زيت الخروع بين الفوائد الحقيقية والوصفات المنتشرة.. ماذا يقول العلم؟

منذ قرون طويلة، ارتبط زيت الخروع بالطب الشعبي والعناية بالشعر والبشرة وعلاج الإمساك، لكن شهرته الواسعة جعلت حوله عشرات الادعاءات التي لا تستند جميعها إلى الدليل العلمي، فبينما توجد فائدة دوائية واضحة ومثبتة لزيت الخروع كملين قصير المدى في حالات الإمساك العرضي، فإن بعض الاستخدامات الشائعة مثل تسريع نمو الشعر أو تكثيف الرموش أو إذابة الدهون تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر، لأن الدراسات البشرية التي تثبت هذه الفوائد ما تزال محدودة.

ويتميز زيت الخروع بتركيب مختلف نسبيًا عن كثير من الزيوت النباتية، إذ تشكل أحماض الريسينوليك نحو 90% من أحماضه الدهنية، وقد أوضحت دراسة دوائية نُشرت في عام 2012 أن هذه المادة هي المسؤولة بصورة رئيسية عن تأثيره الملين، إذ تتحول داخل الأمعاء إلى حمض الريسينوليك الذي ينشط مستقبلات معينة تعرف باسم EP3، فتزيد حركة العضلات الملساء في الأمعاء وتساعد على دفع محتوياتها إلى الخارج، وهو ما يفسر لماذا يمكن لزيت الخروع أن يسبب التبرز خلال فترة قصيرة نسبيًا.

ولهذا السبب تحديدًا اعتمدت وكالة الأدوية الأوروبية مستحضرات زيت الخروع كملين للاستخدام القصير في حالات الإمساك العرضي لدى البالغين، مع التأكيد على ألا يستمر استخدامه لأكثر من أسبوع من دون إشراف طبي، لأن كونه ملينًا منبهًا قويًا لا يعني أنه مناسب للاستخدام اليومي أو كوسيلة دائمة لتنظيف الأمعاء، كما أن الإفراط فيه قد يؤدي إلى الإسهال والتقلصات وفقدان السوائل والأملاح.

وتظهر الأعراض الجانبية الهضمية بوضوح عند استخدام زيت الخروع فمويًا، إذ يمكن أن يسبب المغص والغثيان والإسهال وآلام البطن، وتوضح المراجعات الطبية الخاصة بالملينات المنبهة أن تأثير زيت الخروع يقوم على تنشيط حركة الأمعاء، وهو السبب نفسه الذي يجعل استعماله المتكرر أو غير المناسب مزعجًا للجهاز الهضمي، ولذلك لا ينبغي التعامل معه على أنه “ديتوكس” أو طريقة لتنظيف القولون من السموم، فالجسم يمتلك أصلًا الكبد والكلى والأمعاء لتنفيذ عمليات التخلص من الفضلات.

أما أكثر الادعاءات انتشارًا في عالم الجمال فهو أن زيت الخروع يسرّع نمو الشعر ويمنع تساقطه، وهنا تأتي الحقيقة أكثر هدوءًا، فقد نشرت مجلة طبية متخصصة في الأمراض الجلدية عام 2026 مراجعة حديثة تناولت الاستخدامات الجلدية لزيت الخروع، وخلصت إلى وجود مؤشرات على فائدته في تحسين لمعان الشعر وجودته، مع احتمال وجود تأثيرات مرتبطة ببعض المسارات الالتهابية، لكن الأدلة السريرية المباشرة التي تثبت أنه ينبت الشعر أو يعالج الصلع الوراثي ما تزال غير كافية، وبالتالي فإن وضع الزيت على فروة الرأس قد يجعل الشعر يبدو أكثر لمعانًا أو ترطيبًا، لكنه لا يمكن اعتباره علاجًا مثبتًا للصلع.

والأمر نفسه ينطبق على الرموش والحواجب، فانتشار وصفات استخدام زيت الخروع لتكثيفها لا يعني أن هناك تجارب سريرية قوية تثبت أنه يحفز نمو بصيلات الشعر فيها، وقد يمنح الزيت الشعيرات مظهرًا أكثر امتلاءً بسبب تغليفها وترطيبها، لكن هذا يختلف عن تحفيز نمو بصيلات جديدة، ولذلك فإن تساقط الرموش أو الحواجب بصورة واضحة أو مفاجئة يستدعي البحث عن السبب بدل الاعتماد على الزيت وحده.

