يارب لاتخرب ديار “الأب جوزيبي” و لا تيتم اطفاله ولاتحرق قلب زوجته…….!
ويارب اجعل سمواتك تمطر “صعاليك” مثلي واجعل اراضيك قاحلة لاتنبت قبائل لكي تتوقف الحرب علي التخوم البعيدة ويعود الاطفال الي مدارسهم!
**********
عندما كنت طفلا ارعي الاغنام في سهوب “الحمادة” قالوا لي ان البدوي اذا عضته افعي عليه ان لايجري مثل التائه لأن السم سوف ينتشر في جسده ويموت والحل هو ان يقطع اصبعه فأضطررت آنداك ان اقول لهم ان هذه النصيحة لاتناسب المرحلة العمرية!
وبعد ذلك بعدة سنوات ذهبت الي “طرابلس” ونزلت الي البحر وقلت جملتي المشهورة ” مالح ومصقع” فأتخذني الطرابلسية طوال ذلك اليوم موضوع رئيسي للحوار بغية استفزازي للأفصاح عن المزيد من الذرر في وصف الاشياء الاخري التي تعج بها طرابلس فالمرء في طرابلس قد لايلتقي ببدوي كل يوم!
ولأن قريتي النائية لم يكن بها مدرسة ثانوية آنذاك انتقلت الي “مزدة” , وكانت آنداك الشيوعية تلفض انفاسها الأخيرة ..ووقفت الأمم علي حافة اسطر التاريخ كل لها ماكسبت وعليها ما اكتسبت وبينما كان العالم يولد من جديد..كانت “ليبيا” تنتحرفي منظومة القطاع العام…وكنا نحن قبائل “الحمادة الحمراء” نقتسم القسم الداخلي علي هيئة “كوتونات”… وحدث ذات مرة ان احتجزني المرحوم “سعيد بلموا” مدير المدرسة الثانوية والقسم الداخلي آنداك عندما حاولت ممارسة دور “العكيد” في “باب الحارة” في احد غرف القسم الداخلي وقال لي من القدر ان يقوم البدوي بالخربشة علي وجه الرمال ومن القدر ان تأتي الرياح في اليوم التالي لتمحوا اثار البدوا الهمجية…. فالدنيا دوائر فأختر قدرك ولاتضيع عمرك بالخربشات العبيطة.
سعيد بلموا كان عريض المنكبين فارع الطول اسمر اللون كأنه قادم من كوكب “باندورا” في فيلم “افاتار” كان يتنفس الهواء ويمشي علي الارض و يقف مساء خلف باب السينماء في “مزدة” وينتزع التذكرة من بين ايدينا ويأمرنا بالانصراف الي المذاكرة خصوصا في فترة الامتحانات, وكان يقوم بسيارته الخاصة يوم الأربعاء والخميس بالذهاب الي مفترق الطرق لأننا نهرب من المدرسة ونقف هناك لنستقل السيارات العابرة التي توصلنا الي قرانا المثناثرة في الحمادة , وكان لايعترف باوقات الدوام فيأتي بلاموعد كل صباح او كل مساء او مابين ذلك للتشجير اوللتنظيف اوللطلاء او للمراقبة او اي شيء آخر ويقوم في منتصف كل ليلة ليتأكد ان الأمن مستتب حول داخلي البنات الذي كان يقع تحت عهدته ايضا .
ولكن سعيد بلموا نفسه مات في حادث سيارته المشهورة نوع “بيجوا 404” ولم يذكره التاريخ ولم يتذكره الناس لأنه اضاع عمره في خربشات “عبيطة” مضحكة علي صفحة رمال متحركة ومتقلبة مثل تقلب قلوب البدوا, منها علي سبيل المثال ممارس النزاهة في عصر القطاع العام وعدم المشاركة في الغارة علي اموال الدولة اومحاولة تعليم البدوا ان النمو مثل فطر صحراوي منتفخ بلاجذورضاهرة غير صحية وغير مفيدة.
ففي “مزدة” نفسها وما ان امتلكنا بنادق آلية حتي اصبح الموت بالمجان وتحول اولئك الناس المشهورين بالكرم زملائنا في المدرسة والذين كنا ننام ونأكل في بيوتهم وندعوهم بالأخوة مثل “عمر ميلاد وحي, وجمال الجلد, وبلقاسم الضبع” الي اعداء واصبحنا نصطاد بعضنا البعض مثلما نصطاد الأرانب البرية.
