كان قد حدث في داخل زنازين القاطع الثالث بسجن بوسليم

كان قد حدث في داخل زنازين القاطع الثالث بسجن بوسليم

كان يلاحظ عندما يرتفع منسوب ضيقهم بحياة الزنازين وتضيق بهم، تنبري إحداها لتقول ذلك جهرة، وتحاول تحفّز الأخريات من الزنازين لمجاراتها في القول، ففي أحد المرات، بادرت الزنزانة ما قبل الأخيرة من على الجانب الأيسر في القاطع الثالث، الذي تصطف زنازينه على طرفي ممر مسقوف مسدود بجدار خرساني صلد، لتٌعبّر عن ما تعتمل به صدورهم من ضيق، يدفعها إلى مناجاة الحرية، فتأتي هذه المناجاة على ألسنة الموهوبين القادرين منهم، في صور وصيغ شتى، وقد اختارت هذه المرة الزنزانة ما قبل الأخيرة في القاطع الثالث، النظم في صيغته الشعبية، كأداة للتعبير عن تشوّفها إلى فضاءات الحرية، فقالت على لسان أحد نُزلائها* (يا عُون من شَبّا عليك اُو هدّى *** اُو سلّك شقى منّا خدى ما سدّا) يا عون، ولن تقف الزنزانة عند هذا الحد، بل تقوم بتمّرير مطلع القصيدة الشعبية، إلى باقي الزنازين بقصد نسج القادرين الموهوبون منهم على منوالها، وعندما مُرّرت (الملزومة) إلى الزنزانة التي تحتويه ورفاقه العشرة، تولى مُشاغلتها أحد رفاقه بالزنزانة، فجاء تأطير رفيقه للحرية، كما عكستها الأبيات في معارضيه لمطلع القصيدة الشعبية، في صورة للوحة من نخيل وعيون ماء، وكل مفردات الحياة التى ترّتسم وتعج بها منطقة براك الشاطئ بفزان فهي مسقط رأس القائل ومراتع صبا الشاعر**.

ويبدو بأن للسجان بوسليم مجسّات مبثوثه داخل جدران سجنه، تنقل له مشاعر وأحاسيس وما يكتنف زنازين السجن من تقلبات في أحواله اليومية، وبها يستطيع السجان ومن خلالها معرفة ارتفاع منسوب حالات القلق والضيق والإحباط، قبل أن تفاجأه على حين غفله، بما هو في غناء عنه.

وما مطلع القصيدة الشعبية إلا تعبير عن ما يعتمل في زنازين القاطع الثالث، الذي يضم جل السجناء المنتهية مدد أحكامهم القضائية، وتركوا معلقين داخل زنازين السجن، ويقال وفي هذا الشأن، بأن سجان معتقل أبوسليم، قد تلقى خلال سبعينات القرن الماضي نصيحة من صِنّوه بالبلد الجزائري تقول وبإيجاز شديد (من تُدخله السجن أنساه ولا تلتفت إليه)، لكن وفي المقابل، لا يوجد ما يؤكد أو ينفي هذا القول، وهنا يضغط استفهام يقول هل جاءت نصيحة السجان الجزائري من طرفه حقا؟، أم أنها كانت اختلاق ومن فعل سجان بوسليم، ليجعل منها أداة لطرح وتخفيف الأحمال عن كتفيّه، وتحّميل أوزارها الشنيعة أكتاف الجزائر؟، وفي كل الأحوال ذلك شأن آخر.

فمطلع القصيدة الشعبية التي مُررت إلى كل الزنازين، قد يرى فيها السجان أحد الإرهاصات التي قد ترّفع وتُذكى من منسوب القلق والإحباط والتذمر، داخل مفردات زنازين قاطع السجناء المنتهية مدد أحكامهم القضائية، فهي تنبّه هؤلاء وتوقظهم، بأنه تمت حياة أخرى صاخبة خارج شقاء وأسوار سجن بوسليم.

وهذا التناول وعلى هذا النحو، قد يجعل من الكلمات المنظومة في هذه البيئة التي لا تجيد ولا تكف عن تجريع نُزلائها سوى الشقاء من بعده شقاء، ليست غير  قدّحة قد تُشعل فتيل تململ داخل الزنازين قد ينقلب إلى تمرد تصعب لمّلمته، عندها لا بديل للسجان عن النهوض والمسارعة نحو محاولة تصريف حالة الضغط، الذي تمور به الزنازين، في أمل منه أن يتراجع منسوب القلق والإحباط لدى سجناء القاطع الثالث، ويعود إيقاع الحياة فيه إلى ما لا يقلق سجان بوسليم وزبانيته.

وهنا يقوم السجان وكما جرت عادته بارتداء بزته العسكرية المزينة برتبته المطلة من على كتفيه، ونياشينها المتدلية على صدره ليتخذ بذلك الهيئة التي قد تحتاجها المهمة التي نهض من أجلها، ومن ثم يتقدم صوب القاطع الثالث، وبشماله ملف يحمل استمارات استبيان بعدد سجنائه، وبعدما يتخذ مجّلسه في مدخل القاطع، ويأمر تابعيه بتمرير سجناء القاطع الثالث جميعهم وعلى نحو فردي على مجّلسه، ليتولى هؤلاء الإجابة على ما يحّمله الاستبيان من استفهامات، صيغت على نحو يجعلها مُحملة بقدر عالي من الإيحاءات الإيجابية على مُتلقيها، وكانت مضامينه تتعلق في بعضها بخصوصيات السجين الاجتماعية وأسباب سجنه وأخرى تتعلق بالسجن وظروفه، وما أن تتم الجلسة الاستبيانية ويطوى السجان ملفه ويغادر، تنخرط الزنازين في تأويلات لأسباب ودوافع هذا الاستبيان، وبحكم ما يحّمله من إيحاءات، تنتهي جميع تأويلات الزنازين إلى ما جاء سجان بوسليم من أجله، وتعاود الزنازين إلى حالة ما قبل القلق والتذمر والإحباط.

ولكن عندما قامت الزنزانة الثالثة في ما قبل الأخيرة من ذات الممر المسدود الذي تشكل جملة زنازينه الأربعة والعشرون القاطع الثالث بالسجن الذائع الصيت، وشرعت باختزال مرحلة إرهاصات الفعل إلى الدخول في الفعل على نحو مباشر من خلال انخراط أحد شاغليها في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجا واعتراض على إبقائه داخل السجن، رغم إنهائه مدة الحكم القضائب المسجل في حقه، بمدة تقارب مدة الحكم ذاتها، هنا صار السجان في حيرة من أمره، ليس خوف على ارتدادات الفعل على صحة السجين، فهذه من أخر اهتماماته إن وُجِدتْ، بل كان انشغاله في كيفية مُشاغلة هذه الحالة والتعامل معها، داخل بيئة بها كل المقومات للانفلات نحو تمرد يصعب السيطرة عليه، أداته ووسيلته مقاومة سلبية، كما يحاول إشاعته والتلميح إليه – عن قصد أو غير قصد – أحد عناصر شاغلي الزنزانة المنخرط في إضراب مفتوح عن الطعام، ففي فُعّل السجين المضرب استفزاز واستثارة معنوية، لجمّلة سجناء القاطع الثالث، فهم يشاركونه حالة إنهاء مدد أحكامهم، والبعض منهم بمدد تتجاوز الضعف.

فهذه الأرضية والبيئة والمناخ  قد تدفع بباقي الزنازين نحو الدخول في مقاومة سلبية، يصعب على سجان بوسليم مواجهتا وترويضها، خاصة بأن العنصر المضرب قارب على قفل الأسبوعين في إضرابه، ولم تظهر تصدعات على جدار الإصرار الذي اتخذه مِجن له، ليس هذا وحسب، بل هذا الفعل صار حديث وشغل القاطع الثالث، وهذا في مضمونه ما دَرجّنا على تسميته ارهاصات قد تنتهي إلى ما لا يريده ويخشاه السجان، وقد يحدث هذا في أي لحظة، فقد ظهرت بوادر تململ داخل زنزانة العنصر المٌضرب، فهم يحاولون الانخراط في الإضراب، إن لم يفك رفيقهم إضرابه، غير أن هذا التململ ومن جهة أخرى، يمتثل ضغط ليس بالهين على العنصر المُضرب، لأنه استنتج بأن انخراطهم إن حدث، جاء تعاطفا وتضامنا معه، وليس انحياز منهم إلى حق أنفسهم، وكان من بينهم رجل مسن على بُعد سنة واحدة من ملامسة الثمانين من عمره، قد لا يتحمل بدنه ارتدادات الإضراب على صحته، وهذه تمثل البقعة الهشة في جدار الإصرار، الذي يحّتمى به المُضرب، وقد كانت ككعب أخيل في أحجار جدار إصراره، الذي انهار بتراجع السجين عن الإضراب بفكه مراعاة لصحة المُسِن.

ولكن برغم تراجع العنصر المُضرب بفك إضرابه عن الطعام، لاعتبارات إنسانية، إلا أنه – عن قصد أو غير قصد – تمكن من زرع بذرة واقع جديد، في زنازين القاطع الثالث بسجن أبوسليم، ففي اليوم الذي تم فيه الإفراج عنه إلى خارج السجن، وذلك لم يطول بعد فك إضرابه، كان أحد رفاق زنزانته قد انخرط في إضراب مفتوح عن الطعام، فهل نستطيع القول بعد كل هذا، بأن سجان بوسليم استنتج بألا مفر من معالجة الأمر قبل استفحاله، فكان بذلك القاطع الثالث بسجن بوسليم، الحامل الموضوعي الذي نهض عليه الحدث الذي اتخذ من مطلع قصيدة الفيتوري مسمى وشعار له، وهذا سيصدقه ويؤكده كل من كان يعرف وبعمق طبيعة من كانت بيدهم إدارة دواليب الأربعة عقود الفائتة، فمرجعية هؤلاء في إدارتهم لتلك المرحلة الغابرة، ليس من مفرداتها اعتبارات كثيرة تدفع في اتجاه معالجات على هذا النحو، إلا إذا لم توجد بدائل غيرها، ودفعوا عنوة نحوها وإليها.

==================================================

*الشاعر صالح الغزال هو من جاء بمطلع القصيدة الشعبية.

**المرحوم محمد المهدي القاضي هو من نسج على منوال القصيدة، فجاءت منطقة براك الشاطى بعيون مائها ونخيلها وطبيعة حياتها بنكهتها الجنوبية كصورة خلفية لتشوّفات أبياته الشعرية لفضاءات الحرية،، ملاحظة: ما جاء بين قوسين يجب قراءته باللهجة أو العامية الليبية.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

اترك تعليقاً