الاستحقاق الوطني في ليبيا.. نحو تأصيل قانوني لمفهوم بناء الدولة

الاستحقاق الوطني في ليبيا.. نحو تأصيل قانوني لمفهوم بناء الدولة

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا

يمثل هذا المقال توثيقًا وتطويرًا للورقة العلمية التي قدمتها في الحوارية التي نظمتها اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة بعنوان: “دور المجلس الأعلى للدولة في الاستحقاق الوطني”، والتي تناولت مفهوم الاستحقاق الوطني من منظور دستوري وقانوني، وسعت إلى تقديم رؤية علمية لمقوماته وتحدياته وآفاقه المستقبلية.

مقدمة

يُعد مصطلح “الاستحقاق الوطني” من أكثر المصطلحات حضورًا في الخطاب السياسي الليبي خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبح يتكرر في البيانات الرسمية، والمبادرات السياسية، ووثائق الحوار الوطني، وتصريحات المسؤولين. غير أن هذا الحضور الواسع لم يصاحبه اتفاق واضح على مضمونه القانوني والدستوري، فبات المصطلح يُستخدم للدلالة على معانٍ متعددة؛ فتارة يُراد به إجراء الانتخابات، وتارة استكمال القاعدة الدستورية، وأحيانًا توحيد المؤسسات أو إنجاز المصالحة الوطنية، وهو ما أوجد قدرًا من الغموض في فهمه وفي تحديد آثاره القانونية. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومن وجهة نظر قانونية، فإن هذا الاختزال لا يعكس حقيقة الاستحقاق الوطني. فهو ليس موعدًا انتخابيًا، ولا قرارًا سياسيًا منفردًا، ولا إجراءً دستوريًا بعينه، وإنما يمثل مشروعًا وطنيًا متكاملًا يستهدف استكمال بناء الدولة وترسيخ الشرعية وتعزيز مؤسساتها، بما يكفل انتقالًا دستوريًا مستقرًا يحقق سيادة القانون ويحفظ الإرادة الشعبية. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

لقد اعتادت الأدبيات السياسية في ليبيا أن تربط الحديث عن الاستحقاق الوطني بالانتخابات، وكأن نجاح الانتخابات وحده كفيل بإنهاء المرحلة الانتقالية. غير أن التجربة الليبية أثبتت أن الانتخابات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع بمفردها بناء دولة مستقرة إذا غابت الشرعية الدستورية، أو استمر الانقسام المؤسسي، أو تعذر تنفيذ نتائجها، أو افتقدت المؤسسات إلى التعاون والتكامل فيما بينها.

ومن هنا، فإن إعادة تعريف الاستحقاق الوطني لم تعد مجرد مسألة نظرية، بل أصبحت ضرورة عملية، لأن وضوح المفاهيم هو المدخل الصحيح لوضوح السياسات، ولأن نجاح أي مشروع وطني يبدأ بتحديد أهدافه ومكوناته بصورة دقيقة.

وانطلاقًا من ذلك، يحاول هذا المقال تقديم قراءة قانونية لمفهوم الاستحقاق الوطني، وبيان مقوماته الأساسية، واستعراض دور المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للدولة، في إنجازه، مع الوقوف على أبرز التحديات التي تواجهه، وصولًا إلى رؤية دستورية يمكن أن تسهم في استكمال مسار بناء الدولة الليبية على أسس من الشرعية وسيادة القانون.

أولًا: الاستحقاق الوطني… مشروع لبناء الدولة لا مجرد انتخابات

كثيرًا ما يُختزل الاستحقاق الوطني في إجراء الانتخابات، حتى أصبح الموعد الانتخابي في الوعي العام مرادفًا لهذا المصطلح. غير أن هذا الفهم، وإن كان يعكس أهمية الانتخابات بوصفها أداة لتجديد الشرعية الشعبية، فإنه لا يعبر عن المفهوم الدستوري الكامل للاستحقاق الوطني.

فالانتخابات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة ضمن منظومة أوسع تستهدف بناء الدولة واستكمال مؤسساتها. ولذلك، فإن نجاح الانتخابات لا يعني بالضرورة نجاح الاستحقاق الوطني، كما أن تعثرها لا يعني بالضرورة انهيار المشروع الوطني إذا كانت بقية عناصر البناء المؤسسي تسير في الاتجاه الصحيح.

