قتلى وجرحى في «هجوم لارك».. الحرس الثوري الإيراني: سنعاقب المعتدي

دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة تصعيد جديدة بعد الضربة الأمريكية التي استهدفت منصتي إطلاق صواريخ في جزيرة لارك قرب مضيق هرمز، ورد طهران باستهداف مواقع تضم قوات أمريكية في الأردن، بالتزامن مع إعلان إيراني عن هجوم بطائرات مسيرة على قاعدة المنهاد في الإمارات، بينما توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران برد عسكري جديد، وواصلت واشنطن تشديد الضغط الاقتصادي عليها.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الاثنين، إن طهران لا تسعى إلى الحرب، لكنه أكد أنها سترد على أي هجوم يستهدفها.

ونقل التلفزيون الإيراني عن بزشكيان، قبيل مغادرته طهران متوجهًا إلى قرغيزستان للمشاركة في قمة منظمة «شنغهاي للتعاون»، قوله: «لا نسعى إلى الحرب، وهذه رسالة واضحة أعلناها للعالم حتى الآن».

وأضاف: «لكننا لن نقف مكتوفي الأيدي أبدًا في مواجهة أي عدوان، وسنردّ بحزم على المعتدين»، محذرًا من أن «عدم الاستقرار والاضطرابات في المنطقة لا تصبّ في مصلحة أي من دولها، حيث إنها ستضع الجميع أمام تحديات».

وفي وقت لاحق، قال بزشكيان خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة «شنغهاي للتعاون» في العاصمة القرغيزية بيشكيك، إن إيران ما زالت تسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، لكنه اتهم أطرافًا أمريكية بالرغبة في استمرار القتال.

وقال الرئيس الإيراني: «ما زلنا نسعى إلى تحقيق مسار الاتفاق والتفاهم، ونعتقد أن استمرار الحرب ليس في مصلحتنا، ولا في مصلحة المنطقة، ولا يصب في مصلحة البشرية».

وأضاف: «للأسف، هناك تيارات داخل الولايات المتحدة ترى مصالحها في استمرار الحرب وتريد مواصلة الصراعات، لكننا نعتقد أنه ينبغي التحرك نحو السلام والاستقرار والأمن من خلال تعزيز إرادة القوى الداعية إلى السلام».

وقال بزشكيان أيضًا إن إيران «التزمت بالتعهدات، التي قبلتها في إطار الاتفاقيات، لكن الجانب الأمريكي، لم يفِ بالتزاماته».

وجاءت تصريحات بزشكيان بعد ساعات من الضربة الأمريكية على جزيرة لارك، الواقعة في محافظة هرمزغان قرب مضيق هرمز، والتي وصفها الجانب الأمريكي بأنها عملية محدودة ودقيقة استهدفت تهديدًا وشيكًا للملاحة.

وقال مسؤول أمريكي، وفق ما نقلته رويترز، إن القوات الأمريكية ضربت منصتي إطلاق صواريخ إيرانيتين في الجزيرة في 30 أغسطس، بعدما رصدت قوات من الحرس الثوري الإيراني تستعد لإطلاق صواريخ تحمل ألغامًا بحرية باتجاه مضيق هرمز. ووصفت رويترز العملية بأنها أول ضربة أمريكية معروفة على إيران منذ أواخر يوليو.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» إن القوات الأمريكية نفذت «إجراءً محدودًا ودقيقًا» ضد وحدات إيرانية كانت تستعد، وفق الرواية الأمريكية، لزرع ألغام بحرية في المضيق.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني سقوط قتلى وجرحى في صفوف قواته ومواطنين إيرانيين جراء الهجوم، متوعدًا بالرد.

وقال الحرس الثوري في بيان إن «العدو الأمريكي الإسرائيلي، مرة أخرى، وبسبب يأسه من حل المشكلات الداخلية وتقليل مصداقيته بين دول المنطقة، يسعى إلى إحياء دوره المشؤوم وتبرير الرأي العام»، مضيفًا أنه «قام بعمل عدواني بالهجوم على جزيرة لارك».

وأشار البيان إلى أن الهجوم أدى إلى «مقتل وإصابة عدد من مقاتلينا ووطنينا»، متوعدًا بأن هذا العمل «سيتم الرد عليه من قبل أبناء إيران الإسلامية، وسيؤدي إلى معاقبة المعتدي».

وفي حصيلة منفصلة، قالت وكالة «تسنيم» الإيرانية، نقلًا عن مؤشرات أولية، إن الهجوم الذي وصفته بأنه ضربة بطائرة مسيرة أسفر عن مقتل شخصين وإصابة شخصين آخرين. كما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» عن حاكم جزيرة قشم المجاورة، حسين أمير تيموري، أن شخصين قتلا وأصيب آخرون، من دون تحديد ما إذا كان الضحايا عسكريين أم مدنيين.