**********
سنيين قليلة اخري وجاء “تنسيب” الثانوية العامة فوجدت نفسي في بنغازي حيث مارست دور “الذايح” بأمتيازفأختارت بنغازي ان تكون أمي فأعطتني كل شيء علي بياض معيد بالجامعة وامتلكت صيدليتين احدهما بشارع دبي (صيدلية المنتزه) والاخري بشارع البيبسي (شهداء الزنتان حاليا) (صيدلية لبدة) وانتفخ رصيدي وتسرب الي نفسي بعض الغرور, وعندما نادي المنادي تركت كل شيء ورأي ورحلت لأن المرء اذا لم يلبي النداء قد تزوره الخيالات بقية العمر ويصاب بالهلاوس وتأكله هوائم الندم.
كان ثمة شرخ في بنغازي منذ البدء عززه “القطاع العام” وصراع القبيلة علي تخوم الثروة وقد حدث ذات مرة ان قرر بعض الطلبة في “جامعة العرب الطبية” من ذوي العائلات المعروفة تكوين نادي “العائلات الراقية”. ولم ندري نحن “الشعابيط” ماذا نفعل, الي ان اقترح “محمد حمزة” اطلاق “كاسكواتنا” مثل قبائل “التحنوا” وتكوين نادي منافس “للعائلات الحقيرة”.
انا اعرف بنغازي مثلما اعرف راحة يدي فقد مشيت في شوارعها وحيدا عاريا بلاقبيلة مسافة خمسة عشر عاما واذا ما قدر للأنسان ان يكون مختوما بالبلد الذي كون منه “لحم اكتافه” فستجدون علي كتفي ختم “صنع في بنغازي” ولأن المرء قد يخونه القدر فلايولد شاعرا فلايمكنني ان اقول فيها ماقاله “المتنبي” في “حلب”, فمشكلة بنغازي كما وصفها احد ابنائها “عادل الفرجاني” ان مدنية المدينة لاتنتصر علي العصبيات المكونة لها وان العصبيات المكونة لها لاتنتصر احداها علي الاخري وهكذا وفي وجود صنم القطاع العام “الصراع علي الثروة” والي ان يرزقنا الله بفيلسوف يتكلم لغة مفهومة سيستمر الصراع بجميع الوان الطيف ديني او قبلي او حضور ضد بدوا.
**********
ذات شتاء بارد جاء المطر ووجدت نفسي في كندا كانت طرق مغطاء بالجليد وليالي متشابهة شكول كلها بيض وسود ….ولكن “الجماهيرية” قطعت علاقاتها بكندا ولم احظي بأبتسامة واحدة من المشرف الطلابي هناك وثم ارجاعنا الي ارض الوطن. ولأن البدوي بطبيعته كثيرا ما تخونه الطبيعة ويخذله المطر فلاياتي في العام القادم وبالتالي يحبذ “اللعب علي المضمون” فلم استمع الي نصيحة الطلبة من مدينة “سرت” و”بني وليد” الذين استضافوني لعدة اشهر في بيتهم دون ان ادفع مليم واحد بالبقاء و الاعتماد علي النفس. وهكذا ورغم عرض صديق لبناني شيعي تعرفت عليه هناك اسمه “محمد” بالعمل عنده في سوق كان يملكه الي ان احل ازمتي فقد قررت العودة وتغيير الدفة الي بلد آخر.