ومن هذا المنطلق، يمكن تعريف الاستحقاق الوطني بأنه مجموعة الالتزامات والإجراءات الدستورية والقانونية والمؤسسية التي يتعين إنجازها لاستكمال بناء الدولة وترسيخ الشرعية وتحقيق الاستقرار السياسي والمؤسسي، بما يضمن ممارسة السلطة وفق أحكام الدستور والقانون، ويهيئ الظروف التي تمكّن الشعب من ممارسة سيادته بحرية وفاعلية. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

وبهذا المعنى، يصبح الاستحقاق الوطني إطارًا جامعًا يضم الاستحقاق الدستوري، والاستحقاق الانتخابي، والاستحقاق السياسي، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتنفيذ مخرجات الاتفاقات الوطنية، باعتبارها جميعًا حلقات مترابطة في مشروع واحد هو مشروع بناء الدولة.

ولا يكمن الخطر في استخدام المصطلح بقدر ما يكمن في اختزاله؛ لأن اختزال الاستحقاق الوطني في محطة واحدة يؤدي إلى إغفال بقية المتطلبات التي لا يقل بعضها أهمية عن بعض. فالدولة لا تستقر بإجراء الانتخابات وحدها، كما لا تستقر بمجرد إصدار قاعدة دستورية أو تشكيل حكومة جديدة، وإنما تستقر عندما تتكامل الشرعية، والمؤسسات، والقانون، والإرادة الشعبية في إطار دستوري جامع.

وقد أثبتت التجربة الليبية ذلك بوضوح؛ إذ تعذر في أكثر من محطة إنجاز الانتخابات رغم الإعلان عن مواعيدها، بسبب عدم استكمال الإطار الدستوري أو استمرار الخلاف حول بعض القواعد المنظمة لها، وهو ما يؤكد أن نجاح العملية الانتخابية يظل مرتبطًا بتوافر بقية عناصر الاستحقاق الوطني.

وقد عرفت دول عديدة مرت بمرحلة انتقالية، مثل جنوب أفريقيا وتونس، أن بناء الشرعية الدستورية والتوافق المؤسسي سبق استقرار النظام السياسي، وهو ما يؤكد أن الانتخابات وحدها لا تكفي لبناء الدولة

ومن هنا، فإن الاستحقاق الوطني ينبغي أن يُقاس بمدى تقدم الدولة في استكمال مشروعها الدستوري والمؤسسي، لا بعدد الاستحقاقات السياسية التي تنجزها، ولا بالمواعيد الانتخابية التي تعلنها، لأن بناء الدولة عملية تراكمية لا حدثًا سياسيًا عابرًا.

ثانيًا: مقومات الاستحقاق الوطني… خمسة أسس لا تقوم الدولة بدونها

إذا كان الاستحقاق الوطني يمثل مشروعًا متكاملًا لبناء الدولة، فإن نجاحه لا يرتبط بقرار سياسي أو باستحقاق انتخابي منفرد، وإنما يتوقف على توافر مجموعة من المقومات الأساسية التي تمنحه القدرة على تحقيق أهدافه. فالتجارب الدستورية المقارنة تؤكد أن الانتقال السياسي لا ينجح بوجود عنصر واحد، وإنما بتكامل منظومة من الأسس القانونية والمؤسسية التي تضمن استقرار الدولة واستمرار شرعيتها. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويأتي في مقدمة هذه المقومات الشرعية الدستورية، فهي الأساس الذي تستمد منه مؤسسات الدولة اختصاصاتها، وهي التي تمنح القرارات العامة مشروعيتها وقبولها. ولا يمكن لأي عملية انتقالية أن تحقق الاستقرار إذا افتقدت إلى سند دستوري واضح أو تجاوزت المؤسسات الحدود التي رسمها لها القانون. فالشرعية ليست مجرد نصوص، بل هي الإطار الذي يحكم العلاقة بين السلطات ويصون ثقة المواطنين في الدولة. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويلي ذلك وجود إطار قانوني واضح ومستقر، يحدد الاختصاصات والإجراءات والضمانات. فكلما كانت القواعد القانونية أكثر وضوحًا، تقلصت مساحة الخلاف في تفسيرها، وازدادت قدرة المؤسسات على تنفيذها. أما الغموض التشريعي أو تضارب النصوص، فإنه يحول الخلاف السياسي إلى نزاع قانوني، ويجعل مؤسسات الدولة تنشغل بتفسير النصوص بدلًا من تنفيذها. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

