قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران تريد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، لكنها ليست مستعدة لإبرام ما وصفه بـ«الاتفاق الصحيح»، مؤكداً أن الخيارات العسكرية الأمريكية ضد طهران لا تزال مطروحة، بالتزامن مع استعداد واشنطن للإعلان عن حزمة عقوبات جديدة تصفها بأنها الأقسى على إيران.
وأوضح ترامب، خلال حديثه مع الصحفيين في قاعدة أندروز الجوية المشتركة، الجمعة، أثناء مغادرته واشنطن متوجهاً إلى ولاية ساوث كارولاينا، أن العقوبات الاقتصادية التي تستعد بلاده لفرضها لا تعني أن الخيارات العسكرية في المنطقة أصبحت محدودة.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت العقوبات الاقتصادية الأمريكية تعني تراجع الخيارات العسكرية، قال ترامب: «لا، على الإطلاق، هذا يعني فقط أننا نراقب ما سيحدث».
وأضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الإيرانيين يريدون إبرام اتفاق، لكنه قال: «إنهم ليسوا مستعدين لإبرام الاتفاق الصحيح».
وفي تصريحات أخرى، قال ترامب إن الولايات المتحدة لديها «سيطرة كاملة على المنطقة بأكملها فيما يتعلق بمضيق هرمز، وهو ما يعني السيطرة على مناطق برية واسعة»، مشيراً إلى أنه يعتبر مضيق هرمز حالياً «أرضاً أمريكية».
وفي سياق الضغط الاقتصادي المتصاعد، هددت واشنطن الدول التي تواصل تقديم الدعم لإيران بعقوبات صارمة، فيما أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن تفاصيل الحزمة الجديدة من العقوبات ستعلن يوم الاثنين.
وقال بيسنت إن الإجراءات المنتظرة ستكون من «أقسى العقوبات في التاريخ»، مشيراً إلى أن تكثيف الضغط الاقتصادي على إيران يمكن أن يقلل الحاجة إلى تنفيذ عمليات عسكرية كبرى جديدة، بينما أكد في الوقت نفسه أن إدارة ترامب تريد إسقاط النظام الإيراني، ودعا حلفاء الولايات المتحدة ودول العالم إلى الانضمام إلى حملة الضغط الاقتصادي على طهران.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن، الخميس، إطلاق ما وصفه بـ«أشد عملية اقتصادية سحقاً» ضد إيران، متوعداً بعزلها اقتصادياً وفرض تداعيات كبيرة على الدول التي تقدم لها أي دعم مالي أو تجاري.
وقال ترامب عبر منصة «تروث سوشيال»: «لم يمنح أحد الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرصة أكبر مني للتوصل إلى اتفاق. لكن، وللأسف الشديد بالنسبة لهم، فشلوا في اغتنامها. لذلك، أعلن اليوم عن أشد عملية اقتصادية سحقاً تُتخذ على الإطلاق ضد أي دولة! ستكون هذه حرباً اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق».
طهران: العقوبات الأمريكية انتهاك للقانون الدولي
في المقابل، رفضت إيران التصعيد الاقتصادي الأمريكي، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، السبت، إن ما تخطط له واشنطن يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، ويتجاوز، وفق تعبيره، مجرد «الحرب الاقتصادية» على إيران إلى محاولة فرض سيادة أمريكية خارج الحدود.
وكتب بقائي على منصة «إكس» أن البنوك والشركات والمطارات التي تقع ضمن الولاية القضائية الحصرية لدولة ما لا يجوز إجبارها من دول أخرى على «التخلي عن التجارة المشروعة مع دولة ثالثة».
وقال بقائي: «إن الإكراه الاقتصادي الذي يهدف إلى إجبار دولة ذات سيادة على تغيير خياراتها السياسية المشروعة يشكل عملاً غير مشروع دولياً»، مضيفاً أن مثل هذه «العقوبات الثانوية» تنتهك ميثاق الأمم المتحدة.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن العقوبات الأمريكية الجديدة «تتجاوز بكثير مجرد مواصلة الحرب الاقتصادية غير القانونية ضد دولة واحدة»، معتبراً أنها تمثل فرضاً للسيادة خارج الحدود الإقليمية على كل دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة.
وأضاف بقائي أنه لا يجوز لأي دولة، بموجب القانون، إجبار البنوك أو الشركات أو المطارات الأجنبية، التي يخضع كل منها للاختصاص القضائي الحصري لدولته ذات السيادة، على التخلي عن التجارة المشروعة مع دولة ثالثة.