وذات خريف دامي بلون الدم القاني وجدت نفسي في مطار “فيمتشينوا” بروما حيث اضعت جواز سفري يوم 10 سبتمبر وفي اليوم الذي يليه كانت “نيويورك” ترقص علي نبض اللهيب و النار , كانت صفقة من النوع الممتاز رابحة للجميع , الرأسمالية وجدت عدوا خارجي بعد سقوط الشيوعية و ضمنت عدم نشؤ عدوا من الداخل ليدمرها حسب تنبؤات “هيجل” في صراع الموضوع ونقيضه , و الاسلاميين وجدوا عدوا كافر وهو اقصي مايتمنونه, اما الأنظمة العربية آنداك فقد خرجت من المولد بأطنان من الحمص فبعدما تحول الغرب الي بوابات بوليسية تطارد العرب و المسلمين علي لون وجوههم وتضيق عليهم سبل الحياة, فقد ضمنت عدم فرار مواطنيها الي الخارج بحجة انه لايوجد مواطن عاقل يفكر في الفرار من الجنة خصوصا اذا كانت من عيار “الفردوس الارضي” وضمنت ايضا تصفية جميع معارضيها بتهم جاهزة وبمباركة الغرب نفسه, اما اللوبيات المنافسة في امريكا التي كانت تخشي نموا لوبي اسلامي عربي (خصوصا مسلمي الهند والباكستان) فهي لم تكن مضطرة لحضور المولد علي الرغم من انها غنمت اكثر من الحاضرين انفسهم. اما الرابحون الأخرون فيصعب حصرهم مثل شركات السلاح, والامن, السياسيين والاعلام , واجهزة المخابرات….الخ فجميعهم سوف يمتلكون مبرر للأستمرار في انفاق اموال الضرائب وتحقيق الارباح لأن السلام نفسه قد يكون مشكلة وخسارة للجميع اكثر من الحرب نفسها.
**********
في ايطاليا حاولت ان اتخلي عن مشية “الغراب” والتصرف بأناقة تامة! الا انني اكتشفت ان البدوي عندما ينكر اصله لايتحول الي “…….” كما يعتقد سكان قارة “ليبيا”, بل يتحول الي فيل اعمي يتظاهر بالرشاقة في متجر للمشغولات الزجاجية في حين ان كل حركة تقول له انت فيل ضخم وبليد! وهكذا في بلد مثل ايطاليا الاكل له طقوس و المشي له طقوس والحب له طقوس واللبس له طقوس فأن محاولة تقليد مشي الحمامة محاولة يمكن اكتشافها من عدة اميال.
لقد كان الامر اشبه بمهرجان للعار فجملة “البولبوا ابروتوا” “الاخطبوط عفن” اصبحت مثل سائر هناك عند اقدام “جاليليوا” في كلية الصيدلة بمدينة “بيزا” الايطالية وماجاورها من الكليات الاخري. فقد جرت العادة اننا جميع الطلبة في المعمل كنا نقوم بتناول وجبة عشاء او غذاء جماعية في احد المطاعم مرة كل شهر. وقد حدث ذات مرة بعد ان دفعنا 23 يوروا لكل طالب ان حجزت لنا “كاتي” وجبة غذا اخطبوطية فرفضت تناولها.
الحق يقال انني لم اكن اخشي ان يقوم الاخطبوط بنفت الحبر داخل احشائي فأتحول الي بدوي ازرق! ولكن ببساطة لم استسيغ سيقانه الملوية الرطبة التي لاتشبه “الترفاس” وعندما سألوني لماذا لا اكل : قلت بأختصار البولبوا ابروتوا!
صدقوا اولاتصدقوا في الغربة يمكن للمرء ان يولد من جديد ويمكنه ان يكون بدوي من نوع خاص او معتكف او بطل من ابطال “موسم الهجرة الي الشمال”, لأن الجلوس علي ربوة عالية ومراقبة طابور النمل تجعل المرء يتعلم كيف يمكن ان يكون “عرافا” خصوصا اذا كان يجيد مجموعة من اللغات يضربها كل يوم في “الخلاط” مثل “الفروبي ” ولكن الجلوس علي ربوة عالية منفردا قد تجعل المرء نفسه يتحول الي نوع من انواع القنافذ البرية التي تزداد انكماشا كلما اقترب منها الأخرين لدراستها من الداخل.
واكتشفت في الغربة ايضا ان المرء حتي ولو كان “عرافا” يمكنه ان يسقط في الفخ مرة حدث ذلك مع “الاب جوزيبي” الذي ضبطنا متلبسين في وسط الكنيسة واحتفل بذلك علي طريقة “عمية وامسكت بتلابييب لص”.
ففي “بيروجيا” علي قمة جبال “اومبريا” حيث الخبز بلا ملح (1) كنا احيانا نقضي الامسيات امام النافورة جلوسا علي “السكالا” عند ابواب الكنيسة وذات مساء رن جرس الكنيسة وتزاحم الناس للدخول للصلاءة فأغراني الطبيب “الصادق” القادم من الجبل الاخضر الذي كان يسمي النصاري “بالذين اتخذوا عهدا” بالدخول معهم لمعرفة طريقة الصلاة وماحدث بعد ذلك اسواء مما حدث لبطل رواية “عصفور من الشرق”.
