قد يكون اتفاق 4+4 من أكثر الاتفاقات خطورة من الناحية البنيوية على مستقبل النظام السياسي والقانوني الليبي، إذا أمكن تنفيذ الآليات الواردة فيه دون توافق مؤسسي واضح ودون اعادة دراسة بنوده والتفصيل في مألات كل بند قد يتعذر تحققه.
خطورة اتفاق الصخيرات كانت تكمن في أنشأ مؤسسات جديدة: المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق ومجلس الدولة، حاول إعادة بناء السلطة التنفيذية من خلال اتفاق سياسي دولي. لكنه عاني من مشكلة القبول والتنفيذ، ولم يحسم مسألة الشرعية الدستورية بصورة نهائية. في حين عمل اتفاق جنيف/ملتقى الحوار السياسي 2020 على إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وإنشاء السلطة التنفيذية المؤقتة التي أفضت إلى حكومة الوحدة.
الوصف السليم لمخرجات 4+4 هي انها تفاوض على تقاسم السلطة، واعضاء اللجنيين شكلتهم البعثة دون الرجوع الى المجلسين، لهذا لا نستطيع ان نعتبر عضوي النواب والدولة في اللجنتين ممثيلين لهذين المجلسين، وبالتالي الاتفاق لا يمكن ان يحسب على المجلسين. لكن، تجاوزا، دعنا نسميه اتفاق 4+4. خطورة هذا الاتفاق انه لا يكتفي بإنشاء ترتيب سياسي، بل يحاول أن يحدد القواعد التي ستنتج الترتيب السياسي القادم، والذي يظهر جليا في آلية المصادقة -المادة الخامسة ، والاحكام الختامية -المادة السابعة.
الخطر الحقيقي في 4+4 ليس المادة الانتخابية وحدها، لو كان الاتفاق يقول فقط: اتفقنا على تعديل قانون الانتخابات وإعادة تشكيل المفوضية، لكان اتفاقا مهما يتلام مع محاولات سابقة لكن عندما يضيف إنتخابات خلال 24 شهراً؛ وسلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة كشرط للانتخابات. تم يعمل على تغييرات في شروط الترشح؛ وآلية لاعتماد الاتفاق إذا لم يوافق عليه مجلسا النواب والدولة؛ ويضيف المادة 7/1 التي تعطي أحكام الاتفاق أولوية على الأحكام المخالفة؛ فإننا لم نعد أمام «اتفاق انتخابي» بالمعنى الضيق. نحن أمام محاولة لصياغة قواعد الانتقال السياسي نفسه.
ألية المصادقة الواردة في المادة الخامسة والتي نصها كالتالي:

هذه الآلية تتعامل مع الواقع وخبرة البعثة الاممية في تعاملها مع المجلسين، هذا امر مفهوم ومقبول من شريحة كبيرة من الليبين باعتبار عجز المجلسين عن التوافق، وقد وضعت هذه الالية برغبة في تمريره وفرضه. المادة الخامسة وضعت المجلسين في ورطة حقيقية. ذلك ان المجلسين الان في مفترق ثلاثة طرق كل لها اخطارها على المجلسين وعلى مستقبل البلد. فعدم انخراط المجلسين يضعف مركزهما في المسار السياسي ويستبعدهما، ورفض المجلسيين للاتفاق يضعهما في موقع المعرقل، وقبولهما بالاتفاق يمنح الاتفاق ومواده شرعية دستورية. لاحظ شرط القبول (بصيغته الموقعة)، اي لا يعطي المجلسين “رفاهية” دراسته وتعديله، بل قبوله كما هو.
هذه الالية التي تفرض تمرير الاتفاق يغيب صرامتها على المادة الرابعة، التي في تقديري تفقد صفة الاتفاق على المخرجات وتجعلها اقرب الى التفاوض من اجل تقاسم السلطة من ان تكون بناء لمسار سياسي. صيغة المادة الرابعة كما وردت:

هنا تغيب الصرامة في تحقيق الانتخابات، لان قيامها مرتبط بتوحيد مؤسسات الدولة وانتاج سلطة تنفيدية واحدة، فالقوانين الانتخابية دون توحيد السلطة او توحيد السلطة دون قوانين انتخابية لن يسمح باجراء الانتخابات. تم التوافق على القوانين لكن شرط “سلطة تنفيدية واحدة” سيكون العثرة التي يتعذر تجاوزها، ليس بسبب عدم التوافق على تشكيل سلطة تنفيدية، وانما في غياب الاداة التي تجعلها سلطة تنفيدية، اي احتكار القوة.
الحكومات السابقة فشلت لانها لم تمتلك اداة السلطة المتمثلة في احتكار القوة، بمعنى عدم اخضاعها للقوة العسكرية والامنية، وبالتالي يتعذر على الحكومة تحقيق التزاماتها. وهذا الامر كان واضحا منذ بداية الثورة، وكلنا نتذكر السيد عبد الرحمن الكيب رحمة الله عليه حين استجوابه اما المؤتمر الوطني فقال ” يستحيل تفعيل اي قرار تصدره الحكومة لان هناك سلطات اعلى”، وهو يقصد كما صرح سلطة حملة السلاح. وتكرر ذلك مع حكومة الوفاق التي لم تعمل الا في الغرب الليبي، تم تعرضت الى الحملة التي قادها حفتر على طرابلس، وكذلك حكومة الوحدة حيث منع رئيس الوزراء من النزول في بنغازي بأومر من الجيش.
الاتفاق لم يعالج هذه المشكلة، لم يتحدث عن علاقة القوات العسكرية بالحكومة، وهذا الامر لم يرد ايضا في مسار بولس، رغم ان مسار بولس يركز على توحيد مؤسسات الدولة بما فيها القوات المسلحة. فهل ستخضع القوات المسلحة لوزارة دفاع الحكومة المزمع انشائها؟.
حتى ان تجاوزنا هذا الامر بافتراض حسن النية، لكن المادة الرابعة اعلاه تحدثت عن “إيجاد آلية مثلى” للوصول الى الاستحقاق الانتخابي في حين فشل توحيد المؤسسات. غياب هذه الـ”آلية المثلي” وتفاصيلها في الاتفاق ستعيدنا الى نقطة البداية، وبالتالي البحث عن اتفاق جديد قد يفشل ايضا في الوصول بنا الى الانتخابات.
معضلة ترك الامور دون وضع سيناريوهات بديلة للحل يتكرر في كل نصوص الاتفاق تقريبا. فالفقرة الاولى من المادة الثانية تشير الى اعتماد القانون رقم (28) لعام 2023 كأساس لاجراء الانتخابات، وعدلت في القانون فالغت المادة (12/1) التي تنص على الجولتين، والغت المادة (12/4) التى تشير الى الغاء الانتخابات التشريعية في حال تعذر الانتخابات الرئاسية. لكن المطب الحقيقي الذي لم يعالجه الاتفاق هو في الفقرات (15/9) و (17/2) من قانون الانتخابات.
الفقرة (15/9) تشير الى تقديم اقرار بالاستقالة، واقرار الاستقالة لا يعني الاستقالة، وقد راينا ذلك في حوار برلين، إذا كان على السيد عقيلة صالح التخلي عن منصبه كرئيس للبرلمان حين دخل الصراع السياسي بصفته الشخصية وطبعا ليست الاعتبارية، واصبح مكانه في البرلمان خالي وكان يفترض ان يمنح لشخصية من الجنوب، لكنه حين فشل في ان يكون رئيس للمجلس الرئاسي عاد الى منصبه السابق، وتكرر مع السيد حفتر، فحين تقدم للانتخابات الرئاسية تقدم باستقالته من قيادة الجيش الى السيد الناضوري، وحين فشلت الانتخابات عاد الى مركزه، والسيد عبد الحميد الدبيبة الذي تعهد بعدم الخوض في الانتخابات، لكنه نكص عن وعده وقرر خوض الانتخابات دون ان يفقد مركزه كرئيس للوزراء.
الفقرة الثانية من المادة 17 تطالب من الفائز في الانتخابات الرئيسية تقديم إقرار كتابي مصدق عليه من محرر عقود او ما يفيد طلبه التنازل من السفارة التي يحمل جنسيتها. في الاتفاق وردت على النحو التالي:
“السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح في الانتخابات الرئاسية، مع وضع ضمانات للتخلي عن الجنسية غير الليبية للمترشح الفائز قبل حلف اليمين الدستورية، فصلا عن اقتراح معالجة قانونية تفضي إلى إعادة العملية الانتخابية في حال عدم تمكنه من الوفاء بهذا الشرط”.
وفي الحالتين، لا توجد معالجة موضوعية لمزدوجي الجنسية، فالسماح لمزدوجي الجنسية دون وضع ضوابط صارمة تضبط العملية الانتخابية في حال عدم اسقاط الجنسية عن الفائز في الانتخابات يعرض كل العملية ربما للفشل. كان الاجدر ان تذيل الفقرة 1.2.2 بمعالجة قانونية يتضمنها الاتفاق، ذالك لان المجتمعين يدركون تماما ان إسقاط الجنسية ليس في يد حاملها وانما هو شئن الدولة التي منحت هذه الجنسية.
الخلاصة التي خرجت بها من تمعني في بنود هذا الاتفاق، الذي كنت مبدئيا مرحبا به كالكثيرين املا في انهاء الجمود الذي كلف الليبين الكثير، اكتشفت انه محاولة لشرعنة امر واقع، وهنا ممكن خطورته الحقيقية التي عبرت عنه الفقرة 7/1 في صيغتها التالية:
“اتفقت الأطراف على أن الأحكام والشروط المحددة في هذا الاتفاق تحل محل جميع الأحكام المخالفة الواردة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات”.
فقبول هذا الاتفاق يجعل منه وثيقة اعلى من الدستور والقانون.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