أما المقوم الثالث فهو تكامل المؤسسات الدستورية. فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق المؤسسة الواحدة، وإنما بمنظومة تتوزع فيها الاختصاصات وفق مبدأ الفصل بين السلطات والتعاون بينها. وقد أثبتت التجربة الليبية أن أي محاولة لتغليب مؤسسة على أخرى تنتهي إلى مزيد من الانقسام، بينما يقود احترام الاختصاصات والتنسيق المؤسسي إلى تعزيز الاستقرار وإنتاج قرارات أكثر قبولًا وقابلية للتنفيذ. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويأتي بعد ذلك التوافق الوطني، وهو لا يعني إلغاء الخلافات السياسية أو اشتراط الإجماع الكامل، وإنما إيجاد الحد الأدنى من التفاهم الذي يسمح بإنجاز الاستحقاقات الدستورية بعيدًا عن منطق الإقصاء والغلبة. فالمراحل الانتقالية بطبيعتها لا تُدار بالأغلبية العددية وحدها، وإنما بالحوار وبناء التوافقات التي تضمن استدامة الحلول واستقرارها. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويبقى المقوم الخامس هو القدرة على تنفيذ المخرجات واحترامها، وهو الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني. فكم من اتفاقات وقرارات صدرت، لكنها بقيت حبرًا على ورق بسبب غياب الإرادة أو ضعف الآليات التنفيذية. ولذلك فإن قيمة النصوص القانونية لا تقاس بجودة صياغتها فحسب، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومن هنا، فإن الاستحقاق الوطني لا يقوم على هذه المقومات متفرقة، بل على تفاعلها جميعًا. فالشرعية تحتاج إلى قانون، والقانون يحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى توافق، والتوافق لا يكتمل إلا بتنفيذ مخرجاته. وعندما يختل أحد هذه العناصر، ينعكس ذلك على المنظومة بأكملها، وهو ما يفسر تعثر كثير من المبادرات الوطنية رغم سلامة أهدافها.

ثالثًا: المجلس الأعلى للدولة… شريك دستوري في إنجاز الاستحقاق الوطني

عند الحديث عن الاستحقاق الوطني، لا ينبغي أن ينصرف الذهن إلى مؤسسة بعينها، لأن المرحلة الانتقالية في ليبيا لم تُبنَ على فكرة احتكار السلطة، وإنما قامت على توزيع الاختصاصات بين عدد من المؤسسات الدستورية، تحقيقًا للتوازن ومنعًا للانفراد بالقرارات المصيرية. وفي هذا السياق، يبرز المجلس الأعلى للدولة بوصفه أحد مكونات هذه المنظومة، يمارس اختصاصاته في الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الليبي. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

إن أهمية المجلس الأعلى للدولة لا تُقاس بعدد اختصاصاته فحسب، وإنما بالفلسفة الدستورية التي أُنشئ على أساسها، وهي فلسفة تقوم على الشراكة المؤسسية في إدارة المرحلة الانتقالية. فلم يكن المقصود من إنشائه إضافة مؤسسة جديدة إلى هيكل الدولة، بل إيجاد آلية دستورية تسهم في تحقيق التوازن بين السلطات، وتوسيع دائرة التوافق في القضايا الوطنية الكبرى. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومن هذا المنطلق، فإن دور المجلس لا يقتصر على إبداء الرأي في بعض المسائل، وإنما يمتد إلى المشاركة في المسارات الدستورية والسيادية التي تمس مستقبل الدولة، وفقًا لما حدده الإطار الدستوري. وهذا الدور لا يمثل امتيازًا للمجلس، وإنما يعكس إرادة المشرع الدستوري في أن تُدار المرحلة الانتقالية بروح الشراكة، لا بمنطق الهيمنة أو الإقصاء. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومع ذلك، فإن الحديث عن دور المجلس الأعلى للدولة يجب ألا يُفهم بوصفه انتقاصًا من أدوار بقية المؤسسات. فمجلس النواب يضطلع باختصاصاته التشريعية، والمجلس الرئاسي يمارس مهامه السيادية، والحكومة تتولى إدارة المرافق العامة، والقضاء يحمي المشروعية، والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات تدير العملية الانتخابية. ونجاح أي استحقاق وطني يبقى مرهونًا بقدرة هذه المؤسسات جميعًا على العمل في إطار من التكامل والتعاون، لا التنافس والصراع. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: أي مؤسسة تملك الاستحقاق الوطني؟ وإنما: كيف تتكامل المؤسسات الدستورية لإنجازه؟ فالدولة الحديثة لا تُبنى بإرادة مؤسسة واحدة، وإنما بتفاعل جميع مؤسساتها في إطار الشرعية وسيادة القانون، وهو ما يجعل الشراكة المؤسسية الضمانة الحقيقية لإنجاز الاستحقاق الوطني وتحقيق الاستقرار الدائم.

