ليبيا: التغيير والتغيير المأمول

بقلم:

إلى كل أبناء ليبيا من أتباع سبتمبر وفبراير.. فجر وكرامة، وإلى كل ليبي لا يتبع هؤلاء ولا هؤلاء.. إليكم هذه الرسائل والأفكار والحقائق التي تكشف لأول مرة.

سأحاول جهدي أن أُحسن اختيار أطايب الكلمات، وأبتعد عن أي نوع من أنواع الاستفزاز، سأطرح أفكاري بكل موضوعية وحياد ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

في المقابل أتمنى من القارئ الكريم أن يصبر على قراءة هذ المقال ومايحمله من أبعاد، وله من بعد ذلك أن يتفق معي أو يخالفني.

سأكشف في هذا المقال عن رؤية جديدة لبعض ما حصل، وعن طبيعة الصراع القائم، وسأحاول أن أضع بين أيديكم ملامح الخروج من هذا الصراع، إلى دولة القانون والمؤسسات.

التغيير الأول: هدم النظام الملكي وبناء النظام الجماهيري

في الأول من شهر سبتمبر قام مجموعة من الضباط أطلقوا على أنفسهم الضباط الوحدويون الأحرار وكان على رأسهم ملازم أول شاب اسمه معمر القذافي، بالإطاحة بالنظام الملكي وشكلوا مجلس أطلقوا عليه مجلس قيادة الثورة، وقادوا من بعده عملية بناء نظام سموه النظام الجماهيري.

من المهم أن نعي من هذه المقدمة أن ملكية التغيير؛ كانت تؤول إلى تنظيم له قيادة محددة، وإليها ترجع مسؤولية قيادة المرحلة التي تلي هدم النظام الملكي، وكان لها الخيار في أن ترد الأمر إلى الشعب، أو أن تقود المشهد في إطار نظام حكم تختاره. اختار القذافي نظام حكم أطلق عليه النظام الجماهيري ووضع ملامحه في الكتاب الأخضر، وكان القذافي يسيطر على كل الجوانب الرئيسية للحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، إلى جانب قادة اللجان الثورية التي كانت المسؤولة عن إسكات أي شكل من أشكال المعارضة، وملاحقة المعارضين في الداخل والخارج بالسجن أو القتل أو النفي.

لا يتناطح كبشان في أن نظام حكم القذافي، وبعد ما يقارب الأربعة عقود، كان آيلا للسقوط والانهيار، وكان أمامه خياران لا ثالث لهما. إما أن يحدث تغيير من داخله، كأن يستحدث نظاما قائما على وثيقة دستورية، يحدد فيه ملامح النظام الحاكم، وكيفية تولي قيادة البلاد من بعده، أو أنّ حدثا ما، سيسقط هذا النظام في لحظة من اللحظات.

لا أعتقد أن أي عاقل لا يعي أن نظام القذافي كان على وشك الانهيار، وأن مراحل شيخوخته ظاهرة للعيان، وأنه ما لم يستدرك فإن نظامه سيسقط.

لم يكن معلوما كيف سيكون ذلك السقوط، بالنظر إلى القبضة الأمنية التي كان يعول عليها، وإلى سحقه لكل أشكال المعارضة.

ما حدث في فبراير كان يتوقعه أقرب المقربين إلى القذافي، وقد حاول بعضهم إحداث تغييرات في داخل بنية النظام وطريقة تعامله مع ملف حقوق الإنسان وبالذات ملف مذبحة بوسليم إلا أن الوقف لم يسعفه.

17 فبراير.. يوم من أيام الله

لا أخبركم سراً إن قلت أن جميع الليبيين كانوا فرحين بسقوط نظام القذافي. كانوا فرحين بفتح نافذة للتغيير نحو الأفضل، ولكن حالة التشنج التي سادت، قد حالت دون استمرار هذا الفرح، وانقلب إلى مأسي على أولئك الذين كانوا جزء من النظام السابق، وحتى من التكنوقراط، الذين كانواهم  الأغلبية، ولم يكن لهم أي علاقة بالناحية الأيدولوجية للنظام. كانوا يعتقدوا أن خُلق الرسول في العفو ستسود ولكن خُلق الانتقام والتشفي هو الذي ساد.

