وقفة على موجة عاصفة

وقفة على موجة عاصفة

عبدالرحمن شلقم

سياسي ليبي ومندوب ليبيا الأسبق لدى الأمم المتحدة

الغضبُ والصراخ تغريداتُ حياة. في هذه الأيام تعيش أوروبا صحوةً، تقارع فيها دنياها التي هامت فيها طويلاً. رفاهية الاستقرار والأمن والتأمين الصحي، والحد الأدنى للأجور. لكن للأجيال قوة أخرى، تتمرّد على الموروث الذي تراكم منذ سنين. فرنسا بلاد الثورة الأولى، التي اخترقت الأزمنةَ الأولى، وأزالت الملكية، وصنعت روبسبير ونابليون بونابارت.

في فرنسا ثار الشباب الفرنسيون، رفعوا شعار الخروج من متحف أسسه الماضي بعد الحرب العالمية الثانية، وسرى طوفان المد الشبابي الرافض. قرصت أوروبا أذن حيرتها، واستيقظ ما كان في سبات الديمقراطية والرأسمالية. الشيوعية في الشرق الأوروبي، سكون يعد لكنه يعاني القهر والجوع، ويتغنى بحلم ينثر شآبيب الويل الكظيم. الآن فرنسا ترفع صوت غضب قديم. عندما ثار الشباب الفرنسي في مايو (أيار) 1968، التحم به الفيلسوف جان بول سارتر، فصار الغضب ثورة اجتماعية. قدّم الأمن الفرنسي رأياً للرئيس الجنرال شارل ديغول، باعتقال جان بول سارتر، ردَّ الرئيس ديغول غاضباً: هل تطلبون مني أن أعتقل فولتير هذا الزمان؟ في سبعينات القرن الماضي، كان الغضب الشبابي الأوروبي له معامل في الجامعات وفي الشوارع والكتب والصحف، لكن للرؤوس عضلات متفجرة. منظمة الفعل المباشر في فرنسا، «آكسيون ديريكت»، و«بادرماينهوف» في ألمانيا و«بريغاتي روسي» (الألوية الحمراء) في إيطاليا، هزَّت أوروبا التي تقارع المد الشيوعي. الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي، كانت لها ألسنة نيران بيضاء، حطبها المال والعلم والأمن. العمال في أوروبا الغربية الرأسمالية استفادوا من الشيوعية، أكثر مما استفاد منها العمال في الدول الشيوعية، التي كانت تحكم باسم الطبقة العاملة.

الديكتاتورية الشيوعية كانت أبرز تجليات الفلسفة الألمانية، التي أبدعها كارل ماركس، في حقبة ولادة المد الصناعي، وتكدس العمال في المصانع، التي يملكها أصحاب رأس المال، وألف كتابه «رأس المال». لكن آدم سميت الفيلسوف والمفكر الكبير، قدّم كتابه «ثروة الأمم». دخلت أوروبا زمناً آخر. صارت للفلسفة قوة تحرك العقول، وتطرح أسئلةً تشعل فكرَ العوام، وصارت السياسة حادياً للحياة. الصناعة صنعت طبقات جديدة، قضت على ما كان في زمن الإقطاع والقنانة. الاستعمار الأوروبي هيمنَ على البشر والأرض في القارة الأفريقية، بعد مؤتمر برلين سنة 1884 الذي تقاسمت فيه أوروبا البلدان الأفريقية. قامت إمبراطوريات أوروبية، وصارت القوة المسلحة، القانون الذي نسخ اتفاقية وستفاليا لسنة 1648، الذي أزاح هيمنة الإمبراطورية الرومانية المسيحية، وأسَّس لقيام الدولة الوطنية.

السؤال الكبير الذي لا مناص من طرحه، على سطور ما يجري في أيامنا، من ثورات تشهدها بلدان أوروبية هو؛ هل المحرك لهيجان الشوارع في مدن أوروبا الكبرى هو احتقان اجتماعي، وضيق اقتصادي وقلق حضاري، فرضه غياب اندماج اجتماعي، أم خلل في التكوين الموروث منذ عقود، لا تجد فيه الأجيال الجديدة مكاناً أو مكانة لها؟ في المجتمعات التي تمنح لشعوبها مساحات لحرية التعبير، تكون الأسئلة الحادة علامات مسار تتخلَّق في مسارب الحياة. الأجيال الجديدة، ترى في الموروث متحفاً يتكدَّس فيه ما كان من بقايا الزمان، ولا يصلح لحياة ما يبدعه الصانعون الجدد.

الشيوعية انهارت لأنَّها غالطت الحقائقَ التكوينيةَ في الإنسان، وهي المصلحة الفردية، والرأسمالية منحت القادرين لها ميزات تكسر الكوابحَ الطبيعية. الليبرالية الجديدة صنعت قواعدَ اقتصادية، تحتاج إلى مراجعات تحكمها معاييرُ إنسانية، تتماشى مع ما يستجد في التغيير العالمي، حتى الوطني. الاتحاد الأوروبي فضاء اقتصادي وسياسي، محكوم بمعطيات مركبة، ففي دوله بلدانٌ تتفاوت في قدراتها المالية، ومكوناتها الاجتماعية. هناك إكراهات ضاغطة واقعياً، وأغلب دوله تعاني من شيخوخة اجتماعية، وتتدنى فيها نسبة الولادات، وتحتاج إلى قوة عاملة، تأتي من الخارج، ويصير التفاعل مع القول القديم، لا أبغيك ولا أصبر عليك، حقيقة يفرضها الواقع. العولمة صارت حلقةً إنسانية، متعددة المفاعيل والتجليات. في هذا القرن الساخن المثقل بالأحلام والمخاوف، ترتفع فيه الأصوات المنذرة بالثبور، والتهديد بحروب، لا نعرف مدى أهوالها، يصرخ الجائعون، ويرتعش الخائفون، ويُقتل الضعفاء وتستباح أراضيهم، ومن يمتلك القوة الجبَّارة تحطَّ غشاوة الغرور على رؤوسهم. الضعفاء لا سوط لهم إلا الصوت المعاند. العنف لا ينتزع الحقوق، والتهميش لا يصبُّ تراب الصمت في بطون الجياع، لا مناص من مراجعات تأسيسية في المنظومات الوطنية الاقتصادية والسياسية.

الفوارق الطبقية كانت موجودةً على مرّ السنين، لكنَّها لم تكن تُرى ويحسّ بها الجميع، لكنَّها اليوم لها نتوءات توخز كلَّ من له حواس. بعد ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968، جرت دراسة واسعة في فرنسا وأوروبا، لدراسة ما حدث، واتخذت إجراءات علمية وعملية، لمواجهة ذلك، وهناك حاجة اليوم، لوقفة عاقلة وعلمية، تجترح الحلول الموضوعية.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

عبدالرحمن شلقم

سياسي ليبي ومندوب ليبيا الأسبق لدى الأمم المتحدة