رابعًا: التحديات التي تواجه الاستحقاق الوطني… بين النصوص والواقع

رغم تعدد المبادرات السياسية والجهود الوطنية والدولية الرامية إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن الاستحقاق الوطني في ليبيا لا يزال يواجه تحديات معقدة، لا ترجع في معظمها إلى غياب الحلول القانونية، بقدر ما ترتبط بكيفية تطبيقها، ومدى التزام المؤسسات بها، وقدرتها على العمل في إطار من التعاون والثقة المتبادلة. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويأتي في مقدمة هذه التحديات استمرار حالة عدم الاستقرار الدستوري. فمن طبيعة المراحل الانتقالية أن تقوم على قواعد مؤقتة، غير أن امتداد هذه المرحلة لسنوات طويلة جعل المؤقت يتحول إلى شبه دائم، وهو ما أوجد حالة من عدم اليقين القانوني، وأفسح المجال لتعدد التفسيرات بشأن النصوص الدستورية وحدود اختصاصات المؤسسات وآليات اتخاذ القرار. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على قدرة الدولة على إنجاز عدد من الاستحقاقات الوطنية في مواعيدها. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويرتبط بذلك تحدٍ آخر يتمثل في تداخل الاختصاصات وتباين تفسيرها. فالإطار الدستوري المنظم للمرحلة الانتقالية يقوم على مبدأ الشراكة بين المؤسسات، إلا أن نجاح هذا المبدأ يفترض وجود تنسيق دائم وآليات فعالة لحسم الخلافات القانونية. وعندما تغيب هذه الآليات، يتحول الخلاف في تفسير النصوص إلى خلاف سياسي، وتتراجع فرص الوصول إلى حلول مستقرة، رغم أن أصل المشكلة قد يكون قانونيًا أكثر منه سياسيًا. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومن أبرز التحديات كذلك ضعف تنفيذ المخرجات الوطنية. فقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية توقيع اتفاقات وإصدار قوانين واعتماد تفاهمات عديدة، إلا أن كثيرًا منها لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست دائمًا في إنتاج النصوص أو التوصل إلى الاتفاقات، وإنما في القدرة على تنفيذها واحترام آثارها القانونية. فالدول لا تُقاس بعدد الوثائق التي تعتمدها، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى واقع مؤسسي ينعكس على حياة المواطنين. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ولا يمكن إغفال تحدٍ لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع الثقة؛ سواء بين المؤسسات الدستورية نفسها أو بين المواطن وهذه المؤسسات. فاستمرار الخلافات وتأخر إنجاز الملفات الكبرى يولد حالة من الإحباط، ويضعف الإيمان بجدوى الحلول الدستورية. ومن ثم، فإن استعادة الثقة أصبحت جزءًا من الاستحقاق الوطني ذاته، ولا تتحقق إلا بالالتزام بالقانون، والشفافية، واحترام الاختصاصات، والوفاء بما يتم الاتفاق عليه.

ومع ذلك، فإن هذه التحديات لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية للطريق، وإنما بوصفها طبيعة ملازمة لكل مرحلة انتقالية. فالتاريخ الدستوري للدول يبين أن المجتمعات الخارجة من الأزمات تواجه صعوبات مشابهة، وأن نجاحها لم يكن نتيجة غياب التحديات، بل نتيجة امتلاك الإرادة والمؤسسات القادرة على إدارتها في إطار من المشروعية وسيادة القانون. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

خامسًا: رؤية دستورية لمستقبل الاستحقاق الوطني

إذا كان الاستحقاق الوطني مشروعًا لبناء الدولة، فإن مستقبله لا يرتبط بإجراء سياسي منفرد، وإنما برؤية دستورية متكاملة تجعل من القانون مرجعًا، ومن المؤسسات وسيلة، ومن المواطن غاية لكل عمل وطني.

وتبدأ هذه الرؤية من احترام الإطار الدستوري والقانوني بوصفه المرجعية العليا لجميع السلطات، فلا يجوز توسيع الاختصاصات أو تقييدها وفق مقتضيات الظرف السياسي، لأن استقرار الدول يبدأ من استقرار قواعدها الدستورية. وكلما التزمت المؤسسات بحدود اختصاصاتها، تعززت الثقة في النظام العام، وازدادت قدرة الدولة على تجاوز أزماتها. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