وفي البشرة، تبدو الصورة أكثر إيجابية من ناحية الترطيب، إذ تشير المراجعة الجلدية الحديثة لعام 2026 إلى أن زيت الخروع يمكن أن يساعد في ترطيب الجلد وتحسين بعض خصائصه مثل المرونة والمظهر العام، كما دُرست له تأثيرات مضادة للالتهاب والأكسدة في سياقات جلدية مختلفة، لكن هذا لا يعني أنه علاج مثبت لحب الشباب أو التصبغات أو التجاعيد، فالأدلة على هذه الاستخدامات متفاوتة، وبعضها يعتمد على دراسات مخبرية أو تركيبات تحتوي على زيت الخروع إلى جانب مواد أخرى.

وهناك نقطة مهمة جدًا تتعلق بالحساسية، فالمراجعة الجلدية نفسها أشارت إلى أن التهاب الجلد التماسي هو من أبرز الآثار الجانبية المحتملة لاستخدام زيت الخروع على الجلد، وإن كان نادرًا، كما سجلت حالات نادرة جدًا من تشابك الشعر الشديد أو ما يعرف بـ”تلبد الشعر” بعد وضع الزيت، ولذلك من الأفضل تجربة كمية صغيرة على مساحة محدودة من الجلد أولًا، خصوصًا لدى أصحاب البشرة الحساسة أو من لديهم تاريخ من الحساسية تجاه مستحضرات التجميل.

أما استخدام زيت الخروع على الجروح أو الحروق أو لعلاج الالتهابات الجلدية، فهنا يجب التمييز بين وجود دراسات أولية وبين وجود علاج طبي مثبت، فقد بحثت بعض الدراسات في استخدام زيت الخروع أو مشتقاته ضمن مستحضرات جلدية مختلفة، لكن ذلك لا يعني أن وضع الزيت الخام مباشرة على الجروح المفتوحة يمكن أن يحل محل التنظيف والعلاج الطبي المناسب، خصوصًا إذا كان الجرح عميقًا أو ملتهبًا أو مصحوبًا باحمرار متزايد أو إفرازات.

ومن أكثر الاستخدامات التي تحتاج إلى تحذير واضح تناول زيت الخروع بهدف إنقاص الوزن، إذ إن ما يحدث بعد تناوله ليس “حرقًا للدهون”، وإنما تأثير ملين يؤدي إلى زيادة حركة الأمعاء وفقدان البراز والماء، وبالتالي فإن أي انخفاض سريع في الرقم على الميزان يكون في الأساس نتيجة فقدان السوائل ومحتويات الجهاز الهضمي وليس خسارة حقيقية للدهون، وقد يؤدي الإفراط في استخدام الملينات إلى الجفاف واضطراب الأملاح والشعور بالضعف، لذلك لا ينبغي استخدام زيت الخروع كوسيلة للتخسيس.

والأمر نفسه ينطبق على فكرة “تنظيف القولون”، فلا توجد حاجة إلى استخدام زيت الخروع بصورة دورية لتخليص الأمعاء من السموم، كما أن الإسهال الناتج عن الملينات لا يعني أن الجسم أصبح أكثر نظافة أو أن السموم خرجت منه، بل يعني ببساطة أن حركة الأمعاء تسارعت، وقد يصبح الأمر ضارًا إذا تحول إلى عادة متكررة.

أما الحمل، فهو من أكثر المجالات التي تحيط بها التحذيرات، لأن زيت الخروع قادر على تنشيط العضلات الملساء في الأمعاء، ولأن المادة الفعالة فيه يمكن أن تؤثر أيضًا في العضلات الملساء للرحم، وقد وجدت دراسة تجريبية منشورة في عام 2012 أن حمض الريسينوليك يحفز مستقبلات EP3 المرتبطة بانقباض العضلات الملساء، وهو ما يقدم تفسيرًا بيولوجيًا لتأثيره المحتمل في الرحم.