وأكد بقائي أن مثل هذه العقوبات الثانوية «لا تجد أي أساس في القانون الدولي»، معتبراً أنها تنتهك مبدأ المساواة في السيادة المنصوص عليه في المادة 2 (1) من ميثاق الأمم المتحدة، وكذلك الحظر العرفي على التدخل الذي أقرته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا.
وقال بقائي إن هذه المطالب، عندما تقترن بحصار بحري يرقى إلى مستوى العدوان العسكري، «تختزل سيادة جميع الدول الأخرى إلى أمر مؤقت ومشروط وقابل للإلغاء وفقاً لإرادة قوة أخرى».
وأضاف: «فالامتثال لا يشتري أي حصانة أو احترام، بل يعني ببساطة الإقرار بأن البنوك والشركات والمطارات التابعة لدولة ما لا تعمل إلا بموجب ترخيص أجنبي».
وحذر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية من أن «النتيجة النهائية» ستكون تآكل السيادة بالكامل باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه النظام القائم على العلاقات بين الدول في إطار الأمم المتحدة، معتبراً أن ذلك «وصفة لعودة كارثية إلى الاستعمار الكلاسيكي واسع النطاق».
بزشكيان يدعو إلى إنهاء الحرب «اليوم»
وفي طهران، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الجمعة، إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة «اليوم»، قائلاً إن بلاده باتت في «موقع قوة»، وذلك بالتزامن مع استعداد واشنطن لإعلان العقوبات الجديدة.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال لقاء مع أطباء في طهران، إن إنهاء الحرب في الوقت الراهن سيكون أفضل لإيران، معتبراً أن ذلك يمكن أن يتم «بينما نحن في موقع قوة وكرامة».
واتهم بزشكيان الولايات المتحدة بمهاجمة مدارس ومستشفيات ومنشآت إيرانية، وقال إن هذه الهجمات جعلت واشنطن «مكروهة عبر العالم».
ودافع الرئيس الإيراني عن مذكرة التفاهم التي أُبرمت مع الولايات المتحدة في يونيو بعد مفاوضات شاقة، وقال إن الاتفاق الذي أقره المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لا يتضمن «بنداً واحداً يشير إلى استسلام».
وشدد بزشكيان في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني أن طهران ستستسلم في حال تعرضها لهجوم، وقال: «لن نرضخ تحت أي ظرف للترهيب»، مؤكداً أن إيران ستواصل المواجهة «حتى الرمق الأخير»، وأنها سترد بصورة «ساحقة».
وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد رفضت العقوبات الأمريكية، ووصفتها بأنها «إرهاب اقتصادي» و«جريمة ضد الإنسانية»، مؤكدة أنها لن تؤثر في عزم الإيرانيين على الدفاع عن استقلال البلاد وسيادتها.
إيران ترفع لهجتها العسكرية
وبالتزامن مع التصعيد الاقتصادي، رفعت طهران لهجتها العسكرية، إذ قال رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، اللواء علي عبد اللهي، إن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة للرد على أي تهديد جديد، مؤكداً أن الرد سيكون «ساحقاً ومؤلماً ومدمراً».
وتأتي هذه التصريحات فيما يسعى الطرفان إلى الخروج من حرب مستمرة منذ نحو ستة أشهر، وسط تعثر المسار الدبلوماسي وبقاء ملف حرية الملاحة في مضيق هرمز واحداً من أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل الصراع.
وكانت الولايات المتحدة وإيران توصلتا إلى اتفاقين لوقف إطلاق النار في أبريل ويونيو، لكنهما انهارا سريعاً، فيما استمر الخلاف بشأن أمن مضيق هرمز وآليات ضمان حرية الملاحة فيه.
وفي 18 يونيو، وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، لكن تنفيذها تعثر بسبب خلافات مرتبطة بأمن المضيق.
وبين 8 و24 يوليو، عاودت الولايات المتحدة شن هجمات على إيران، فيما ردت طهران باستهداف ما قالت إنها «منشآت ومعدات عسكرية أمريكية» في دول عربية.
قاليباف يدعو إلى مواجهة العقوبات
وفي بغداد، دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى وضع خطط لمواجهة العقوبات الأمريكية، مؤكداً أن التنمية الاقتصادية والأمن مرتبطان بصورة وثيقة.
وقال قاليباف، الذي يشارك في المحادثات غير المباشرة مع واشنطن، إن على إيران أن تخطط للتغلب على ما وصفها بـ«العقوبات الجائرة».
