داخل الجهاز الهضمي.
وتعتمد معظم المشروبات الدايت على محليات صناعية مثل الأسبارتام، والسكرالوز، والسكرين، وأسيسلفام البوتاسيوم، وهي مواد تمنح مذاقًا حلوًا من دون إضافة كميات كبيرة من السكر أو الطاقة الغذائية.
لكن أبحاثًا في مجال علم الأحياء الدقيقة للأمعاء تشير إلى أن هذه المحليات لا تتعامل معها أجسام جميع الأشخاص بالطريقة نفسها، إذ يمكن أن تصل بعض المركبات أو نواتج تحللها إلى الجهاز الهضمي، حيث تتفاعل مع مليارات الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الأمعاء.
ويُعرف مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة الموجودة في الجهاز الهضمي باسم “الميكروبيوم المعوي”، وهو نظام معقد يلعب دورًا مهمًا في الهضم، وتنظيم المناعة، والتأثير في عمليات الأيض ومستويات الالتهاب داخل الجسم.
وتشير دراسات مخبرية وتجارب على الحيوانات إلى أن بعض المحليات الصناعية قد تؤدي إلى تغييرات في تركيبة الميكروبيوم المعوي، عبر زيادة أو خفض أنواع معينة من البكتيريا، ما قد يؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الطاقة والغذاء.
ومن أبرز الدراسات التي أثارت الجدل بحث نشر في مجلة “نيتشر” العلمية، تناول تأثير بعض المحليات غير السكرية على سكر الدم لدى الإنسان، ووجد أن الاستجابة تختلف بين الأفراد، وأن بعض الأشخاص قد تظهر لديهم تغيرات مرتبطة بتعديل تركيب البكتيريا المعوية.
كما بحثت دراسات أخرى تأثير السكرالوز، أحد أكثر المحليات استخدامًا في المنتجات الخالية من السكر، وأشارت إلى احتمال ارتباطه بتغيرات في بيئة الأمعاء لدى بعض النماذج البحثية، مع الحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية طويلة الأمد لتحديد حجم التأثير.
وتوضح الأبحاث أن الأمعاء ليست مجرد عضو مسؤول عن الهضم، بل تُعد مركزًا مهمًا للتواصل بين الغذاء والجهاز المناعي والدماغ، لذلك فإن أي تغيير مستمر في توازن الميكروبيوم قد تكون له انعكاسات تتجاوز عملية الهضم.
ويرتبط اختلال توازن البكتيريا المعوية، المعروف باسم “ديسبيوسيس”، بعدد من الحالات الصحية التي يدرسها العلماء، من بينها اضطرابات الأيض، وزيادة الالتهابات، وبعض أمراض الجهاز الهضمي.
لكن الباحثين يؤكدون أن العلاقة بين المحليات الصناعية وهذه المشكلات الصحية ليست محسومة بشكل نهائي، إذ تختلف النتائج حسب نوع المحلّي، والجرعة المستهلكة، والنظام الغذائي العام، والعوامل الوراثية لكل شخص.
وتشير الدراسات إلى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في تناول مشروب دايت من وقت إلى آخر، بل في الاعتماد اليومي والمفرط على المنتجات التي تحتوي على كميات مرتفعة من المحليات الصناعية بدلًا من تحسين العادات الغذائية بشكل شامل.
ويحذر اختصاصيو التغذية من أن استبدال السكر بالمحليات لا يجعل المشروبات الغازية خيارًا صحيًا بالكامل، لأن القيمة الغذائية لهذه المشروبات تبقى محدودة، وقد تؤدي إلى استمرار التفضيل الشديد للطعم الحلو لدى بعض الأشخاص.
كما تشير أبحاث إلى أن الاعتماد المستمر على المذاقات شديدة الحلاوة قد يؤثر في سلوكيات تناول الطعام، إذ قد يزيد الرغبة في الأطعمة الحلوة لدى بعض الأفراد، رغم أن النتائج العلمية في هذا الجانب ما زالت محل نقاش.
وفي المقابل، يرى بعض الباحثين أن المحليات الصناعية يمكن أن تكون أداة مفيدة لبعض الأشخاص عند استخدامها باعتدال، خصوصًا لمن يحاولون تقليل استهلاك السكر أو التحكم في السعرات الحرارية، بشرط ألا تكون بديلًا عن نمط غذائي صحي.
وتوصي الهيئات الصحية بالتركيز على الماء كمصدر أساسي للترطيب، وتقليل الاعتماد على المشروبات المحلاة، سواء احتوت على السكر أو المحليات الصناعية، مع زيادة تناول الأطعمة الطبيعية الغنية بالألياف مثل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، لأنها تدعم تنوع البكتيريا النافعة في الأمعاء.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن صحة الأمعاء أصبحت أحد أهم مجالات البحث الطبي، مع تزايد الأدلة على أن النظام الغذائي اليومي يؤثر في الميكروبات التي تعيش داخل الجسم، وبالتالي في مجموعة واسعة من الوظائف الحيوية.
ولا يزال العلماء يواصلون دراسة التأثيرات طويلة المدى للمحليات الصناعية، خصوصًا مع ارتفاع استهلاك المنتجات الدايت عالميًا، بهدف تحديد الكميات الآمنة والتعرف بشكل أدق على الأشخاص الأكثر تأثرًا بها.