لا أريد أن أبرر ذلك بالقول إن هؤلاء الشباب كانوا مخرجات النظام السابق، وأن حالتهم النفسية والتعليمية والثقافية كانت معلومة سلفاً، ولكن هذه هي الحقيقة، حتى اشتهر بين الناس قول الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، رحمه الله للقذافي ذات يوم؛ استثمر أموالك في تعليم شعبك، فرد القذافي فإنه سيثور علي بعد ذلك، فقال له بورقيبه أنه من الأفضل أن يثور عليك شعب مثقف، فلعله إن ثار عليك يوماً ما، فيكون قد ثار عليك شعب متعلم، فيحاكمك بدلا من أن يقتلك.

ملكية التغيير؟

على النقيض من التغييرالذي حدث في الأول من سبتمبر، خرج الشباب في السابع عشر من فبراير، (في بنغازي خرجوا قبلها بيومين بعد حادثة اعتقال المحامي فتحي تربل)، بدون قيادة ولا تنظيم وبدون أهداف محددة، عدا أنهم وجدوا في ما حدث في تونس ومصر، الفرصة الملائمة للتخلص من نظام حكم القذافي، والذي كان، حسب رأيهم، أسوء من نظام زين العابدين ومبارك.

مناصرة المجتمع الدولي لفبراير

كان نظام القذافي مشاكساً وذا مغامرات دموية، خارج الدولة الليبية، حيث ساهم في تغيير أنظمة حكم في إفريقيا، وحاول تغيير الأنظمة في عدد من الدول العربية كمصر وتونس والمغرب والسعودية، وخاض حروبا ضد تشاد وفي أوغندا، وقام بعمليات اغتيال في أكثر من دولة، وأسقط طائرات بعضها مدنية، وساهم فيما أطلق عليه دعم حركات التحرر في العديد من الدول.

حاول المجتمع الدولي ترويض القذافي ونجح في ذلك في سنة 2003م، فسلم لهم طواعية البرنامج النووي، وبالذات كشفِه للشركات والأشخاص، الذين تعاونوا معه في السوق السوداء، لشراء المعرفة والتقنية لصناعة القنبلة النووية. وقام بتعويض ضحايا تفجير طائرة لوكربي. فنال بعضا من رضاء المجتمع الدولي.

إلا أنه حين حانت الفرصة للتخلص منه قاموا باقتناصها، ساعدهم في ذلك أقطاب النظام السابق الذين انشقوا عليه وحرضوا ضده، فوقفوا من على كرسي النظام في المحافل الدولية ضد القذافي الذي تصدى لشعبه بالحديد والنار.

من كان يتحكم في المشهد السياسي؟

حقيقة أقولها لأول مرة، قدحها في ذهني مقابلة كانت لأحدى الشخصيات الليبية[1]، جعلتني أفكر في المشهد من جديد وخلصت إلى هذه النتيجة التي سأدلي بها للمرة الأولى، وقبلها أؤكد أنني أذكرها بكل تجرد دون أن تحمل أي مدلولا سلبياً ولا إيجابيا، ولكن هو ما أدين به لله أولاً ثم للتاريخ.

كان المتحكم الأول في المشهد السياسي والعلاقات الدولية حتى 20 أغسطس 2011م، بالدرجة الأولى الأستاذ عبدالرحمن شلقم وبالدرجة الثانية الدكتور محمود جبريل وكان المستشار مصطفى عبدالجليل هو الواسطة التي تنفذ بها تعليماتهم، وكان المجلس الوطني الانتقالي، مع خالص الاحترام والتقدير لجميع أفراده، كمبارس، لا يعلمون عن كثير من كواليس المشهد السياسي والعلاقات الدولية إلا النذر اليسير، مع ما يبذلونه من جهود في إنجاز التشريعات المطلوبة.

