تحليل شامل للتصورين المطروحين.. مع مراعاة التوازن والموضوعية

تحليل شامل للتصورين المطروحين.. مع مراعاة التوازن والموضوعية

طارق خير الله

أحد قيادات المشروع الحضاري النهضوي الليبي

التصور أو الخيار الأول: حكومة وحدة موسعة بين القيادات الحالية (بدعم دولي/أمريكي)

المزايا النظرية:

1.تجميد الصراع المسلح الفوري: قد يؤدي التوافق بين القوتين العسكريتين والسياسيتين المهيمنتين على الأرض (غرباً وشرقاً) إلى وقف إطلاق نار مستدام وإعادة توحيد مؤسسات الدولة المنقسمة مؤقتاً.

2.استقرار اقتصادي مرحلي: توحيد المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي والميزانية العامة، وهو أمر مستحيل دون توافق الطرفين المسيطرين فعلياً على منابع الإنتاج والإنفاق.

3.دفع عجلة الإعمار: استثمارات دولية كبرى (خاصة في إعادة إعمار درنة وبنغازي وسرت) قد تتدفق بضمانات من الطرفين المتنفذين.

العيوب والمخاطر الجسيمة:

1.تكريس حكم التشكيلات المسلحة والأمر الواقع: هذا الخيار لا يعالج جذور الأزمة بل يكرس سلطة القوة الغاشمة و”القبلية السياسية” بدلاً من بناء الدولة المدنية. إنه يعطي شرعية دولية لتحالف قد يكون هشاً.

2.تفاقم الاحتقان الشعبي والشرعية المفقودة: الرأي العام في الشرق والغرب والجنوب رافض لـ”تقاسم الكعكة” بين القيادات الحالية ، وسيؤدي هذا إلى تآكل أي ثقة متبقية في العملية السياسية وربما انفجار احتجاجات واسعة أو إضراب نفطي أهلي
.
3.عرقلة دائمة للانتخابات: كل من القيادات الحالية لديه أسباب قوية لتعطيل الانتخابات التي تهدد وجودهما السياسي. حكومتهما المشتركة ستكون حكومة “إدارة أزمة دائمة” لا حكومة “وصول لانتخابات”.

4.انهيار العملية السياسية برمتها: هذا السيناريو سيدفع الأطراف السياسية الأخرى (المجلس الأعلى للدولة، قادة من الجيش الوطني من خارج الدائرةً) إلى إعلان رفضهم وربما تشكيل حكومة موازية، مما يعيدنا لنقطة الصفر أو أسوأ.

5.أي توافق بين قيادات الغرب والشرق سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تموضع القوى الإقليمية (تركيا، مصر، الإمارات، روسيا). هذا التحالف قد يرضي بعضهم ويزعج الآخرين، مما قد يحول الصراع من “ليبي-ليبي” إلى “وكالة إقليمية” داخل الحكومة الواحدة.

الخيار الثاني: حكومة تكنوقراط مصغرة للانتخابات (بتفويض شعبي)

المزايا الجوهرية:

1.حصر المهمة وتحديد المدة: حكومة هدفها الوحيد “إجراء الانتخابات في موعد محدد”، مما يمنعها من التحول إلى كيان دائم.

2.الشرعية المعنوية: اختيار شخصيات معروفة بالكفاءة والنزاهة (عبر آلية حوار وطني موسع لا عبر المحاصصة) قد يعيد ثقة الليبيين بالعملية السياسية ويزيد الإقبال على التصويت.

3.كسر حلقة الفساد: تقليص حجم الحكومة وإبعاد المحاصصة يمنع استنزاف المال العام لشراء الولاءات الذي يحدث في حكومات المتضخمة.

4.الضغط باتجاه الانتخابات: إن تشكيل مثل هذه الحكومة هو إعلان واضح للداخل والخارج بأن عهد “المراحل الانتقالية الأبدية” قد انتهى.

العيوب والتحديات العملية:

1.قابلية التطبيق الصعبة: كيف ستعمل حكومة تكنوقراط في ظل سيطرة عسكرية (قوات في الشرق وفي الغرب ) وتشكيلات مسلحة (قوات موالية للشرق وأخرى موالية للغرب ) على الأرض؟ من سيحمي صناديق الاقتراع؟ الخيار الثاني يفترض وجود بيئة أمنية محايدة وهي غير متوفرة حالياً.

2.رفض الطرفين المتنازعين: لن تقبل “القيادات في” الشرق والغرب بحكومة لا تملك فيها نفوذاً، كما لن تسلّم حكومة الحكومتين السلطة طواعية لحكومة تكنوقراط لا تضمن بقاءها في السلطة حتى لو بشكل غير مباشر.

3.معضلة التمويل: قد يقوم الطرف المسيطر على المصرف المركزي بخنق الحكومة الجديدة مالياً، أو يقوم الطرف المسيطر على النفط بمنع التصدير للضغط عليها.

4.الملاحظة هنا هي أن حكومات التكنوقراط في الدول التي تعاني من انقسام عسكري حاد غالباً ما تتحول إلى “ساعي بريد” بين القوى المسلحة، فتصبح بلا سيادة حقيقية.

الخلاصة والتصور الأقرب للواقع:

للأسف، كلا الخيارين في صورتهما الخالصة يواجهان عوائق مميتة. التصور الأكثر احتمالاً للوصول لانتخابات ليس “حكومة وحدة القيادات الحالية ولا “حكومة تكنوقراط شعبية محضة”، بل هي:

حكومة انتقالية تكنوقراط محددة المدة والصلاحيات، تنبثق عن تسوية سياسية قسرية بين القوى الفاعلة كلها على الأرض (وليس بين مجموعتين -عائلتين – فقط).

المعايير المثلى لها في رأيي هي:

  • تفويض محدد: مهمتها فقط إجراء الاستحقاق الانتخابي خلال 12-18 شهراً كحد أقصى غير قابل للتمديد.
  • آلية اختيار مركبة: اختيار الشخصيات عبر البعثة الأممية إذا أمكن بموافقة وتأييد شعبي (مع ضمانات دولية قوية بفرض عقوبات على المعرقلين).
  • ضمانة أمنية دولية: وجود مراقبين دوليين أو قوات حفظ سلام رمزية (بموافقة ليبية) خلال يوم الاقتراع فقط، لحماية إرادة الناخب الليبي.
  • يجب تضمين نصاً دستورياً أو قانونياً ملزماً ينهي ولاية الحكومة تلقائياً بمجرد تجاوز الموعد، حتى لا تتحول إلى نسخة مكررة من الحكومات السابقة.
  • ضرورة إنجاز القاعدة الدستورية التي ستسمح بإجراء الانتخابات، وإجراء الاستفتاء على الدستور في الستة شهور الأولى من الحكومة المنتخبة.

الرأي العام الليبي له كامل الحق في رفضه لصفقة القيادات الحالية، لكن الانتقال إلى حكومة تكنوقراط فاعلة يتطلب تفكيك احتكار السلطة من خلال عملية سياسية قاسية قد تحتاج إلى ضغط دولي حقيقي وموحد وليس مجرد بيانات إدانة.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

طارق خير الله

أحد قيادات المشروع الحضاري النهضوي الليبي