لقد اكتشف الاب جوزيبي امرنا والامر لايحتاج الي الكثير من الذكاء لأننا بوجوهنا الكالحة القادمة من مدار الجدي والتي لاتشبه احدا كنا كاللصوص الذين يحملون فوانيس ,فتوجه نحونا بكل ادب وطلب منا ان يستضيفنا علي قهوة “المسيح”. وفي المقهي ذهب بالحديث في كل الاتجاهات عن الاخوة والانسانية ولكن في نهاية المطاف وصل الي النقطة المنشودة : لقد شاهدتم صلاتنا ..نحن لاندعوا في صلواتنا اللهم اهلك المسلمين وخرب ديارهم ويتم اطفالهم…فلماذا تفعلون ذلك؟
**********
وفي ايطاليا ايضا اكتشفت ان المرء عندما يمارس طقوس الغربة منذ الصغر تتحول الغربة الي حرفة ويتحول المرء الي مخلوق من جنس ثالث يحب التواجد في الاماكن التي لايعرفه فيها احد فيفر بالفطرة ودون ان يشعرمن الناس مثل المجذوم, وقد استيقظت ذات صباح وذهبت الي محطة القطارات وركبت قطار بيزا- فلورانس – سيينا حيث يقام مؤتمر “للكيمياء” الاانني فوجئت بغضب الطلبة الذين كان من المفترض ان احشر نفسي معهم في سياراتهم الصغيرة مثل كل مرة في الطريق من بيزا الي سيينا. فقالت “فيدريكا” وبدون غضاضة “بدوينوا…….اون كرياتوارا اسوشيالي” ” بدوي…….مخلوق غير اجتماعي” ولقد انتقمت منها فقلت لها ان المرء لايمكنه ان يحتمل اربع ساعات من الهراء حول الاكل واللبس و الجنس. فربت “باولوا” علي كتفي وقال بربك قل لي هل يوجد شيء آخر في الدنيا؟
وفي “بيزا” في المطعم الجامعي قرب ساحة الفرسان “بياتزا ذي كافييلييري” كانت السيدة “تتسيانا” العاملة في المطعم الجامعي تناديني ب”الميو بيزانوا” اي “بلدياتي” الحق يقال انها كانت تحبني ولوجه الله وتملئ صحني بالكثير من شرائح “السلمون” اللذيذة ثم تقول “اكويس”, والسيدة تتسيانا من مواليد “طرابلس” وقضت بعض طفولتها هناك ولازالت تخفظ بعض الكلمات الليبية وتشعر بالحنيين الي ليبيا رغم تقدمها في السن.
وفي نفس المطعم الذي كانت طاولاته الكبيرة تشبه حلقات النقاش كانت طاولتنا اشبه بندوة فكرية يتراسها “اوغوستينوا” طالب دراسات عليا في كلية الاداب الذي كان يعرف “ابن خلدون” “وابن رشد” و”ابن العربي” وشاهد فيلم “المصير” وفيلم “المهاجر”. اما “ماركوا” القادم من “سيشيليا” فأنه يحمل اسم “احمد” لجده السابع ويتحدث عن الكثير من المباني العربية في “باليرموا” وربما كان من بقايا الدولة الفاطمية ايام “جوهر الصقلي”. اما “جيتكا سالبونوفا” التي تتمتع بروح قرصان مغامر فهي قادمة من تشيكيا ودرست الاثار في بيزا ثم في جامعة برستل في “بريطانيا” واصبحت استاذة في الانثربولوجيا وقد زارت ليبيا عدت مرات ودرست كهوف ماقبل التاريخ ومدحت الليبيين في كل شيء حتي انني لم اخذ اقوالها علي محمل الجد حين قالت عن الليبيين انهم شعب وسيم!
كما قالت ايضا انها مارست لعبة المشي منفردة في الليل فوق رمال الصحراء وتحت النجوم ووصفته بأنه شعور مدهش لاعلاقة له بعقار “الماريجوانا”, وكانت آنداك منهمكة في اعداد كتابها “الخطوات الاولي للرسوم الصخرية في الصحراء”(2) والذي وعدت بأرسال نسخة منه حال صدوره وقد صدر فعلا عن “جامعة اكسفورد” الا انني لم اتلقي اي نسخة منه واخر رسالة استلمتها منها قبل سنوات كانت تقول: عزيزي اعرف انك مازلت تذرع العالم مثل بحار..عندما تتوقف عن هذه العادة وتمتلك عنوان سوف ابعث لك نسخة من كتابي.
