ما حدث ليلة البارحة، وخروج عدد من المواطنين للتأييد والحنين إلى نظام دكتاتوري عفا عليه الزمن، يستحق منا التوقف والتأمل، لأنه يكشف أن أزمة الوعي السياسي والتاريخي ما زالت حاضرة لدى شريحة من المجتمع، وأن الطريق نحو بناء وعي سياسي ناضج لا يزال يحتاج إلى وقت وجهد.
من المؤسف أن ينسى البعض أن النظام الذي يحنّون إليه كان نظامًا استبداديًا، وأن غياب المؤسسات وتغييب الحريات والمشاركة السياسية وتركيز السلطة في يد واحدة كانت من العوامل التي أسهمت في وصول ليبيا إلى ما هي عليه اليوم.
لنكن صريحين: من حق أي مواطن أن يكون غاضبًا من الواقع، ومن حقه أن ينتقد الفوضى والفساد والانقسام وسوء إدارة البلاد، لكن أن يرى في العودة إلى نظام استبدادي كان أحد الأسباب الأساسية فيما وصلت إليه ليبيا اليوم حلًّا لمشكلات الحاضر، فهذه ليست معارضة للواقع، بل تراجع في الوعي السياسي والتاريخي.
نعم، الواقع الليبي اليوم مؤلم، وهناك فشل سياسي وانقسام وفوضى، ومن حق الناس أن تغضب وتحتج وترفض هذا الواقع. لكن رفض الحاضر لا يعني تمجيد الماضي، والفشل الحالي لا يجعل الدكتاتورية نجاحًا.
ولا يمكن أن يكون علاج أخطاء الحاضر بالعودة إلى نظام أثبتت التجربة أن الاستبداد وغياب المؤسسات لا يصنعان دولة مستقرة.
ليبيا تحتاج إلى دولة حديثة، ومؤسسات حقيقية، ودستور وقانون، وحريات، وتداول سلمي على السلطة، لا إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ما حدث ليلة البارحة لا ينبغي أن يكون مناسبة للتخوين أو الانقسام، بل فرصة للتساؤل والنقاش: كيف وصل بنا الإحباط من الواقع إلى أن يرى بعضنا في الماضي حلًّا للمستقبل؟
علينا أن نتعلم من التاريخ، لا أن نعيده.
فإذا أصبح الماضي الدكتاتوري حلمًا لدى البعض لمجرد أن الحاضر فشل، فهذه ليست أزمة سياسة فقط… إنها أزمة وعي تستحق أن نتوقف أمامها بجدية.
وربما تكون المسافة التي تفصلنا عن الوعي السياسي الذي نحتاجه أبعد مما نتصور، لكنها بالتأكيد ليست مستحيلة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