واتهم رئيس البرلمان الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل بشن حرب اقتصادية و«معرفية» على بلاده، بعدما خلصتا، حسب قوله، إلى عدم القدرة على تحقيق انتصار عسكري مباشر على إيران.
وخلال لقاء مع ممثلي قطاع الأعمال الإيراني والعراقي، دعا قاليباف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين بغداد وطهران، واقترح استخدام العملتين الوطنيتين في المبادلات التجارية للحد من الاعتماد على الدولار.
الصين ترفض الانضمام إلى حملة الضغط
وتسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توسيع نطاق الضغط الاقتصادي على إيران من خلال حشد دعم حلفائها والصين.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن من مصلحة بكين الانضمام إلى هذا المسار، خصوصاً أن الصين تعتمد بدرجة كبيرة على إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
وتشير بيانات شركة «كبلر» إلى أن الصين اشترت أكثر من 80 في المائة من شحنات النفط الإيراني خلال عام 2025.
لكن بكين رفضت الدعوات الأمريكية، وقالت سفارتها في واشنطن إن «العقوبات والضغوط لا تساعد في حل المشكلة»، داعية إلى معالجة الأزمة بالوسائل الدبلوماسية.
وأثار تصعيد واشنطن الاقتصادي مع الصين مخاوف من ردود انتقامية، في وقت قالت فيه مصادر تجارية إن عروض النفط الخام الإيراني للمشترين الصينيين تراجعت منذ إعادة الولايات المتحدة فرض حصارها على الموانئ الإيرانية في منتصف يوليو.
وأعادت الولايات المتحدة حصار موانئ إيران وفرضت قيوداً على حركة سفنها في 13 يوليو، بعد انهيار اتفاق لوقف الحرب بين البلدين، في مسعى لحرمان إيران من مبيعات النفط التي تمثل المصدر الرئيسي للعملة الصعبة للبلاد.
وتضاف هذه الإجراءات إلى الخسائر التي تكبدتها إيران نتيجة الضربات التي استهدفت بنيتها التحتية للطاقة خلال الحرب.
وأفادت أربعة مصادر تجارية مطلعة بأن عدد عروض شحنات النفط الإيراني إلى الصين للتسليم في سبتمبر وأكتوبر انخفض مقارنة بعروض يوليو وأغسطس.
مضيق هرمز تحت ضغط الملاحة والطاقة
ويشكل مضيق هرمز أحد أبرز محاور الأزمة الحالية، في ظل تأثير الصراع على حركة الملاحة وأسواق الطاقة العالمية.
وانخفضت أسعار النفط قليلاً الجمعة، لكنها تتجه لتسجيل ثاني ارتفاع أسبوعي متتالٍ، بعدما صعدت الخميس عقب الإعلان الأمريكي عن العقوبات المرتقبة.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن تكثيف الضغط الاقتصادي على إيران يمكن أن يقلل احتمالات استئناف العمليات العسكرية على نطاق واسع، لكن استمرار التوتر حول مضيق هرمز يبقي أسواق الطاقة تحت الضغط، في ظل تأثير الصراع على حركة الملاحة وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.
وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن سبع سفن شحن أبحرت عبر مضيق هرمز الخميس، وهو نصف العدد المسجل في اليوم السابق، وسط مخاوف بشأن حركة الملاحة في الشرق الأوسط مع استمرار الجمود في المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.
ومن بين السفن السبع، دخلت أربع سفن الممر المائي وغادرته ثلاث. ولم تكن من بينها ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال.
وأظهرت البيانات أيضاً أن ناقلة غاز عملاقة واحدة تحمل البروبان والبيوتان عبرت المضيق عبر المسار الإيراني.
أما في مضيق باب المندب، فتراجعت حركة الملاحة قليلاً الخميس مقارنة باليومين السابقين، إذ بلغ إجمالي عدد سفن البضائع العابرة للمضيق 23 سفينة، مقابل 34 سفينة في كل من اليومين السابقين.
ودخلت 16 سفينة المضيق، بينما خرجت منه سبع سفن.
ومن بين السفن السبع الخارجة من باب المندب ناقلتان متوسطتا الحجم تحملان نفطاً خاماً إلى فيتنام والهند، وفق البيانات. ولم تمر ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات غاز طبيعي مسال عبر المضيق.
ولا تشمل هذه البيانات السفن التي تعبر المضيقين فيما تكون أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها مطفأة.