اما “اوجينيا” وصديقها “سالفاتوري” فقد كانا محترفين في اختراق الغرباء ومؤهلان بالسليقة للعمل في اي منظومة أمن الداخلي وكانا يدرسان الفلسفة الاغريقية و متناقضين في كل شيء فهوا هادئي كأنه رجل من رمل قادم من “تورينوا” عاصمة الصناعة في الشمال الايطالي وقد قال لي علي سبيل المزاح : بأمكانكم ان تقطعوا ايطاليا بمنشار من المنتصف وتضموا النصف السفلي لكم فبدونه سوف نصبح اقوي من المانيا. اما هي فقد كانت كتلة نار مشتعلة قادمة من الجنوب وكانت تسمينا “اكلة اللوتس”(3) وقد التقيتهما ذات مرة في “كورسوا ايطاليا” فقاداني الي مكتبة “زانكيللي” وارتني رواية “الازنوا دوروا” “الجحش الذهبي” و “الالياذة” “والاذويسيا” و “تاريخ ليبيا”. وقد كانت متعصبة للرومان علي حساب الاغريق ولم يعجبها انني نوهت الي وجود تشابه بين “رسالة الغفران” لابي علاء المعري و “الكوميديا الالهية” لدانتي,كما انه لم يفتها اثناء مطالعتها لجريدة “الماتينوا” “الصباح” وقراءة خبر تسليم ليبيا لااسلحتها الكيميائية ان تعلق” ليبيا تسلم اسلحتها الكيميائية وانت تدرس الكيمياء هنا…اتمني ان لاتضع ماتعلمته هنا في يد الشيطان!
**********
وقد حدث ذات مساء وفي ذات المطعم ان التقيت بأحد الطلبة “الالبان” وهو طالب دراسات عليا في مجال الصحافة بصحبة صديقته النحيفة وما ان قلت له انني من ليبيا حتي التفت الي صديقته وقال هي ايضا من ليبيا؟ ولأن الامر غير متوقع فقد سألتها بالعربية من اي مدينة وماذا تدرس ولكنها لم تفهم ! فأعدت السؤال بالايطالية فقالت انها من يهود ليبيا وان اباها ينحدر من بنغازي وامها من طرابلس وقد هاجروا من هناك واستقروا في ايطاليا…الي هنا وعلي رأي بدوا سيناء “خلص الكلام” لأنني لم اكن مستعد ماذا اقول واي مستوي من الحوار يجب ان اطرح, فهي يهودية من الجيل الثاني او الثالث الذين هاجروا او هجروا من ليبيا و نسوا العربية واثروا البقاء في ايطاليا منهم اايضا عائلة “الزروق” المقيمين في “ليفورنوا” وهي مدينة تبعد عشرين كيلومتر عن بيزا وهي عائلة معروفة هناك اذ ان الكثير من الطليان كانوا يسألونني ان كنت اعرفهم. لقد استغرب الالباني توقف الحديث اما هي فقد رمقتني بنظرة فصيحة تقول: بأمكانك ان تتوقف عن الحديث وانا ليبية ولايمكن لأحد ان ينتزاع ذلك مني وحتي بعد ان هجرت لم اذهب الي “فلسطين” ولم اغتصب ارض احد وسوف نتقابل عند الله!