وبعد الضربة، أعلنت إيران تنفيذ هجمات على مواقع تضم قوات أمريكية في الأردن.

وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن «الجيش الأمريكي شنّ مساء الأحد (أمس)، مرة أخرى، وبانتهاك للسيادة الوطنية والسلامة الإقليمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، هجومًا على أجزاء من جزيرة لارك»، مضيفة أن الهجوم أسفر عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين.

وأضافت الوزارة أنه «ردًا على هذا العدوان العسكري، واستنادًا إلى الحق الأصيل في الدفاع المشروع، وجّهت القوات المسلحة المقتدرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ضرباتها الدفاعية والقوية إلى القواعد العسكرية الأمريكية الواقعة في الأردن، التي كانت مصدرًا وداعمًا للعدوان العسكري الأمريكي على كيان إيران».

وقالت الوزارة إن «العامل الوحيد في جعل ممر الملاحة في المنطقة غير آمن كان الإجراءات غير القانونية والعدوانية للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، التي بدأت بهجومهما على إيران، في 28 فبراير (شباط الماضي)».

وشددت على أن «القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتردد في ممارسة حقها الأصيل في الدفاع المشروع، وستردّ بحزم، وبالطريقة المناسبة، على أي عدوان عسكري للعدو».

وأفاد الجانب الأردني باعتراض 8 صواريخ اخترقت المجال الجوي للمملكة، بينما أشارت تقارير أمريكية إلى اعتراض معظم الصواريخ الإيرانية التي استهدفت مواقع تضم قوات أمريكية في الأردن.

وفي تطور إقليمي آخر، قالت إيران إنها استهدفت قوات أمريكية في قاعدة المنهاد بالإمارات بطائرات مسيرة، في حين أعلنت الإمارات اعتراض طائرة مسيرة قادمة من إيران فوق مياهها الإقليمية ونفت صحة ما تردد عن تعرض قاعدة المنهاد لهجوم.

وقالت وزارة الدفاع الإماراتية إن القوات الجوية تعاملت مع طائرة مسيرة فوق المياه الإقليمية قادمة من إيران، مؤكدة أن القوات المسلحة بقيت في حالة تأهب قصوى، وأن أنظمة الدفاع الجوي تواصل مراقبة المجال الجوي للدولة على مدار الساعة.

وفي المقابل، قال الجيش الإيراني إنه أطلق عشرات الطائرات المسيرة المتفجرة باتجاه قوات وطائرات مروحية أمريكية في قاعدة المنهاد، وقدم العملية باعتبارها ردًا على الضربة الأمريكية لجزيرة لارك. ولم تؤكد الإمارات وقوع هجوم على القاعدة، بينما أكدت اعتراض الطائرة المسيرة فوق مياهها الإقليمية.

وقالت وزارة الخارجية الإماراتية إن الهجوم الإيراني يمثل «تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا» لسيادة الدولة وأمنها واستقرارها، وتهديدًا مباشرًا لسلامة المواطنين والمقيمين.

وأكدت الإمارات أنها تحتفظ «بحقها الكامل والمشروع في الرد» على ما وصفته بالاعتداءات، وحمّلت إيران المسؤولية الكاملة عن الهجمات وتداعياتها.

وفي واشنطن، توعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران برد عسكري جديد بعد الهجمات على القوات الأمريكية في الأردن.

وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن الولايات المتحدة «ستوجه للإيرانيين ضربة قوية»، مؤكدًا أن واشنطن سترد على الهجوم الذي استهدف قواتها في الأردن.

وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن الدفاعات الجوية الأمريكية اعترضت الصواريخ الإيرانية، باستثناء صاروخ واحد، موضحًا أنه «سُمح له بالمرور لأنه لم يكن من المتوقع أن يصيب أي هدف ذي أهمية ولم يشكل خطرًا».

وفي ما يتعلق بالمسار الدبلوماسي، قال ترامب إن إيران «ترغب بشدة في التفاوض»، لكنه أبدى شكوكًا في إمكانية التوصل إلى اتفاق موثوق مع طهران، قائلًا: «لا أعلم ما إذا كان بالإمكان الوثوق بإيران وإبرام اتفاق معها».

وجدد ترامب كذلك موقفه الرافض لامتلاك إيران سلاحًا نوويًا، وقال إن العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران «بدأت تؤتي ثمارها بقوة»، في إشارة إلى استمرار الضغط الاقتصادي بالتوازي مع التصعيد العسكري.

ويأتي ذلك في وقت تدفع فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتجاه توسيع العقوبات على إيران وشركائها الماليين.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن وزارة الخزانة تتجه إلى فرض عقوبات ثانوية جديدة على إيران بصورة أسبوعية، مع تركيز أولي على البنوك.

وقال بيسنت في مقابلة مع رويترز إن الخطوة التالية يمكن أن تشمل عزل مؤسسة بصورة كاملة عن النظام المالي القائم على الدولار.

وأضاف: «سترون المزيد من هذه الإجراءات كل أسبوع».

وتابع: «نبدأ بالبنوك، ونخبر البنوك أنه من غير المقبول أن تحتفظ بأموال إيرانية أو أن تساعد النظام (الإيراني)».

وقال بيسنت إنه يعتزم نقل هذه الرسالة إلى وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية، والدعوة إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، محذرًا من أن المؤسسات والدول التي تواصل هذه العلاقات ستواجه عقوبات ثانوية.

وكانت واشنطن فرضت، الجمعة، عقوبات على فروع لبنك مصر في الإمارات بسبب ما وصفته بصلات مالية مع إيران، وقال بيسنت إن إجراءات لاحقة يمكن أن تستهدف مؤسسات بصورة أشد، بما يشمل فصلها عن النظام المالي القائم على الدولار.

وفي إسرائيل، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إيران تسعى إلى إعادة بناء برنامجها النووي، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح لها بتطوير سلاح نووي طالما بقي في منصبه.

وقال نتنياهو خلال مقابلة مع القناة الـ14 الإسرائيلية: «إيران تريد تجديد برنامجها النووي، لقد منعته وسأمنعه أيضًا. لن تمتلك إيران أسلحة نووية طالما أنا رئيس وزراء».

وأضاف أن إسرائيل «ضربت البرنامج بشدة»، لكنه حذر من إعادة تأهيل القدرات النووية التي تضررت خلال العمليات العسكرية.

وقال نتنياهو إن حكومته حددت منذ الأيام الأولى للحرب هدفًا يتمثل في «تغيير الشرق الأوسط»، متحدثًا عن عمليات إسرائيلية ضد إيران وحركة حماس وحزب الله، وعن الإطاحة بنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، قال نتنياهو إن إسرائيل لم تستكمل أهدافها، وإن خطتها تقوم على القضاء على حماس ونزع سلاحها وإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين.

وأضاف أن «هزيمة النظام الإيراني، ستؤثر بصورة مباشرة على بقية الجبهات»، مؤكدًا أنه «ملتزم بنزع سلاح حماس وسيكمل ذلك بنزع سلاح حزب الله أيضًا».

وتكتسب جزيرة لارك أهمية عسكرية واستراتيجية من موقعها قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط العالمية. وتقول واشنطن إن تحركها العسكري جاء لمنع تهديد مباشر للملاحة، بينما ترفض طهران الرواية الأمريكية وتعتبر الضربة انتهاكًا لسيادتها.

ويزيد التوتر حول المضيق من المخاطر الاقتصادية العالمية، خصوصًا مع ارتباط أي تعطيل للملاحة في هذا الممر بتدفقات النفط وأسعار الطاقة. وأفادت تقارير حديثة بأن أسعار النفط ارتفعت بأكثر من 3% بعد استئناف المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران.

ويأتي التصعيد بعد تفاهم أمريكي إيراني أُعلن في يونيو بوساطة دولية قادتها باكستان، وتضمن ترتيبات لإنهاء الحرب وفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع حول الملف النووي الإيراني والعقوبات وقضايا أخرى.

وبحسب الرواية الواردة في المادة، حُددت مدة 60 يومًا لمسار التفاوض، وانتهت في 17 أغسطس، وسط تعثر تنفيذ التفاهم واستمرار الخلافات بين الطرفين.

ومع استئناف الضربات الأمريكية في إيران في 30 أغسطس، انتقلت المواجهة مجددًا إلى مستوى إقليمي أوسع، من جزيرة لارك ومضيق هرمز إلى قواعد تضم قوات أمريكية في الأردن والإمارات، بينما تتحرك واشنطن على مسارين متوازيين: الضغط العسكري المرتبط بأمن الملاحة، والتصعيد الاقتصادي بهدف عزل طهران ماليًا.

وفي المقابل، يعلن بزشكيان تمسكه بمسار التفاوض، بالتوازي مع تأكيده أن إيران سترد على أي هجوم جديد، في مشهد يجمع بين رسائل التهدئة السياسية والرد العسكري، بينما تظل تداعيات المواجهة مفتوحة على مزيد من التصعيد في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

اقترح تصحيحاً