أما بعد سقوط نظام القذافي في العاصمة فقد كثر اللاعبون في المشهد، وبعد أن قتل القذافي دخل على المشهد السياسي لاعبون جدد فرضهم (الانتصار) والسلاح.

ماهية الصراع على السلطة؟

يتلخص الصراع على السلطة في ثلاثة أسباب؛ الأول أنه صراع على الثروة بالوكالة، حيث تسعى بعض الدول، من خلال أدوات ليبية، للسيطرة على مقدرات الشعب الليبي، من خلال وصول هذه الأدوات لمفاصل القرار وتجييره لصلاح هذه الدول[2]. والسبب الثاني هو أن هناك من قام بجرائم كبيرة في حق الشعب الليبي ويريد أن يخفيها بوصوله للحكم. والسبب الثالث أن هناك من يريد الإمساك بمقاليد الحكم  من أجل الانتقام من خصومه.

انظر إلى كل من يسعى للوصول للسلطة الآن، واعرضه على هذه الأسباب، فستجد أن هناك كثيرين ينطبق عليهم أحد أو كل هذه الأسباب مجتمعة. بذلك يتبين لكل ذي لب؛ أن ليبيا ليست في مقدمة أولويات هؤلاء الأشخاص، الذين تنطبق عليهم هذه الأسباب، بل إن ليبيا ليست في أي من أولوياتهم للأسف.

ليبيا والتغيير المأمول

بعيدا عن سبتمبر وفبراير وعن فجر ليبيا والكرامة؛ فإنني أعتقد أنه من  اللازم الآن، أن نقول إن ليبيا لم تتأسس فيها دولة بعد، ويجب أن نتنادى جميعا لتأسيس مشروع هذه الدولة ونضع معاييرها.

معايير الدولة:

لعلنا نقتصر على المعايير الكبرى؛ فالكل يؤمن بضرورة أن تكون ليبيا دولة عدل، ودولة قانون، ودولة مواطنة، وأن تكون دولة المؤسسات والحقوق والحريات، وتنطلق من ثوابت الشعب الليبي، وأن لا مساس بوحدة ليبيا وسيادتها، وأن يكون المواطن فيها هو الأساس والقطيعة مع الاستبداد وحكم الفرد.

معايير من يستطيع تطبيق هذه المعايير:

بعد الاتفاق على معايير الدولة، يجب أن ننظر في معايير من يستطيعون تأسيس هذه الدولة، وأعتقد أن الأساس؛ أن يكون هؤلاء مؤمنين بهذه المبادئ، والمعايير التي تؤسس عليها الدولة، إيمانا يشهد به ماضيهم، وأن يحققوا أكبر قدر من التوافق، ويقدموا رؤية واضحة في ذلك، وألا يكونوا ممن ولغ في الدم الليبي، أو اشتهر بنهب ثروات الليبيين، وألا يكون مقصده من الوصول للسلطة الانتقام أو التستر وراء السلطة عن جرائم قام بها، وأن يكون استقلالهم عن الأطراف الإقليمية والدولية، بمختلف توجهاتها استقلالا واضحا وجليا.

ماذا بشأن الجرائم التي ارتكبت خلال نظام سبتمبر وفبراير والفجر والكرامة؟

للأمانة وبكل تجرد، لم أجد أفضل ولا أنضج من الرؤية التي تدعوا إلى طي صفحات الماضي مع ومنح الحق للمتضرر في كل هذه الصفحات خيارات ثلاثة لا رابع لها؛ إما القصاص وإما العفو وإما جبر الضرر ومن أراد الرابعة فكل الليبيين يدٌ واحدةٌ عليه. والقصاص لا يكون إلا عبر القضاء، ومن اختار العفو فأجره على الله، ومن طالب بجبر الضرر يحكم له بذلك. على أن يتم اللجوء للقضاء عبر محكمة خاصة تنشأ لهذا الغرض تحت القانون الليبي، وتستعين هذه المحكمة بقضاة وخبرات دولية متخصصة في العدالة الانتقالية.

خاتمة

هناك فرصة ذهبية أمام الشعب الليبي يمكن اقتناصها لإنهاء حالة الفوضى والبدء في بناء دولة ليبيا بالمعايير التي ذكرتها آنفاً، حيث أزاحت المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة كل العقبات التي تحول دون استفتاء الشعب الليبي على الوثيقة التي أنجزتها الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور.

هذه الوثيقة التي اختار المؤسسون أن تنص في ديباجتها القصيرة على ” نحن أبناء الشعب الليبيّ-الليبيين والليبييات- نقر هذا الدستور”، وللأمانة فإن هذه الوثيقة قد كتبت بروح ليبيبة، بعيدة كل البعد عن التصنيفات الأربعة التي ذكرت. فهي لم تكتب ضد أتباع سبتمبر ولا بروح فبراير ولا مع الفجر ولا الكرامة. وثيقة إذا ما اعتمدها الشعب الليبي فإنها تفتح نافدة التغيير المأمول على مصرعيه لغد أفضل.

[1] – في مقابلة على قناة الجزيرة مع الأستاذ صلاح البكوش، ذكر أن الثورة المضادة بدأت منذ أيام المجلس الوطني الانتقالي، وبالرغم من اختلافي معه في فيما ذهب إليه، إلا أن ذلك لم يمنعي من إعادة التفكير فيما جرى، فتوصلت إلى هذه الخلاصة التي ذكرت أعلاه.

[2] – نجحت كثير من هذه الدول في تجنيد هذه الأدوات من خلال مستمسكات أخلاقية أو شراء ذممهم المالية، واستغلال ميولهم لحب الجاه والسلطان.

عبدالرزاق العرادي

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 68.

تعليقات حول الموضوع

تعليقان 2
  1. 1- بواسطة: العبدلله 2018/02/17

    السؤال المحوري الذي نسي الكاتب طرحه و الذي هو أصل الصراع الحالي هو : هل إقليم ليبيا أصلاً يصلح كمشروع دولة واحدة؟. طرح هذا السؤال و محاولة إجابته بعيداً عن العواطف هو البداية السليمة لحل مشكلة ليبيا. التنافر الحاصل بين أقاليم ليبيا اليوم أقوى من أن نتجاهله أو نعالجه بمجرد التمني بزواله بمجرد تصويت على دستور أو اتفاق بين سياسيين. أصل مشكلة ليبيا هو عدم التجانس الكبير بين شرق و غرب و بدرجة أقل جنوبا. ثقافة القبيلة و القائد المخلص المسيطرة على شرق البلاد لا يمكن أن تقوم معها دولة قانون ومؤسسات سليمة و هي نفس التي أفشلت مشروع المملكة و تركتنا في لادولة القذافي بعدها.
    ليبيا اليوم عادت إلى وضع ماقبل الاستقلال, شرعيات متعددة, تدخلات خارجية قوية و غياب مشروع وطني واضح.

  2. 2- بواسطة: عبدالرزاق العرادي 2018/02/18

    تصحيح الكاتب: دائرة القضاء الإداري بالمحكمة العليا هي التي أرست المبدئ الذي أزاح كل العقبات أمام مشروع الدستور بحيث يقدم الإستفتاء وليس كما ورد في المقال بأن المبدئ رأسي من قبل “المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة”. القضاء الإداري هو من من أرسى المبدئ وعند الحاجة للرجوع عنه أو تعديله يتم ذلك عبر المحكمة العليا بدوائرها مجتمعة.

تعليقان 2