**********
وفي توسكانيا ايضا اجمل بقاع الدنيا اشتممت ذات ظهيرة رائحة رياح “القبلي”… وقد قال الرفيق “اوراقيوس” القادم من اثيناء والذي كان يحب “القذافي” ان هذا الامر ليس عجيبا ففي اليونان الرياح الجنوبية الغربية تسمي الرياح “الليبية”(4) . والرفيق اوراقيوس والرفيقة “اوكاسيا” القادمة من بولندا عضوين بالحزب الشيوعي وقد حاولا استقطابي الي هناك واضطررت الي حضوربعض الندوات والمحاضرات المملة التي بدل محاضروها جهد في توقع الحركة القادمة للرأسمالية ولكن في نهاية المطاف اضطررت ان اقول لهم وعلي “بلاطة” انه ليس بألامكان ان نتحول الي شيوعيين فنحن في ممالك الرمال نوع من انواع الطحالب البرية التي تعيش علي ضفاف بحيرات البترول ولانعرف طبقة “البروليتاريا” الا من خلال الكتب كل مانعرفه انه لدينا صندوق كبير محشوا بالاموال يسيطر عليه الاقوياء ويدفعون من خلاله اتاوة للدول الكبري علي هيئة استثمارات خارجية وصفقات اسلحة وبعثاث دراسية وتعويضات ويدفعون مرتبات للضعفاء بقانون “لاتفني الغنم ولاتجوع الّذيب” وطالما تصرف الضعفاء بطريقة اليفة ومطيعة فلاتوجد مشاكل للجميع, اما اذاما تمرد الضعفاء واختل النظام فسوف تزدهر الحرب الي امد طويل الي ان يجود علينا الزمان باقوياء جدد يسيطرون علي هذا الصندوق بعد ان يتعهدوا بدفع اتاوة مجزية للدول الكبري, زد علي ذلك ان الشيوعية نفسها تسير علي نفس خطي ماركس فهي تفسر التاريخ ولكن لاتصنعه.
واذا كانت رياح القبلي تعبر سهوب الحمادة وتنموا فوق لجة البحر الازرق لتطاردنا في بلاد الناس مثل جيوش من الجن فأن قارة ليبيا نفسها تتحول في الغربة الي شجرة سنديان ضخمة تنموا فوق صدرك وتسد امامك الافق الرحب. اذ كان ثمة ثلاثة ليبيين في مدينة “بيزا” وكنا نلتقي بشكل شبه يومي في احد مقاهي “كورسوا ذي فنوتشي” وكان الحديث متشابك ومتشعب مثل شبكة الطرق التي كانت غالبا ما تؤدي في نهاية المطاف الي روما. كنا دائما نقفز الي النتائج بشكل طفولي فبمجرد ان نقتل “ملك الملوك” وندفنه في مكان مجهول فليبيا سوف تتفوق علي سويسرا. وفي سويسرا الايطالية بالذات علي ضفاف بحيرة “لوقانوا” كان عيد رأس سنة استثنائي ذلك العام وكنا ثلاثتنا العبد لله و “خالد ابوفلغة” و”محمود الجعراني” نجتر نفس الحكايات حول منظومة ليبيا وليبيا الغد ولكن بعد خمس سنيين قضيناها معا في الغربة تشعبت الطرق مرة اخري وتمددت ولم تؤدي الي اي شيء فنادي المنادي وافترقنا ولم نلتقي بعد ذلك.
المرة الأخيرة التي رأيت فيها الدكتور ابوفلغة كانت علي شاشة تلفاز”الجزيرة” من مستشفي مصراتة بعد سقوط الكثير من الضحايا اثناء حرب فبراير….. حرب فبراير نفسها غيرت كل شيء فينا واكتشفنا اننا لانتشابه فأنا بدوي من سكان “جمهورية الزنتان” وهما من سكان “جمهورية مصراتة” وكلا منا يتبع حكومة مختلفة ياتري لوالتقينا مرة اخري واجبرنا علي قضاء خمس سنيين اخري “غير عجاف” عن ماذا سنتحدث ؟ وماذا سنتذكر وماذا سنجتر؟
يتبع…………..
_____________________________________
(1) في بيروجيا الخبز بلاملح: لأن سكان الجبال في بيروجيا تمردوا علي البابا في القرون الوسطي فقام بحصارهم وقطع عنهم الملح الذي كلنوا يستوردونه من المدن الساحلية.
(2) موقع كتاب “الخطوات الاولي للرسوم الصخرية في الصحراء” علي اماوزن
(3) اكلة اللوتس: الأدويسيا: وهي ملحمة شعرية وضعها هوميروس في القرن 8 قبل الميلاد. وتتكون من 24 جزئا تروي قصة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا بعد معركة طروادة وضياعه بين الجزر و البلدان حيث قدم الي ليبيا وتصف الاسطورة الليبيين بأنهم أكلة زهرة اللوتس التي تسبب نسيان الماضي.
Lips or Livos (4) الرياح الجنوبية الغربية في اليونان تسمي تاريخيا الرياح الليبية (لبز او لابيوز) وهي رياح القبلي تعبر البحر وتصل الي هناك محملة بالغبار و الاتربة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




