مقدمة
مع اقتراب الثالث عشر من سبتمبر، الموعد المحدد لاستئناف الدراسة، لا يبدو السؤال الحقيقي في ليبيا اليوم: هل ستفتح المدارس أبوابها أم لا؟ بل السؤال الأعمق: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها المعلّم مضطرًا إلى التفكير في إغلاق باب الفصل حتى يُسمع صوته؟
مطالب المعلّمين في تحسين أوضاعهم وصرف مستحقاتهم وحوافزهم وعلاوة الحصة مطالب لا يجوز التقليل منها، ولا ينبغي تصوير أصحابها وكأنهم يقفون ضد الوطن. فالمعلّم مواطن قبل أن يكون موظفًا، وله بيت وأبناء والتزامات، ويواجه الغلاء وتراجع القدرة الشرائية كما يواجههما الجميع.
لكن القضية، في هذه اللحظة تحديدًا، أكبر من ملف مرتبات وحوافز. إنها قضية سياسية أيضًا.
وهنا يجب أن نمتلك الشجاعة لطرح السؤال الذي قد لا يريح الجميع: هل كل ما يجري حول التعليم اليوم عفوي بالكامل؟ وهل نحن أمام احتجاج نقابي صرف، أم أن أزمة حقيقية ومطالب مشروعة يمكن أن تتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى مادة جاهزة للاستثمار السياسي؟
حين تتحول معاناة المعلّم إلى ورقة سياسية
في الدول المستقرة، يبقى الخلاف حول المرتبات والحوافز شأنًا نقابيًا وإداريًا في الأساس. أما في دولة تعاني الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ وتراجع الثقة في المؤسسات، فإن أي أزمة واسعة يمكن أن تتحول سريعًا إلى ورقة سياسية.
وهنا تكمن الخطورة. فليس مطلوبًا أن يكون المعلّم جزءًا من أجندة سياسية حتى تُستغل مطالبه سياسيًا، وليس مطلوبًا أن تكون النقابة تابعة لطرف حتى يحاول طرف ما الاستثمار في تحركها.
قد تكون المطالب صادقة مئة في المئة، والمعلّم مظلومًا فعلًا، ثم يأتي من يحاول ركوب موجة غضبه وتوجيهها لخدمة معركة أخرى لا علاقة لها بالتعليم. ولذلك علينا الفصل بوضوح بين عدالة القضية وكيفية استثمار القضية.
من المستفيد من شلل التعليم؟
في السياسة، لا يكفي أن نسأل: من بدأ الأزمة؟ بل نسأل أيضًا: من يستفيد من استمرارها؟
من المستفيد من أن يبدأ العام الدراسي بمئات الآلاف من الأسر في حالة قلق وغضب؟ من المستفيد من أن تتحول المدرسة إلى عنوان جديد لفشل مؤسسات الدولة؟ من المستفيد من اتساع الهوة بين المواطن والحكومة؟ ومن المستفيد من تحويل غضب المعلّمين، وهم شريحة اجتماعية ضخمة ومؤثرة، إلى كتلة ضغط يمكن استثمارها سياسيًا؟
هذه الأسئلة لا تتهم جهة بعينها، لكنها أسئلة واجبة في بلد شديد الاستقطاب. لأن أخطر أشكال التوظيف السياسي ليس ذلك الذي يصنع المشكلة من الصفر، وإنما ذلك الذي يجد مشكلة حقيقية، وحقًا حقيقيًا، وغضبًا حقيقيًا، ثم يمتطيها لتحقيق هدف آخر.
المعلّم يجب ألا يكون وقودًا لمعركة الآخرين
طالبوا بحقوقكم. ارفعوا أصواتكم. اضغطوا بكل وسيلة قانونية ونقابية مشروعة. ولا تقبلوا أن تتحول حقوقكم إلى وعود موسمية تُستخرج عند الحاجة ثم توضع في الأدراج.
لكن في المقابل، اسألوا دائمًا: من يقود؟ وإلى أين؟ وما سقف المطالب؟ وما شروط إنهاء الاعتصام؟ ومن يفاوض باسمنا؟ وما الضمانات؟ وهل القرار مهني مستقل فعلًا، أم بدأت تتسلل إليه حسابات أخرى؟
فالاعتصام الذي يبدأ من دون خارطة واضحة لإنهائه قد يصبح بعد أيام رهينة لمن يستطيع توجيهه. والمعلّم الذي خرج مطالبًا بحقه قد يجد نفسه، من حيث لا يريد، جزءًا من مشهد سياسي لم يختره أصلًا.
