انقــاذ من؟

بقلم:

شـعار مسيرات الجمعة، كان ذكيا وجذابا، وحرك عـواطف الناس، وقاد إلى حسم موضوع التواجد المسلح في شوارع المدينة الذي ظل شائكا ومعلقا لشـهور ..!

أخبرتني ابنتي ظهيرة السبت أن زميلها في الكلية قال لها ضاحكا .. إذن، أبوك من أنصار الشريعة؟ لأنه رآني واقفا عند تجمعـهم .. وفعلا ذهبت إلى ساحة الكيش لحضور وصول مسيرة شباب جمعة إنـقـــاذ بنغازي لأنني كنت ولا زلت مع انقــاذ مـدينــتـنا البطلــة .. إنقـاذها ليس فقط من السلاح العشوائي ، بل أيضا من الفسـاد والنهب والإهـمــال !

وفي ذلك المساء المهرجــاني .. توقفت لأسمع كلمات شباب أنصار الشريعة .. ولا أخفي اعجابي بمثاليــتهم، ونقاوتهم .. رغم أنني أختلف معهم بدأ من حرف الألف .. فكلنا أنصار الشريعة، ما دمنا مسلمين .. فلماذا يصرون على تحويل هذه البديـهــية إلى شــعار ســياسي ؟

في مساء الجمعة، اتصل بي فـرج .. ســجين سياسي ســابق وأحد ثـوار فبراير.. بمثابة ابني .. جاء .. دخل الحمام، وصلى وشرب كأسا من البرتـقـــال  .. لكنني أحسست أنه يبحث عن كلمات مواساة تـخـفـف من حيرتـه ؟ لقد خرج من السجن ليلتحق بصفوف الثوار في اجدابيا والبريقة .. وهناك فـقـد صديقه، خالد، ورفيق رحلة السجن.  وحين جـاءني كان مشغولا باتصالاته مع بقية أصدقائه في معسكرات الثوار.

لم نناقش مدى صحة ما كان يحدث ..  لكنني أسـتطيع أن أخمن طبيعة الأسئلة  التي كانت تلح على ذهنه : ما الذي حدث؟ كيف يصبح مطاردا اليوم؟ هل هؤلاء الشباب الذين اقتحموا كتيبته أكثر وطنية منه؟

لقد  نجحـت بنغازي في إخــلاء  مقرات الكتائب أو المليشيات، التي تشــبـثـوا هـم بها دون مـبــرر.  ونعم لنا الحق في أن نعلن تبرمنا وغـضبنا .. من التجاوزات، ومن تضخم أعداد من انـضووا تحت لافتة “الثوار” ، ومن تـغـوّل بعض القـيادات. ومن حـق الليبيــين أن يقلقوا على معاشـهم وعلى مستقبل أبنائهم .. وأن يعترضوا على مقتل ســفير لما قد يجـره ذلك على البلاد من كوارث.

كان لابد أن يعود الثوار إلى سابق أعمالهم وحياتهم. لكنهم تلكؤا. وكان إخلاء مختلف المباني والمواقع، من مهام الدولة ، لكنها انتظرت ، حتى بادر البعض بتنظيم مسيرة الجمعة، أو لعل الدولة كانت وراء ذلك .. ربما تحت ضغـوط شتى. لك أن تطلق عنانك لمختلف السـيناريوات، وتخمن من أوحى ومن نظــّـم، ومن أنجـز؟

لكن المطالب مشروعة وملحة، بدءا من إلغاء المظاهر المسلحة في شوارعنا، وإلى إعادة بناء الجيش والشرطة النظامية. إذ لا قضاء فعال ولا إدارة ناجـعـة ولا اقتصاد نشط ولا استقرار ولا ازدهار في غياب القانون. لا يختلف على ذلك اثـنــان.

وقد تم ما تم بقدر كبير من السلاسة والسلامة. وتلك نقـطة ايجابية. ومع ذلك لا يجب أن نخدع أنفسنا، فـقـد رافق ” اقـتحـام” معسكرات الكتائب كثير من النهب.. وسقط قتلى وجرحى.

ما يهمّـني هو النتائج البعيدة. وعلينا أولا أن نـســتبـعد توصيفات النصر والهزيمة. ولا يجب أن نزرع مشاعر الغبن أو نكران جميل أولئك الثوار وتضحياتهم في سبيل إسـقاط النظام السابق. وعلينا أن نسـعى إلى انصهار الثوار في الحياة اليومية وتلبية طموحــاتهم. كما يجب أن نشجع على تحول هذه الولاءات الأخـوية والكفاحية والفكرية بين الثوار، إلى حركات سياسية ، وأحزاب، وجمعيات.

وعلينا ألا نخدع أنفسنا بأن استبعاد مظاهر السلاح من شوارعنا، سيعني اختفاء السلاح من المجتمع. فالسلاح العشوائي مازال موجودا وفي أيد غير منضبطة أو مسئولة، وبالتالي ما يزال مصدر خطر.

وعلينا أن نسـمع أيضا صوت من رفضوا المشاركة، ورأوا أن أولوية الاحتجاج  أن يوجهوا غضبهم ويهتـفـوا ضــد استشراء الفساد والفشل المحزن للدولة. ولهذا علي الحكـومـة الجـديدة أن تـسـارع في تنـفـيـذ برامج إعادة إعـمار ليبيا، والمصالحة الوطنية، وتأمين حدودنا، وإنعاش الاقتصاد .. وانجاز المساكن وتوفير القروض لكي نـزرع الأمل في أفق شـبابنا.. ونقتلع أحاسيس الغضب والرغبة في الانتـقـــام.

نحن بحاجة ليس فقط لإنقــاذ الاقتصــاد، بل وإلى إنقاذ المصـالحة الوطنية، وإنـقــاذ مســتــقـبل ليـبــــيا.

بنـغـازي، 23 / 9 / 2012

د. محمد المفتي

الكاتب:

طبيب وناشط سياسي مستقل، ومؤلف في التاريخ الاجتماعي الليبي.

عدد المقالات المنشورة: 3.