من 1969 إلى اليوم.. قراءة في ذاكرة الوطن

من 1969 إلى اليوم.. قراءة في ذاكرة الوطن

لواء نايف الحاسي

مدير مكتب المعلومات والتوثيق بوزارة الداخلية سابقا

تقف الذاكرة الوطنية الليبية أمام تاريخ أول سبتمبر 1969 في محطة تستدعي التفكيك والتحليل الواعي بعيداً عن التقديس المطلق أو الإنكار التام؛ إذ لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث عابر، بل كانت تحولاً مفصلياً حَرَّفَ مسار ليبيا السياسي والتنموي المتدرج ودفع بها نحو تجربة سياسية واجتماعية مختلفة تماماً. ولعل الإنصاف التاريخي يوجب الاعتراف بأن ما دُعي بالثورة أو الانقلاب يعود في أصله البنيوي إلى الإنجاز الأكبر الذي حققه العهد الملكي عام 1963، حين تم تعديل الدستور وإلغاء النظام الفيدرالي والتحول من المملكة الليبية المتحدة إلى المملكة الليبية الموحدة.

ولم يكن ذلك التحول الدستوري مجرد رغبة إدارية، بل فرضته ضرورة اقتصادية استراتيجية حاسمة تمثلت في بدء تصدير النفط الليبي بالأسواق العالمية كشريان ومورد مالي رئيس للدولة؛ وهو الواقع المالي الجديد الذي استوجب بالضرورة وجود إدارة مركزية موحدة للتخطيط التنموي وإدارة الخزانة العامة لضمان توزيع عائدات الثروة على كامل التراب الوطني بعيداً عن عثرات وتعقيدات المحاصصة بين الأقاليم الثلاثة. وقد أسهمت هذه الخطوة في توحيد الإدارات والمؤسسات والجيش الوطني، وهو الإطار المؤسسي الموحد الذي استندت إليه مجموعة الضباط صغار السن لتنفيذ التحرك والسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد، إذ لولا هذا التوحيد المؤسسي الشامل لما كان لهذه الحركة أن تنجح وتفرض سيطرتها على الدولة بأكملها.

وفي السياق ذاته، رفعت حركة الضباط شعار إنهاء التواجد الأجنبي وإغلاق القواعد العسكرية كسبب رئيس للتحرك، غير أن الإنصاف التاريخي يوضح أن تلك القواعد لم تكن تفريطاً في السيادة، بل كانت اتفاقيات مؤجرة فرضتها الظروف الاقتصادية القاسية للغاية التي أعقبت حرب التحرير واستقلال البلاد، حيث كانت ليبيا دولة حديثة التأسيس شحيحة الموارد تعتمد على عائدات تلك الإيجارات والمساعدات الدولية لتسيير أمورها وميزانيتها التشغيلية، قبل أن يغير تدفق النفط في مطلع الستينيات ذلك الواقع كلياً. كما أن المد القومي الناصري والبعثي الذي جرف المنطقة العربية في ستينيات القرن الماضي وجد في ليبيا بيئة متأثرة بالمحيط الإقليمي، غير أن النظام الملكي بقيادة الملك محمد إدريس السنوسي تعامل مع تلك التيارات بشيء من التسامح والحكمة السياسية ولم يواجهها بالعنف الدموي والتصفيات الشاملة التي شهدتها البلاد في المراحل اللاحقة.

إن الأجيال التي ولدت وعاشت في العقود الأخيرة حُرمت من المعرفة التاريخية المنصفة حول جذور تأسيس ليبيا الحديثة، حيث أسهم الملك إدريس السنوسي بدور محوري وحاسم بداية من إعلان استقلال برقة عام 1949 وصولاً إلى إعلان الاستقلال الشامل للبلاد في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1951 تحت اسم دولة ليبيا، إذ لم تكن الجغرافيا قبل ذلك التاريخ قائمة تحت مسمى دولة واحدة، بل كانت مقسمة إلى ثلاثة أقاليم هي برقة وطرابلس وفزان، جمع بينها نسيج تاريخي جهادي مشهود ضد الاستعمار الإيطالي وقبله الحكم العثماني، وتجسدت فيه وحدة الدم والهدف في معارك كبرى كمعركة القرضابية التي مثلت ملحمة وطنية جامعة لكل أطياف الشعب.

وفي المقابل، فإن التاريخ يسجل لمعمر القذافي مواقف في الحفاظ على السيادة الوطنية واستعادة الهيبة واستصدار اعتذار رسمي وتاريخي من إيطاليا عن حقبة الاستعمار، إلا أن الإشكال البنيوي الكبير في عهده تمثل في الامتناع عن تقديم مشروع دولة مؤسسات قائمة على عقد اجتماعي ودستور دائم يضمن الحقوق ويوزع الثروات، حيث تكرست مركزية مقيتة في العاصمة أضرت ببدائل التنمية في بقية الأقاليم وهشمت التاريخ المؤسسي المتوازن، واستُبدل ذلك بفرض التاريخ الفردي والقائد المفكر والشرعية الثورية المفتوحة التي استمرت أكثر من أربعة عقود دون الانتقال إلى شرعية دستورية أو ملكية أو انتخابية تؤسس لدولة المستقبل، حتى ظهر في السنوات الأخيرة مشروع ليبيا الغد برؤية سيف الإسلام القذافي كحراك إصلاحي وحقوقي حاول ترميم الأخطاء واختراق حالة الجمود، إلا أن هذا المشروع سرعان ما اصطدم بحائط الصد الصلب المتمثل في مراكز نفوذ “الحرس القديم” وقيادات حركة اللجان الثورية المعارضة لمبدأ الشرعية الدستورية، والتي رأت في أي انتقال حقيقي نحو دولة سيادة القانون والعمل المؤسسي المفتوح تهديداً صريحاً لمكتسباتها الاستثنائية؛ وهو الأمر الذي أدى لإفشال محاولات الإصلاح وعرقلة مسار الدستور من الداخل قبل أن تشوب المرحلة الحسابات الخاطئة بإقحام معارضات ارتهنت للخارج وسارعت إلى إسقاط التجربة برمتها عند أول اختبار، مؤكدة المقولة التشاركية بأنه لولا تراكم أخطاء سبتمبر ومقاومة التغيير لمؤسساتها لما كانت أحداث فبراير بكل ما جلبته من تداعيات.

إن الواقع المعاش اليوم يضع الجميع أمام حقيقة مجردة؛ فالنزاع حول شرعيات الماضي بين ملكية وسبتمبرية وفبرايرية لم يعد يسمن ولا يغني من جوع في ظل انعدام الخدمات الأساسية، وأزمات السيولة والكهرباء والوقود، وانهيار الاقتصاد والغلاء المعيشي الطاحن، وطوابير المواطنين الأبرياء أمام القطاعات الخدمية؛ لذا فإن الأوان قد حان لترك الماضي للتاريخ ومؤرخيه، والكف عن تغذية الأحقاد واستحضار الصراعات، والتطلع بأسلوب إصلاحي ومسؤول نحو بناء دولة مواطنة حقيقية تتجاوز الفئات والمرحلية، وتضمن لكل الليبيين عيشاً كريماً وحاضراً مستقراً ومستقبلاً آمناً يتسع للجميع.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

لواء نايف الحاسي

مدير مكتب المعلومات والتوثيق بوزارة الداخلية سابقا