اتركوهم يحتفلون، فما يحدث في الشوارع لن يغيّر ما يحدث في أعماق الناس، ولن يمحو ذاكرة وطن عاش أبناؤه سنوات طويلة من الخوف والانقسام والانتظار.
هناك من يظن أن بإمكانه إلغاء مرحلة من التاريخ بمجرد منع أصحابها من الظهور، أو مصادرة رايتهم، أو إسكات أصواتهم. لكن التاريخ لا يُمحى بقرار، والذاكرة لا تُصادر بالقوة، والوطن ليس ملكاً لفئة دون أخرى.
هذه الصورة ليست مجرد صورة عابرة؛ إنها تختصر وجع جيل كامل. صورة إنسان يبحث عن الأمان في ظل أبٍ غائب، تماماً كما يبحث الليبي اليوم عن وطن غائب، عن دولة يشعر داخلها أنه مواطن لا خصم، وعن مستقبل لا تحكمه لغة الثأر والإقصاء.
لقد تعب الليبيون من الصراع على الكراسي، ومن السياسيين الذين يتحدثون عن الوطن بينما يتعاملون مع السلطة وكأنها غنيمة. تعبوا من سنوات ضاعت، وأموال أُهدرت، وأحلام تحولت إلى طوابير وأزمات وانقسام.
لكن السؤال الأكبر الذي يجب أن يواجهه الجميع هو:
كيف تريدون أن تبنوا وطنًا موحدًا وأنتم تقصون جزءًا من أبنائه؟
كيف تتحدثون عن المصالحة الوطنية وأنتم لا تقبلون أن يسمع الليبي صوت أخيه المختلف؟
كيف تتحدثون عن الديمقراطية والحرية، ثم تصبح حرية التعبير حقاً لفريق، واتهاماً أو جريمة لفريق آخر؟
أين هي الديمقراطية التي ناديتم بها؟
أين حرية الرأي التي قيل إن الليبيين خرجوا من أجلها؟
ولماذا يُسمح للبعض بأن يرفع رايته ويعلن موقفه ويحتفل بما يؤمن به، بينما يُطلب من آخرين أن يصمتوا، وأن يدفنوا ذاكرتهم، وأن يتخلوا عن حقهم في التعبير عن أنفسهم؟
أي وطن هذا الذي نريد بناءه إذا كان المواطن فيه يُقصى بسبب رأيه؟
الوطن لا يُبنى بتقسيم الليبيين إلى مواطنين من الدرجة الأولى ومواطنين عليهم أن يختبئوا كي لا يُرى وجودهم.
ولا يمكن أن تكون المصالحة أن يطلب طرف من طرف آخر أن ينسى، وأن يصمت، وأن يتنازل عن ذاكرته، بينما يحتفظ الآخر بكل رموزه وحقه في التعبير.
المصالحة الحقيقية تعني أن نعترف بأن ليبيا أكبر من خلافاتنا، وأن لكل ليبي حقاً في أن يكون موجوداً، وأن يقول ما يؤمن به، وأن يعبّر عن رأيه سلمياً، ما دام لا يعتدي على أحد ولا يدعو إلى العنف.
لا يمكن أن نبني دولة بإقصاء نصف شعبها، ولا يمكن أن نصنع سلاماً بإسكات المختلف، ولا يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية بينما نخاف من رأي المواطن.
ولذلك، فإن الطريق الذي نحتاجه اليوم ليس طريق الانتقام ولا التشفي ولا محاولات محو الآخر، وإنما طريق المصالحة الوطنية الشاملة؛ مصالحة لا تستثني أحداً، ولا تجعل من الماضي سيفاً مسلطاً على حاضر الليبيين ومستقبلهم.
فلنفتح أبواب الوطن أمام الجميع، ولنجعل الاختلاف في الرأي حقاً لا جريمة، والذاكرة حقاً لا تهمة، والتعبير حقاً لا امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء.
نريد ليبيا تتسع للجميع… ليبيا لا يُقصى فيها أحد، ولا يُصادر فيها صوت، ولا يُعامل فيها ليبي كأنه أقل وطنية من غيره.
نريد وطناً نتصالح فيه مع بعضنا، لا وطناً ينتصر فيه طرف على طرف.
نريد دولة يكون فيها القانون فوق الجميع، والحرية حقاً للجميع، والكرامة حقاً للجميع.
فليبيا لن تُبنى بنصف شعبها، ولن تتصالح بنصف ذاكرتها، ولن تنهض إلا عندما يشعر كل ليبي أن هذا الوطن وطنه… وأنه فيه مواطن كامل الحقوق، لا مواطن مؤجل الاعتراف به.
فلنمد أيدينا لبعضنا، ولنغلق أبواب الكراهية والإقصاء، ولنفتح باب المصالحة… من أجل ليبيا واحدة، تتسع لنا جميعاً.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