لكن الدراسات السريرية حول استخدام زيت الخروع لتحفيز الولادة ليست متفقة تمامًا، فقد وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2022 وشملا 12 دراسة و1653 امرأة حامل أن استخدام زيت الخروع ارتبط بارتفاع معدل بدء المخاض مقارنة بالمجموعات الضابطة، كما بلغت نسبة الولادة المهبلية 81% في مجموعة زيت الخروع مقابل 69% في المجموعة المقارنة، لكن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى الحاجة إلى مزيد من الدراسات عالية الجودة لتأكيد الفاعلية والسلامة.

وفي المقابل، جاءت مراجعة كوكرين أكثر تحفظًا، إذ شملت ثلاث تجارب فقط و233 امرأة، وخلصت إلى أن الأدلة غير كافية لإثبات فعالية زيت الخروع في تهيئة عنق الرحم أو تحفيز الولادة، كما شعرت جميع النساء اللواتي تناولنه في تلك التجارب بالغثيان، وهو اختلاف مهم بين الدراسات يوضح لماذا لا ينبغي للحامل تناول زيت الخروع من تلقاء نفسها بهدف بدء الولادة، حتى لو كان الحمل قد تجاوز موعده.

ويجب أيضًا الحذر من تناول زيت الخروع عند وجود ألم بطني غير مفسر أو اشتباه في انسداد الأمعاء أو التهاب الزائدة الدودية أو بعض أمراض الأمعاء الالتهابية، لأن تحفيز حركة الأمعاء في هذه الحالات قد لا يكون مناسبًا، كما أن الأشخاص الذين يعانون من الجفاف أو اضطرابات الأملاح أو يتناولون أدوية قد تتأثر بالسوائل والأملاح يحتاجون إلى استشارة الطبيب قبل استخدام أي ملين منبه.

ومن المهم كذلك التفريق بين بذور الخروع والزيت المستخرج منها، فبذور نبات الخروع تحتوي على مادة الريسين السامة، بينما يخضع الزيت الطبي والتجميلي لعملية استخراج وإنتاج مختلفة، ولذلك فإن تناول بذور الخروع نفسها أمر خطير ولا علاقة له بالاستخدام المعتاد لزيت الخروع المنقى، وهذه نقطة مهمة لأن الخلط بين الاثنين قد يؤدي إلى معلومات مضللة حول سلامة الزيت.

وفي الاستخدام الخارجي، يمكن وضع كمية صغيرة من زيت الخروع على الشعر أو البشرة إذا لم يسبب تهيجًا، لكن لا ينبغي وضعه داخل العين أو بالقرب منها بهدف تكثيف الرموش، لأن دخول الزيوت أو المستحضرات غير المخصصة للعين إلى داخلها قد يسبب تهيجًا أو مشكلات أخرى، كما أن استخدام الزيت على فروة الرأس لا ينبغي أن يؤخر تشخيص تساقط الشعر إذا كان شديدًا أو مفاجئًا أو مصحوبًا بفراغات واضحة.

والخلاصة أن زيت الخروع ليس “زيتًا سحريًا” كما تصوره بعض الوصفات المنتشرة على الإنترنت، لكنه في الوقت نفسه ليس مادة عديمة الفائدة، فأقوى استخداماته المدعومة طبيًا هو كملين قصير المدى للإمساك العرضي، بينما توجد أدلة أولية ومراجعات حديثة تشير إلى إمكان الاستفادة منه في ترطيب الجلد وتحسين مظهر الشعر، لكن الدليل على إنبات الشعر أو علاج الصلع أو تكثيف الرموش أو علاج التصبغات ما يزال غير كافٍ، أما استخدامه للتخسيس أو تنظيف الجسم من السموم فلا يستند إلى أساس علمي مقنع، وتناوله أثناء الحمل أو استخدامه لتحفيز الولادة يجب ألا يتم من دون إشراف طبي.

ولهذا، إذا كان الهدف هو الإمساك، فالأفضل أولًا البحث عن السبب وتحسين شرب السوائل والألياف والنشاط البدني، وإذا كان الهدف هو الشعر أو البشرة، فيمكن اعتباره مكونًا مرطبًا مساعدًا لا علاجًا طبيًا مثبتًا، أما إذا كان هناك تساقط شعر مستمر أو مشكلة جلدية واضحة أو إمساك مزمن أو ألم بطني، فالمشكلة الأساسية تحتاج إلى تشخيص وعلاج مناسب بدل الاعتماد على زيت الخروع وحده.

اقترح تصحيحاً