في خطوة تاريخية لتعزيز صوت القارة الأفريقية في ملف الهجرة، استضافت القاهرة قمة وزارية بمشاركة وزراء خارجية وممثلين عن 17 دولة أفريقية تُعرف بـ”الدول الرائدة” في تنفيذ الميثاق العالمي للهجرة، إلى جانب المنظمة الدولية للهجرة.
وجاء الاجتماع في إطار جهود القارة لتنسيق المواقف الإقليمية وتقييم التقدم منذ المنتدى الدولي الأول لاستعراض الهجرة في نيويورك عام 2022، وتعزيز التعاون لمواجهة التحديات المتزايدة المرتبطة بالنزاعات، وتغير المناخ، والتفاوتات الاقتصادية، وتأثيرات الهجرة غير النظامية على التنمية والاستقرار.
وأصدر الوزراء بيان “إعلان القاهرة”، الذي ركز على أهمية المسارات النظامية للهجرة، وتوسيع فرص العمل والتنقل داخل القارة وخارجها، مع تعزيز التعاون عبر الحدود لمكافحة الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، بما يضمن حماية حقوق المهاجرين ويعزز الأمن الإقليمي.
وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن ملف الهجرة يشكل تحديًا كبيرًا لمصر وللقارة ككل، معربًا عن استياء بلاده من محدودية الدعم الدولي لمواجهة الظاهرة، ومطالبًا بتضامن عالمي أكثر فعالية.
من جانبه، أوضح مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية السفير وائل نصر، في تصريحات لوكالة سبوتنيك، أن أزمة الهجرة غير النظامية لا يمكن فهمها بمعزل عن جذورها التاريخية والاقتصادية، معتبرًا أن الفقر في القارة “فقرًا مصطنعًا” زرعه الاستعمار الغربي عبر استنزاف الموارد ومنع الشعوب من الاستفادة منها.
وأضاف نصر أن أفريقيا تمتلك أراضي خصبة ومعادن نفيسة وموارد طبيعية هائلة، غير أن سوء الإدارة المحلية واستمرار الهيمنة الاقتصادية الغربية حالا دون تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة حقيقية، مشيرًا إلى أن القوى الاستعمارية السابقة، وعلى رأسها فرنسا وبلجيكا وبريطانيا، لا تزال تفرض نفوذًا اقتصاديًا رغم انسحابها السياسي.
وأشار البيان الختامي للقمة إلى أن أفريقيا لم تعد مجرد طرف متأثر بالسياسات الدولية، بل شريك فاعل في صياغتها، مؤكدًا أن التعاون الإقليمي والتنسيق بين الدول يمثلان العامل الأساسي لتحقيق إدارة فعالة ومستدامة للهجرة.
وأكدت القمة على أهمية الملكية الأفريقية في صياغة أطر حوكمة الهجرة، بما يشمل الأبعاد الأمنية، والتنموية، والمؤسسية، والتغير المناخي، مع التركيز على حماية حقوق الإنسان وكرامة المهاجرين، وتسهيل تنقل العمالة ومهاراتها، وتعزيز الاعتراف المتبادل بالمؤهلات.
وشدد الاجتماع على ضرورة تطوير نظم متكاملة لإدارة الحدود، وإنشاء صندوق أفريقي للاستثمار في الشتات، وتطوير آليات للعودة الطوعية الكريمة وإعادة الإدماج المستدام، بما يسهم في تحويل الهجرة من ظاهرة أعباء أمنية إلى عامل دعم للتنمية والتكامل الإقليمي.
كما ركز البيان على تعزيز السرديات المتوازنة بشأن الهجرة ومكافحة المعلومات المضللة، وتشجيع التعاون الإقليمي في مواجهة تأثير النزاعات وعدم المساواة وتغير المناخ على أنماط الهجرة، لضمان أن تظل الحركية البشرية داخل القارة عملية منظمة وآمنة تعود بالنفع على المجتمعات والدول الأفريقية على حد سواء.
وأكدت القمة من جديد على الدور القيادي للدول الأفريقية الرائدة، وعلى رأسها المغرب وكينيا، في صياغة السياسات والإعلانات المشتركة، وضمان موقف أفريقي موحد في المنتدى الدولي لاستعراض الهجرة لعام 2026 في نيويورك، مع تعزيز مشاركة القارة في كل المحافل الدولية المعنية.
هذا وتشهد إفريقيا تحديًا متصاعدًا في ملف الهجرة، حيث يسعى ملايين الأفارقة إلى التنقل داخل القارة أو إلى أوروبا والشرق الأوسط بحثًا عن فرص أفضل.
وترتبط هذه الحركة الاقتصادية والاجتماعية بأسباب تاريخية مثل الاستعمار واستنزاف الموارد، ونزاعات مسلحة مستمرة، وتغيرات مناخية تؤثر على الزراعة وسبل العيش، بالإضافة إلى النمو السكاني السريع الذي يزيد الضغط على الأسواق المحلية.
وفي ظل هذه التحديات، تسعى الدول الأفريقية إلى إدارة الهجرة بشكل منظم وآمن، لتعزيز التنمية وحماية المهاجرين، وتحويل الظاهرة من عبء أمني إلى فرصة للتكامل الإقليمي والاستفادة من إمكانات القارة الاقتصادية.





