ارتفعت حصيلة قتلى الهجوم المسلح الذي استهدف مشيّعين داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، إلى 8 أشخاص، بعد وفاة إحدى المصابات متأثرةً بجروحها، فيما تواصل الأجهزة الأمنية عمليات البحث والمداهمة لتعقّب المشتبه في تورطهم بالهجوم.
وقال وزير الصحة الأردني إبراهيم البدور إن 27 مصابًا لا يزالون يتلقون العلاج في المستشفيات، من بين نحو 40 جريحًا أُصيبوا عندما فتح مسلحون النار على المشاركين في مراسم جنازة داخل الكنيسة، الجمعة.
وأكد مدير الأمن العام الأردني عبد الله المعايطة، خلال مؤتمر صحفي في الكرك بحضور وزير الداخلية مازن الفراية، استمرار التحقيقات وعمليات البحث عن المنفذين، مشددًا على أن تحديد وجود صلات بينهم وبين جماعات معروفة داخل الأردن أو خارجه لا يزال سابقًا لأوانه.
ووصفت السلطات الأردنية الهجوم بأنه عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرفين، من دون الإعلان عن انتماء تنظيمي محدد للمشتبه فيهم.
وقال رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان، في منشور على منصة «إكس» عقب الهجوم، إن ما حدث يعكس «الفكر التكفيري الإرهابي» و«التطرف الأعمى»، مؤكدًا رفض الحكومة السماح بانتشار هذا النهج في المجتمع.
وأعلنت الحكومة الأردنية الحداد العام في المملكة لمدة 3 أيام اعتبارًا من الجمعة، مع تنكيس الأعلام فوق المباني الحكومية والمؤسسات العامة.
وزار العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني محافظة الكرك عقب الهجوم، متوعدًا بمحاسبة المسؤولين عنه، ومؤكدًا أن الدولة ستواجه كل من يستهدف أمن الأردن ووحدة مجتمعه.
كما تفقد الملك المصابين الذين يتلقون العلاج في مستشفى الكرك الحكومي، مرتديًا الزي العسكري، وفق ما أوردته وسائل إعلام.
وقال الملك عبد الله الثاني، في منشور على منصة «إكس»، إن «من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا»، مؤكدًا أن المملكة ستواجه العمل الإرهابي الذي استهدف الكرك بأشد العقوبات.
وفي السياق ذاته، قال وزير الداخلية الأردني مازن الفراية إن السلطات تتعامل مع «عملية إرهابية نفذتها مجموعة من المتطرفين أقدموا على عمل فظيع»، مضيفًا أن الحادثة غير مسبوقة في تاريخ الأردن.
وأكد المتحدث باسم الحكومة الأردنية أن الأجهزة الأمنية تلاحق كل من يثبت تورطه في التخطيط للهجوم أو تنفيذه أو تمويله أو تسهيل ارتكابه.
وبحسب معلومات نشرتها «الجزيرة نت» نقلًا عن مصادر خاصة وشاهد عيان، شارك في تنفيذ الهجوم 3 مسلحين، كان أحدهم ملثمًا ويحمل بندقية من طراز كلاشينكوف، بينما حمل الآخران مسدسين، وكان أحدهما يحمل حقيبة على ظهره.
وذكرت المعلومات أن المسلحين وصلوا إلى محيط الكنيسة على متن مركبة من نوع «بيك آب» زرقاء، وأطلقوا النار باتجاه المشيّعين قرب المدخل الرئيسي، حيث سقط الضحايا، وفق الرواية المنشورة.
وأفاد شاهد عيان بأن إطلاق النار وقع قرابة الساعة الثانية بعد الظهر، بعد نحو 10 دقائق من وصول جثمان السيدة مثال الهلسا، المعروفة باسم «أم ليث»، إلى ساحة الكنيسة.
وأضافت الرواية أن المسلحين واصلوا إطلاق النار خلال الهجوم، وأن بعض المصابين الذين سقطوا أرضًا تعرضوا لإطلاق النار مجددًا.
ولم تعلن السلطات، وفق المعلومات المتاحة في المواد الواردة، تفاصيل رسمية تؤكد جميع الجزئيات المتعلقة بطريقة تنفيذ الهجوم.
وفي موازاة التحقيقات، أفادت معلومات ميدانية بأن الأجهزة الأمنية تنفذ مداهمات وعمليات تفتيش في عدد من قرى محافظة الكرك، خصوصًا في منطقة مؤتة، ضمن جهود تعقّب المشتبه في صلتهم بالهجوم.