كما تقوم هذه الرؤية على تعزيز التكامل المؤسسي، فالمرحلة الانتقالية ليست ساحة للتنافس بين المؤسسات، وإنما مساحة لتوزيع المسؤوليات. وكل مؤسسة أنشأها الإطار الدستوري تؤدي وظيفة لا تستقيم المنظومة بدونها، سواء كانت تشريعية أو تنفيذية أو قضائية أو رقابية. ومن ثم، فإن نجاح الاستحقاق الوطني يظل رهينًا بقدرة هذه المؤسسات على التعاون، لا على تغليب بعضها على بعض. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ومن القضايا التي أرى أنها تستحق أولوية خاصة، استكمال المسار الدستوري من خلال تمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في إقرار الدستور الدائم عبر الاستفتاء العام، متى استكملت متطلباته الدستورية والقانونية والفنية. فالدستور ليس مجرد وثيقة قانونية، بل هو العقد الذي يؤسس لشرعية دائمة، ويحدد شكل الدولة، وينظم العلاقة بين السلطات، ويمنح المؤسسات استقرارًا لا توفره الحلول المؤقتة.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من إدارة الخلافات إلى إدارة الدولة، بحيث تنصرف الجهود إلى استكمال المؤسسات، وتحسين الخدمات العامة، وترسيخ سيادة القانون، بدلاً من استنزاف الوقت في النزاعات الإجرائية أو التنافس حول الاختصاصات. فنجاح الدولة يقاس بما تقدمه لمواطنيها، لا بطول أمد خلافاتها السياسية. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

وفي هذا السياق، فإن من المبادرات التي يمكن أن تسهم في دعم الحوار الوطني إنشاء “المنتدى السياسي للحوار” بالمجلس الأعلى للدولة، ليكون منصة وطنية دائمة تجمع الأحزاب السياسية، والأكاديميين، والخبراء، ومنظمات المجتمع المدني، والنشطاء، والشباب، لمناقشة القضايا الوطنية الكبرى وصياغة رؤى وتوصيات داعمة لمسارات بناء الدولة. فالحوار المنظم داخل المؤسسات يبقى أكثر قدرة على إنتاج توافقات مستدامة من الحوارات الموسمية التي تنتهي بانتهاء مناسباتها.

خاتمة

إن الاستحقاق الوطني في ليبيا ليس شعارًا سياسيًا، ولا موعدًا انتخابيًا، ولا محطة عابرة في مسار المرحلة الانتقالية، وإنما هو مشروع دستوري متكامل يستهدف بناء دولة مستقرة، تستند إلى الشرعية، وتحكمها سيادة القانون، وتعمل مؤسساتها في إطار من التكامل والاحترام المتبادل. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

وقد حاولت هذه المقالة، المستندة إلى الورقة العلمية المقدمة في حوارية اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة، أن تؤكد أن نجاح هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق بإرادة مؤسسة واحدة، ولا بإقصاء أي مؤسسة منحها الإطار الدستوري دورًا في إدارة المرحلة الانتقالية، وإنما يتحقق عندما تمارس كل مؤسسة اختصاصاتها وفق القانون، وتتعاون مع غيرها لتحقيق المصلحة الوطنية العليا. ‎⁨مفهوم الاستحقاق الوطني⁩.pdf

ويبقى الأمل معقودًا على أن تنتقل ليبيا من إدارة المرحلة الانتقالية إلى بناء الدولة الدائمة؛ دولةٍ يكون فيها الدستور مرجعًا، والقانون حاكمًا، والمؤسسات شريكًا، والمواطن غاية كل السياسات العامة. فحين يصبح الاحتكام إلى الشرعية خيارًا ثابتًا لا استثناءً، وعندما تُدار الخلافات داخل المؤسسات لا خارجها، يصبح الاستحقاق الوطني حقيقةً تُترجم في الواقع، لا مجرد مصطلح يتكرر في الخطابات.
إن الاستحقاق الوطني لا يبدأ يوم الاقتراع، ولا ينتهي بإعلان النتائج؛ بل يبدأ يوم تتفق مؤسسات الدولة على الاحتكام إلى الدستور والقانون، وينتهي بقيام دولة مستقرة تحكمها الشرعية، وتستند إلى سيادة القانون، وتلتقي فيها إرادة المؤسسات مع إرادة الشعب في بناء مستقبل آمن ومستقر.
و ليس مجرد التزام سياسي، وإنما يمثل “واجبًا دستوريًا جماعيًا”، تتقاسمه جميع المؤسسات التي أناط بها الإطار الدستوري إدارة المرحلة الانتقالية. ومن ثم، فإن الإخلال به لا يُعد تعثرًا سياسيًا فحسب، بل يمثل إخلالًا بواجب دستوري ينعكس أثره على مشروعية العملية الانتقالية بأكملها

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. مجدي الشبعاني‎

أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا