لماذا رفض الأعلى للدولة اتفاق «4+4».. السريري لشبكة عين ليبيا: يعيد إنتاج المرحلة الانتقالية

أعاد اتفاق «4+4» بشأن استكمال المسار السياسي في ليبيا فتح النقاش حول شكل المرحلة المقبلة ومدى قدرة التفاهمات الجديدة على إنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية تنهي الانقسام، وبينما ينظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة نحو تحريك العملية السياسية، تبرز في المقابل ملاحظات تتعلق بالقاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية وشكل السلطة التشريعية وشروط الترشح للرئاسة، فضلًا عن الضمانات اللازمة لضمان حياد المؤسسة العسكرية ونزاهة الاستحقاق الانتخابي.

مرحلة انتقالية جديدة بدل إنهاء المراحل الانتقالية

وقال عضو مجلس الدولة فتح الله السريري، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن من أبرز مفارقات «4+4» الدخول في مرحلة انتقالية جديدة لمدة عامين أو أكثر، بالرغم من مناداة الأطراف الموقعة على الاتفاق بإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى مرحلة دائمة، مشيرًا إلى أن ذلك كان ممكنًا عبر توحيد السلطة التنفيذية وفق ما حدث اليوم.

تجاهل مشروع الدستور وقانون الاستفتاء

وأشار السريري إلى ما وصفه بتجاهل مشروع الدستور المنجز من هيئة منتخبة مباشرة من الشعب عام 2017، موضحًا أن المفوضية العليا للانتخابات تسلمت قانون الاستفتاء في فبراير 2019، وهو القانون المتوافق عليه من مجلسي النواب والدولة وفق المادة 23 من الاتفاق السياسي الليبي.

ورأى أن تأجيل اعتماد هذا المسار إلى البرلمان القادم بعد ثلاث سنوات أو أكثر، بدل الاستفتاء على مشروع الدستور، يمثل إحدى المفارقات التي تثير التساؤلات حول المسار المقترح.

استبعاد القانون 27 لسنة 2023

ولفت السريري إلى استبعاد القانون رقم 27 لسنة 2023، المنجز من لجنة «6+6» بالتوافق التام بين مجلسي النواب والدولة، والنافذ بعد إصداره ونشره في الجريدة الرسمية.

وأوضح أن هذا القانون ارتكز على المساواة بين الليبيين في مجلس النواب بواقع نائب لكل 30 ألف مواطن، بما يعني، وفق رؤيته، أنه «لا منتصر ولا مهزوم ولا غالب و لا مغلوب»، وبما يحقق الوئام الاجتماعي والعدالة في المشاركة الفاعلة بالشأن السياسي وينهي التهميش الممنهج لبعض المدن والقرى.

وأضاف أن القانون يتضمن كذلك تمثيل الأحزاب بمقاعد تفوق الأفراد، ترسيخًا للمبدأ الدستوري الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، وهو مبدأ التعددية السياسية، المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2011 والوثائق الدستورية المعاصرة.

وأشار إلى استبدال ذلك بالقانون رقم 10 لسنة 2014 القائم على النظام الفردي، والذي قال إنه «يكرس الجهوية والقبلية ويقلل أو يعدم التنافس الحزبي المنظم»، معتبرًا أن الواقع أثبت صعوبة العمل وفق نتائجه، وأن الواقع شاهد على صعوبة انعقاد جلسات مجلس النواب الحالي والتوافق حول القضايا المهمة.

إلغاء مجلس الشيوخ ومفارقة الغرفة التشريعية الثانية

ومن بين الملاحظات التي طرحها السريري إلغاء الغرفة التشريعية الثانية، أي مجلس الشيوخ، مشيرًا إلى بعده التاريخي في دستور عام 1951، والاتفاق السياسي الليبي عام 2015، ومشروع الدستور الليبي عام 2017، والإعلان الدستوري الثالث عشر.

وأوضح أن هذه الغرفة صارت مكرسة في كل هذه الوثائق الدستورية لأهميتها في خلق توازن تشريعي جغرافي، ولا سيما بعد التسوية العددية «30/30/30» في هذه الغرفة وفق نصوص التعديل الثالث عشر والقانون رقم 27 لسنة 2023، وبذات الاختصاصات الواردة في مشروع الدستور الليبي.

الجنسية الثانية.. ماذا لو رفضت الدولة المانحة التنازل عنها؟

وتوقف السريري عند مسألة التنازل عن الجنسية الثانية بعد الفوز في الانتخابات، متسائلًا: «من يضمن ذلك؟»، ولا سيما أن الجنسية، بحسب وصفه، رابطة قانونية ذات علاقة ثنائية بين حاملها والدولة المانحة.

وطرح تساؤلًا حول ما سيحدث إذا رفضت الدولة المانحة طلب التنازل عن الجنسية، مشيرًا إلى أن الانتخابات ستعاد وفق نصوص هذا الاتفاق حال فشل الفائز في ذلك، وفق الفقرة «1.2.2».

واعتبر أن ذلك يعني أن مصير الانتخابات الرئاسية الليبية ونجاحها من عدمه قد يصبح مرهونًا بإرادة وقرار الدولة الأجنبية المانحة للجنسية.

كما تساءل عن الضامن لعدم استمرارية ولاء الرئيس الفائز للدولة الأجنبية المانحة للجنسية، حتى في حال استجابتها لطلب التنازل، موضحًا أن الولاء القانوني قد ينتهي بالتنازل، لكن الولاء السياسي والمصلحي يظل دون أي ضمان فعلي، خاصة أن الجنسية في الغالب لا تقتصر على الرئيس، وإنما تتمتع بها زوجته وبناته وأحفاده وأقاربه.

وقال السريري إن هذا هو السبب الذي يجعل القوانين الانتخابية تحظر ازدواج الجنسية، وفق رؤيته.

السماح لمزدوج الجنسية بالترشح يفتح جدلًا بعد الفوز

وأضاف أن السماح لمزدوج الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية ثم مطالبته بالتنازل عنها بعد الفوز يفتح إشكالًا آخر، متسائلًا: «لن يتنازل عنها لو انتخبه الشعب رئيسًا؟!».

وأوضح أنه إذا انتخب الشعب رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى، فإن الفائز سيكون قادرًا على الاستناد إلى إرادة الناخبين، باعتبار أن الشعب، بعلمه، انتخب رئيسًا مزدوج الجنسية ومنحه ثقته.

وأشار إلى أن الحجة التي قد يطرحها الفائز تتمثل في أن «الشعب يريد رئيسًا يحمل جنسية دولة أخرى»، باعتبار أن الشعب هو مصدر السلطات، وأن إرادته التي عبر عنها في صناديق الانتخاب أعلى وأقوى من أي نص قانوني ومن الأيمان الدستورية، مضيفًا أنه سيجد بكل من يقتنع بذلك من يناصره ويؤيد موقف السيد الرئيس.

حياد المؤسسة العسكرية محل تساؤل

وفيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، قال السريري إنه لا توجد ضمانات لحيادها، مشيرًا إلى أن الاتفاق سمح لها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية كمرشحين وناخبين، إلا في عملية التصويت السري.

ورأى أن هذه المسألة تثير تساؤلًا حول مدى ضمان حياد المؤسسة العسكرية خلال العملية الانتخابية.

نقطة إيجابية تتعلق بالانتخابات الرئاسية

وفي المقابل، أشار السريري إلى أن النقطة الإيجابية تتمثل في التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية وفق القانون رقم 28 لسنة 2023، مع بعض التعديلات المقبولة، كفك الارتباط الذي فرضته عدم الثقة بين الأطراف السياسية المتصارعة، وذلك لضمان إجراء ونجاح كلا الانتخابين التشريعية والرئاسية.

وأضاف أن نقطة التزامن تحتاج هي الأخرى إلى تعديل، معتبرًا أنها عمل فني يخص الأداة التنفيذية للانتخابات، وهي المفوضية العليا للانتخابات، مشيرًا إلى أن رئيس المفوضية صرح في آخر لقاء تلفزيوني بإمكانية ذلك فنيًا.

هل كان بالإمكان إجراء الانتخابات هذا العام؟

وطرح السريري تساؤلًا حول جدوى الاتفاق، قائلًا إنه مادام لدى البعثة والدول الداعمة لعملها المكنة والقدرة على جمع الفرقاء الأقوياء لتوقيع هذا الاتفاق أو فرضه، «أليس الأولى أن كان هذا الاتفاق يقضي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وفق القوانين النافذة وتنهى المراحل الانتقالية، ويكون للبلد رئيس منتخب مباشرة من الشعب وسلطة تشريعية جديدة خلال هذا العام؟».

وأوضح أن ذلك كان ممكنًا مع توفير رقابة دولية تضمن نزاهة الانتخابات وشفافيتها، وتلزم كل الأطراف بنتائجها والاعتراف بمخرجاتها، بما يسمح بـ«طوي صفحة الصراع والفوضى والانقسام»، وأن يكون الشعب مصدر السلطة والرقيب على أعمالها ومسؤولًا عن اختياراته، دون مصادرة حقه في ذلك.

وختم السريري بالقول: «ذاك ممكن وممكن».

اقترح تصحيحاً