وتداولت أوساط محلية معلومات عن انحدار المشتبه فيهم من قرية واحدة وانتمائهم إلى عشيرة واحدة، لكن السلطات لم تؤكد هذه المعلومات ولم تعلن أسماءهم.
كما تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي منشورًا منسوبًا إلى شقيقي أحد المشتبه فيهم، أعلنا فيه استنكارهما للهجوم وتبرؤهما من الفعل الذي استهدف أبناء قرية حمود، بمن فيهم جيرانهم المسيحيون.
وفي ظل استمرار الملاحقات، لم تقدم السلطات تفسيرًا رسميًا بشأن وجود تأخير في تنفيذ بعض المداهمات أو أسبابه.
لكن تقارير تناولت العملية أثارت احتمال ارتباط التريث في بعض التحركات بمخاطر المواجهة مع مسلحين داخل مناطق سكنية، وهي فرضية لم تؤكدها الجهات الأمنية بوصفها سببًا مباشرًا لتوقيت العمليات الحالية.
وتستحضر هذه المخاوف مواجهات أمنية سابقة في الأردن، أبرزها أحداث قرية قريفلا بمحافظة الكرك عام 2016، ومداهمة مدينة السلط عام 2018، والعملية الأمنية في محافظة معان عام 2022، التي شهدت جميعها سقوط قتلى وجرحى من أفراد الأجهزة الأمنية.
ففي ديسمبر 2016، نفذت الأجهزة الأمنية عملية في قرية قريفلا عقب هجمات قلعة الكرك، بعدما اشتبهت في ارتباط أحد المطلوبين بالخلية التي نفذت الهجمات.
وتطورت العملية إلى اشتباكات أسفرت عن مقتل 4 من أفراد الأجهزة الأمنية، بينهم 3 من قوات الدرك، وفق المعلومات الواردة عن الحادثة.
وفي أغسطس 2018، استهدفت عملية أمنية في مدينة السلط خلية مرتبطة بتفجير عبوة ناسفة قرب دورية أمنية.
وخلال مداهمة مبنى تحصّن فيه مطلوبون، وقع انفجار بعدما تبيّن أن المبنى مفخخ، ما أدى إلى مقتل 4 من أفراد الأجهزة الأمنية وإصابة 21 شخصًا، بينهم عناصر أمنية، وفق الحصيلة الواردة في المادة.
أما في ديسمبر 2022، فشهدت محافظة معان عملية أمنية عقب مقتل نائب مدير شرطة معان، العقيد عبد الرزاق الدلابيح، إثر إصابته بعيار ناري في الرأس خلال التعامل مع أعمال شغب وإغلاق طرق في منطقة الحسينية.
وأعلنت مديرية الأمن العام لاحقًا مقتل المشتبه فيه خلال مداهمة أسفرت أيضًا عن مقتل 3 من أفراد الأجهزة الأمنية وإصابة 5 آخرين.
وعلى الصعيد الدولي، قالت السفارة الأمريكية في عمّان إنها تتابع تداعيات الهجوم عن كثب، مشيرةً إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول مراكز التسوق والسفارات الأجنبية ومواقع أخرى في العاصمة.
ودعت السفارة المواطنين الأمريكيين إلى توقع انتشار أمني مكثف في مناطق مختلفة من الأردن، والتحلي بالحذر ومتابعة الإعلانات الرسمية الصادرة عن السلطات الأردنية، ولا سيما مديرية الأمن العام، عبر حسابها على منصة «إكس».
وأكدت السفارة أنها ستواصل تقييم الوضع، وستصدر معلومات إضافية عند الحاجة.
وفي تنبيه أمني منفصل، حثت السفارة الأمريكية مواطنيها على توخي الحذر عقب الهجوم الذي استهدف كنيسة للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، محذرةً من انتشار أكبر للشرطة في مناطق مختلفة من المملكة.
وقالت السفارة إن «المراكز التجارية ومواقع أخرى، بما فيها السفارات الأجنبية في عمّان، تشهد إجراءات أمنية مشددة»، داعيةً المواطنين الأمريكيين إلى متابعة المستجدات العاجلة الصادرة عن السلطات الأردنية.
ويشكل المسيحيون أقلية في الأردن، الذي يضم مواقع دينية تستقطب الحجاج من أنحاء العالم.
وتتميز محافظة الكرك بتنوع ديني واجتماعي، إذ تعيش فيها غالبية مسلمة إلى جانب مكوّن مسيحي تربطه ببقية السكان علاقات تاريخية من التعايش.
وأعاد الهجوم تسليط الضوء على تحديات ملاحقة الجماعات المسلحة، وعلى أهمية الحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي في المملكة.





