من التحقيق في الجريمة إلى التحقيق في فشل المنظومة.. قراءة قانونية في التحول الوظيفي للنيابة العامة في حماية المصالح العامة

من التحقيق في الجريمة إلى التحقيق في فشل المنظومة.. قراءة قانونية في التحول الوظيفي للنيابة العامة في حماية المصالح العامة

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

ليس كل تحقيق جنائي يقتصر على البحث عن الجاني، وليس كل نجاح للنيابة العامة يقاس بعدد المتهمين الذين أُحيلوا إلى القضاء أو بعدد أوامر الحبس التي صدرت بحقهم. فبعض التحقيقات تتجاوز ذلك بكثير، لتكشف خللاً في منظومة كاملة، وتكشف عن أوجه القصور المؤسسي، بما قد يسهم في إصلاحها قبل أن تكون وسيلة لتوقيع العقاب.

ومن هذا المنظور، فإن حملة مكتب النائب العام الأخيرة بشأن المبيدات الزراعية المحظورة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها قضية تتعلق بتداول مواد محظورة أو مخالفة للقانون فحسب، بل بوصفها نموذجاً لتحول أعمق في وظيفة النيابة العامة. فالتحقيق لم يتوقف عند الفاعل المباشر، بل اتجه إلى تتبع السلسلة التي أنتجت الخطر: من الاستيراد، إلى التسجيل، إلى التداول، إلى الرقابة، وصولاً إلى المنتج المعروض على المستهلك.

وهنا يثور سؤال قانوني يستحق التأمل:

هل أصبحت النيابة العامة في الدولة الحديثة تحقق في الجريمة، أم في المنظومة التي سمحت للجريمة بالحدوث؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، يلزم تحديد المقصود بـ “فشل المنظومة”. فلا يقصد به مجرد وقوع مخالفة أو ارتكاب فعل مجرَّم، وإنما يقصد به قصور مجموعة من الوظائف المؤسسية التي يفترض أن تعمل بصورة متكاملة لمنع الخطر قبل وقوعه، كالتشريع، والترخيص، والتسجيل، والرقابة، والتفتيش، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة. فإذا تعطل أحد هذه المكونات أو أكثر، أمكن للخطر أن ينتقل تدريجياً عبر سلسلة من الإخفاقات المؤسسية حتى يصل إلى المجتمع في صورة جريمة أو ضرر جسيم. ومن ثم، فإن التحقيق في فشل المنظومة لا ينصرف إلى مساءلة الفاعل المباشر وحده، بل يمتد إلى فحص مدى قيام كل جهة مختصة بواجباتها القانونية، ومدى إسهام أي تقصير أو امتناع في إنتاج النتيجة الضارة.

إن هذا السؤال لا يتعلق بقضية المبيدات وحدها، بل يمتد إلى قضايا الأمن الغذائي، والصحة العامة، والبيئة، والجرائم الاقتصادية، والجرائم السيبرانية، والفساد، وهي جميعاً جرائم لا يمكن فهمها أو مكافحتها من خلال الفاعل الفردي وحده، لأنها غالباً ما تكون نتيجة إخفاق مؤسسي، أو قصور رقابي، أو ضعف في إدارة المخاطر.

ولا يقصد بالتحقيق في فشل المنظومة توجيه الاتهام إلى جميع المؤسسات أو تحميلها مسؤولية جنائية جماعية، كما لا يعني تجاوز الاختصاصات المقررة للجهات الفنية أو الرقابية. وإنما يقصد به انتقال التحقيق من التركيز على الفعل الإجرامي في صورته النهائية إلى فحص الأسباب المؤسسية التي مكنت ذلك الفعل من الوقوع أو الاستمرار.

فالجرائم ذات الطابع الجماعي، كالمساس بسلامة الغذاء، أو البيئة، أو الصحة العامة، أو المال العام، لا تنشأ – في الغالب – من سلوك فردي معزول، وإنما تكون نتيجة سلسلة من القرارات أو الإغفالات أو أوجه القصور في التشريع، أو الترخيص، أو التسجيل، أو الرقابة، أو التفتيش، أو تبادل المعلومات بين الجهات المختصة. ومن ثم، فإن التحقيق في فشل المنظومة لا يقتصر على تحديد مرتكب الجريمة، بل يمتد إلى الكشف عما إذا كانت هناك إخفاقات مؤسسية أسهمت في إنتاج الخطر أو في تفاقمه، وذلك تمهيداً لتحديد المسؤوليات الجنائية أو الإدارية أو التأديبية، كلٌّ في حدود اختصاصه وبالضمانات التي يقررها القانون.

لقد اعتاد الفكر الجنائي التقليدي أن ينظر إلى وظيفة النيابة العامة باعتبارها سلطة تتدخل بعد وقوع الجريمة؛ تجمع الأدلة، وتحدد المسؤول، وتحرك الدعوى الجنائية، وتمثل المجتمع أمام القضاء. غير أن تطور الدولة الحديثة، وتعقد المخاطر التي تواجهها، فرض على النيابة العامة أدواراً أكثر اتساعاً، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم تمس مصالح جماعية، كالبيئة، وسلامة الغذاء، والصحة العامة، والأمن الاقتصادي.

