عنصران متلازمان مرتبطٌ أحدهما بالآخر، فالاستبداد هو الإنفراد بالرأي وهي بيئة حاضنة للفساد كما أن الفساد يعمل على الحفاظ على مظاهر الإستبداد فالمصالح بينهما مشتركة ومرتبطة بشكل كبير فأينما وجد الإستبداد وجد الفساد. وكلما طال أمد الإستبداد ترعرع الفساد وتجدّر ومن ثمّ صعب القضاء عليه فمثله كمثل الشجرة القديمة التي تغوص جذورها عميقة في الأرض فيصعب اجتثاثها واقتلاع جذورها، فهذا هو حال الإستبداد إذا طال أمده حيث ينمو حوله الفساد ويكثر المفسدون وتتشعب فروعه وتقوى شبكة اتصالاته ويقوى نفوذه حتى يضن أنه من الصعب القضاء عليه وإن تغير المستبد فإن الفساد قد يستمر لعديد من السنين أو حتى العقود.
لعلنا كشعوب لنا يد طويلة في دعم الإستبداد وإطالة عمره فنحن في الغالب ظاهرا نحب المستبد ونحوم حوله ونصفق له وندافع عنه بقوة حتى وفي كثير من الأحيان لا ينالنا من استبداده شيئا لكنه الخنوع والخضوع وعدم الإستعداد للتضحية في سبيل مقاومة الإستبداد والفساد، في سبيل حياة كريمة فيختلط الأمر على الناس حلاله وحرامه حقّه وباطله فينقاد أغلبية الناس خلف المستبد يُسبحون بحمده ويرجون عطفه ورضاه والنتيجة هي السخرية منهم والإستخاف بهم مثلهم كمثل سحرة فرعون وما يزيدهم هذا إلا ذلاًّ ومهانةً. إذا تخلت الشعوب عن دورها الريادي في رسم الخريطة السياسية لأوطانها ركبها المستبدين والمفسدين والمفلسون وحينها قُل على الوطن السلام وهذا يبدو جليّا في وطننا العربي خاصة. فحين ركن الشعب العربي إلى الدنيا وتخلى عن دوره في صناعة قراره والتأثير على حاضره ومستقبله صرنا إلى ما نحن فيه من الهوان والذل فقوم فرعون لم يستخف بهم إلا بعد أن فسقوا فالحل إذاً هو في أن يكون الإنسان فاعلا مشاركا في صنع القرار الذي يمس حياته ووطنه وهو مسؤول عن هذا ولا يركن ويتخلى عن دوره في حماية نفسه ومجتمعه ووطنه وقبل هذا دينه فيكون مفعول به يسوقه المستبد والفاسد كما يسوق الراعي غنمه وكما يفعل الساسة المستبدين بنا في وطننا العربي حتى أصبحنا أضحوكة الأعداء، فمن يركن إلى الظلمة والمستبدين هكذا يكون حاله.
فالمفسدين هم الذين يحيطون بالحاكم أو المسؤول المستبد يُزينون له أفعاله وإن لم تكن في ذلك من شيء، فيمنحهم سلطات واسعة في التحكم السلطوي والإقتصادي أي في أقوات الناس، فهم أداة المستبد التي يضرب ويبطش بها كما يشاء فلولا هذه الشرذمة الفاسدة ما استطاع المستبد فعل شيء فهم يده التي يبطش بها وعينه التي يرى الناس بها فيصبح الشعب جلّه رهينة لهذه الفئة الفاسدة المستعدة لتقديم أي شيء والتنازل عن كل شيء فالفاسدين ليس لفسادهم حدود وما نراه في كثير من الدول العربية كليبيا ومصر والعراق وغيرهم لهي صور واضحة للإستبداد السياسي والفساد الإقتصادي الذي عادة ما يرتبط بتدهورٍ في القيم الاجتماعية والأخلاقية للمجتمع كافة حيث ينتشر الفقر والجوع ويتدنى المستوى التعليمي والثقافي والأخلاقي للناس.
في ليبيا مثلا وليس حصرا احتلت ليبيا المرتبة العالمية 177 من أصل 182 دولة فاسدة في مؤشر مدركات الفساد العالمي؟؟؟ ليبيا تتخبط بين حكومتين شرقية وغربية في دولة واحدة!! أيقبل العقل هذا، دولة واحدة بحكومتين، يا من يحكمون ليبيا أي عبث هذا…. جعلتم ليبيا تتقدم في سلم الفساد بسبب انقسامكم ولأن كل همكم هو مصلحتكم وليس للوطن محل في قلوبكم، غيّبتم الرقابة والشفافية حتى تكون البيئة مناسبة لفسادكم فتفعلوا ما تريدون، أمنيا جعلتم ليبيا تحت رحمة المجرمين والجماعات المسلحة التي تتحكم في رقابكم وتشتركون جميعكم في جريمة بيع وطن بالجملة وحتى القطّاعي بأنانيتكم كما جعلتكم الوطن مرتعا لمخابرات الدول الأخرى وجعلتكم الليبي متسولا لا بارك الله فيكم.
وليس الحال بأحسن في العراق ومصر وتونس والجزائر واليمن ودول الخليج فالقضاء في وطننا ليس مستقلا ويأتمر بأمر المستبدين والمفسدين، والحروب تنهش جسد الأمة وأمريكا والغرب لهم الكلمة العليا في وطننا فيا ويل الشعب العربي من هذا الشر المستطير ومن المستبدين والمفسدين الذين ترعرعوا وتجدّروا وصاروا كشبكة العنكبوت ليس من السهل استئصالهم، ولكن ليس ذلك على الله ببعيد وإنا لنراه قريبا، ولكن أين نحن كشعب من هذا كله؟!
قال الله جل جلاله فيمن يتخلى عن دوره في الحياة: “كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” (9:79-78)، وقال سبحانه أيضا: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (2:9)، هكذا يحذرنا الله عن التهاون والتقصير في أداء واجباتنا وفي تقييم وتصحيح المسارات الاجتماعية والأعمال التي قد تضر بنا وبمجتمعنا وبلادنا ويأمرنا بالتكاثف والتعاون على إصلاح كل ما هو ضار لنا في جميع ما يتعلق بنا هكذا هو الإسلام يضع لنا طريقا واضحا لمحاربة كل ما لا يتناسب مع فطرتنا ومصالحنا المعلومة بما حددها الله لنا، فمتى نعي ونعقل فنعمل؟
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