لا حصانة للحكومة أيضًا
الحديث عن الأجندات السياسية يجب ألا يتحول إلى حيلة جاهزة لإسكات المعلّمين. فمن أسهل أساليب الهروب من المسؤولية أن يُتهم كل محتج بأنه «مسيّس»، وكل مطالبة بأنها «مؤامرة»، وكل غضب بأنه «أجندة».
إذا كانت للمعلّم حقوق متأخرة، فصرفها مسؤولية الدولة. وإذا كانت أوضاعه المعيشية متدهورة، فلا يجوز مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية ثم اتهامهم عندما يحتجون.
بل إن الحكومات نفسها تتحمل مسؤولية سياسية عندما تترك ملفًا اجتماعيًا قابلًا للحل حتى يتضخم ويصبح مدخلًا للتجاذبات. ومن يترك الجرح مفتوحًا لا يملك بعد ذلك أن يتعجب عندما يحاول الآخرون استغلاله.
إغلاق أبواب الاستثمار السياسي في أزمة المعلّمين يبدأ بإعطاء المعلّم حقه، لا باتهامه.
لماذا التعليم تحديدًا؟
التعليم ليس قطاعًا عاديًا. إنه القطاع الذي يصنع الوعي. والمدرسة ليست أربعة جدران وسبورة وكتابًا؛ إنها المؤسسة التي يتشكل داخلها عقل المواطن القادم.
ولذلك فإن إضعاف التعليم، سواء كان نتيجة سوء إدارة أو فساد أو صراع سياسي أو إهمال مزمن، يخدم في النهاية كل مشروع لا يريد مجتمعًا قويًا واعيًا قادرًا على المساءلة.
المواطن المتعلم يسأل: أين ذهبت الأموال؟ لماذا تعطلت المؤسسات؟ ماذا يقول القانون؟ من المسؤول؟ ولماذا لا يُحاسب المقصر؟
أما المجتمع الذي يضعف فيه التعليم، فيصبح أكثر قابلية للشائعة والاستقطاب والخطاب الشعبوي والجهوية والتحريض وشراء الولاءات. وهنا يصبح التعليم قضية أمن وطني لا مجرد وزارة من وزارات الدولة.
هل هناك أجندة لتدمير التعليم؟
لا أملك دليلًا يسمح لي بأن أقول إن هناك غرفة مغلقة تجلس فيها أطراف وتقرر: «فلندمر التعليم الليبي». ومن غير المسؤول أن نطلق مثل هذا الاتهام بلا دليل.
لكنني أملك كامل الحق كمواطنة وتربوية في أن أسأل: إذا لم يكن ما يحدث مقصودًا، فلماذا تبدو نتائجه وكأنها تخدم كل من يريد ليبيا أضعف؟
سنوات من الاضطراب، معلّم يعاني، طالب يفقد الاستقرار، أسرة تستنزف ماديًا، تعليم عام تتراجع الثقة فيه، ودروس خاصة تتوسع، وفجوة تكبر بين من يستطيع شراء البديل ومن لا يستطيع.
قد لا تكون هناك «مؤامرة» بالمعنى التقليدي، لكن الفشل المزمن عندما يستمر بلا محاسبة يتحول في نتائجه إلى ما يشبه التخريب المنظم، حتى وإن اختلفت النوايا.
أخطر الأجندات هي التي تختبئ خلف المطالب العادلة
كلما كانت القضية عادلة، كان استغلالها أسهل. لأن من يريد توظيفها سياسيًا لن يحتاج إلى اختراع غضب؛ الغضب موجود أصلًا. ولن يحتاج إلى اختراع مظلمة؛ المظلمة موجودة.
كل ما يحتاج إليه هو دفع الأزمة إلى نقطة يصبح فيها الرجوع صعبًا، ثم إعادة توجيه الغضب من مطلب مهني محدد إلى صراع سياسي مفتوح.
لذلك يجب أن تكون النقابات أول من يحمي استقلال القرار النقابي: إعلان المطالب كتابة، تحديد الجهة المسؤولة عن كل مطلب، وضع سقف زمني للتفاوض، إعلان شروط تعليق الاعتصام أو إنهائه، نشر نتائج المفاوضات للرأي العام، وإعلان رفض استخدام المعلّمين في أي اصطفاف سياسي أو جهوي أو أيديولوجي.
الوزارة والحكومة أمام اختبار سياسي
إذا كان موعد الدراسة معروفًا منذ أشهر، وكانت مطالب المعلّمين معروفة، فلماذا نصل إلى أبواب العام الدراسي ثم نبدأ في إدارة الأزمة؟
السياسة الرشيدة ليست إطفاء الحرائق بعد اشتعالها؛ إنها منع اشتعالها أصلًا. فإذا كانت هناك مستحقات، يجب بيان قيمتها وموعد صرفها. وإذا تعذر تنفيذ بعض المطالب فورًا، فلتخرج الدولة إلى الناس بالأرقام والحقائق والجدول الزمني.
أما ترك المعلّم بين الانتظار والإشاعة، ثم مطالبته بالعودة إلى الفصل بدافع الوطنية، فليس إدارة أزمة. الوطنية التزام متبادل، وليست فاتورة تُرسل دائمًا إلى المواطن وحده.
من يدفع الثمن؟
وسط كل هذا الصراع يقف شخص لم يشارك فيه أصلًا: الطالب.
لا هو من أخّر المستحقات، ولا هو من وضع الميزانيات، ولا هو عضو في الحكومة، ولا هو طرف في النقابة، ولا يعرف شيئًا عن صراعات النفوذ. ومع ذلك قد يكون أول من يُغلق الباب في وجهه.
أي أجندة سياسية – من أي طرف كانت – تستطيع تحمل أسبوع أو شهر من تعطيل التعليم. السياسي سيواصل عمله، والمسؤول سيذهب إلى مكتبه، وأصحاب النفوذ يستطيعون توفير البدائل لأبنائهم. أما ابن المواطن البسيط فهو الذي سيجلس في البيت.
الاعتصام بين الحق والفخ السياسي
أنا لا أقول للمعلّم: تنازل عن حقك. ولا أقول للنقابات: اصمتوا. بل أقول العكس: طالبوا بحقوقكم بقوة، ولكن لا تسلّموا قراركم لأحد.
فليكن الاعتصام – إن حدث – قرارًا نقابيًا مستقلًا، له مطالب معلنة، ومدة وخطة وتصعيد محسوب ونقطة واضحة للعودة. وليستمر الضغط السياسي والإعلامي والقانوني حتى بعد العودة إلى الفصول.
لأن العودة إلى التدريس لا ينبغي أن تعني إسقاط الحقوق، كما أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تعني تسليم مستقبل الطلاب إلى المجهول.
وأخيرًا… السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا
القضية ليست: هل المعلّم خائن إذا اعتصم؟ بالطبع لا. وليست: هل كل من دعا إلى الاعتصام صاحب أجندة سياسية؟ بالطبع لا.
السؤال الحقيقي هو: من الذي أوصل المعلّم إلى هذه اللحظة؟ ومن يحاول الاستفادة منها؟
ومن المستفيد من أن يتواجه المعلّم وولي الأمر؟ ومن المستفيد من أن يفقد المواطن ثقته في المدرسة؟ ومن المستفيد من إضعاف مؤسسة تصنع وعي الأجيال؟ ومن المستفيد من بقاء المعلّم غاضبًا والطالب خارج فصله والدولة عاجزة عن تقديم حل؟
فاحذروا أن يتحول حق المعلّم إلى حصان يمتطيه السياسي، وأن يتحول الطالب إلى رهينة، وأن يتحول التعليم إلى ساحة أخرى من ساحات الصراع الليبي.
المعلّم ليس وقودًا للسياسة. والطالب ليس ورقة ضغط. والمدرسة ليست صندوق بريد لتبادل الرسائل بين المتخاصمين.
أخرجوا التعليم من معارككم. وأعطوا المعلّم حقه. وأعيدوا الطالب إلى مقعده.
لأن كل معركة سياسية يمكن تعويض خسائرها إلا معركة تُخسر فيها عقول الأجيال.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