ولا يعني هذا التطور أن النيابة العامة تمارس اختصاصاً جديداً خارج الحدود التي رسمها القانون، وإنما يعني أن طبيعة الجرائم الحديثة أصبحت تفرض أسلوباً مختلفاً في ممارسة اختصاصها الأصيل في تحريك الدعوى الجنائية والتحقيق فيها. فالجرائم التي تمس المصالح العامة، كسلامة الغذاء، والصحة العامة، والبيئة، والمال العام، لا تنشأ – في الغالب – من فعل فردي معزول، وإنما تكون ثمرة سلسلة من القرارات أو الإجراءات أو الإغفالات المتعاقبة. ومن ثم، فإن قيام النيابة العامة بفحص هذه السلسلة، والاستناد إلى ما تنتهي إليه الجهات الفنية والرقابية من تقارير ونتائج، لا يُعد إحلالاً لنفسها محل تلك الجهات، بل يمثل ممارسة لاختصاصها في الكشف عن جميع الظروف والأسباب ذات الصلة بالجريمة، وتحديد ما إذا كان الخلل المؤسسي أو التقصير في أداء الواجبات القانونية قد أسهم في وقوعها، تمهيداً لتحديد المسؤوليات الجنائية أو الإدارية أو التأديبية، كلٌّ في حدود ما يقرره القانون.

ولا يعني ذلك أن النيابة العامة أصبحت بديلاً عن الجهات الرقابية أو الفنية، فهذه الجهات هي صاحبة الاختصاص في الفحص والرقابة والتحليل. غير أن دور النيابة يتجلى في تحويل نتائج تلك الأعمال الفنية إلى مساءلة قانونية، وفي الربط بين عناصر الخلل المختلفة، بحيث لا يتوقف التحقيق عند الحلقة الأخيرة من السلسلة، وإنما يمتد إلى كل من أسهم، بالفعل أو الامتناع، في إنتاج النتيجة الضارة.

وفي هذا السياق، تكشف حملة المبيدات عن تطور يستحق الدراسة؛ إذ لم تبدأ من بلاغ ضد شخص معين، ولم تنطلق من ضبط تاجر متلبس، وإنما بدأت من مؤشرات علمية كشفت وجود خطر يهدد المجتمع، ثم تحركت النيابة لتتبع مصادر هذا الخطر، وتحديد مواضع الخلل، والكشف عن المسؤوليات الجنائية والإدارية التي سمحت باستمراره.

وهنا تتجاوز النيابة وظيفة “الادعاء” إلى وظيفة أكثر عمقاً، تتمثل في مساءلة المنظومة التي أنتجت الخطر، وليس الاكتفاء بمساءلة من ارتكب الفعل الأخير في سلسلة الأحداث. وهو ما ينسجم مع الاختصاصات التي خولها قانون الإجراءات الجنائية للنيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية، والإشراف على التحقيق، والكشف عن جميع الوقائع والظروف المتصلة بالجريمة.

ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذه الحملة لا تكمن في عدد المحال المغلقة أو كميات المبيدات المضبوطة، بل في أنها تقدم نموذجاً لسياسة جنائية تتجه إلى معالجة الأسباب المؤسسية للجريمة، وليس الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيها. وهي مقاربة تتسق مع الاتجاهات الحديثة في السياسة الجنائية، التي ترى أن حماية المصالح العامة تقتضي اكتشاف مواطن الفشل المؤسسي قبل أن تتحول إلى أضرار واسعة النطاق.

ويبقى التحدي الحقيقي هو ألا تظل هذه المقاربة استجابة ظرفية لملف معين، بل أن تتحول إلى نهج مؤسسي يمتد إلى ملفات أخرى، كسلامة الدواء، والأمن السيبراني، وحماية المال العام، والجرائم البيئية، بحيث يصبح التحقيق في أسباب الخطر جزءاً أصيلاً من حماية المشروعية، وليس مجرد مرحلة تسبق توجيه الاتهام.

وعندئذ فقط يمكن القول إن وظيفة النيابة العامة لم تعد تقف عند حدود ملاحقة الجريمة، بل أصبحت تسهم في حماية الدولة من الإخفاقات المؤسسية التي تُنتج الجريمة من الأساس.
إن قيمة هذه الحملة لا تقاس بعدد أوامر الحبس أو كميات المضبوطات، وإنما بقدرتها على ترسيخ فكرة أن حماية المجتمع تبدأ بالتحقيق في أسباب إنتاج الخطر، لا بالاكتفاء بملاحقة من ارتكب حلقته الأخيرة. وإذا استقر هذا النهج، فقد يشكل بداية تحول نوعي في السياسة الجنائية الليبية، يجعل من النيابة العامة شريكاً في حماية المصالح العامة من خلال كشف مواطن الخلل المؤسسي قبل أن تتكرر آثارها.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا