أخلاق وصفات الدبلوماسي الناجح

بقلم:

تحرص الدول المتقدمة والمتطورة في العالم على أن يكون رجال دبلوماسيتها من صفوة المجتمع خلقاً ومظهراً وعلماً وكفاءة لأنهم هم المعبرين عن الدولة وعن حضارتها وعلومها ودينها .

وقد سبقت أمتنا الإسلامية الكثير من الأمم في اشتراط صفات معينة للدبلوماسي أو المبعوث فكان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يرسل أفضل الصحابة ممن تتوفر فيهم صفات معينة كالحكمة واللباقة وحسن المظهر والذكاء وسعة الإطلاع وغيرها من الصفات .

ولقد اهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بالدبلوماسية فأرسلوا مبعوثين كثيرين إلى مختلف الأمم والشعوب والأمراء والحكام لتعريفهم بالدين الجديد وقد تمثلت في أولئك السفراء والمبعوثين كل الصفات المطلوبة التي تحرص الدول اليوم على أن تكون في سفرائها ومبعوثيها من أخلاق عظيمة ووجاهة ومكانة مرموقة وحسن وجمال بالإضافة إلى التمكن من أداء الوظيفة ، وكذلك الحكمة واللباقة والذكاء وحسن التصرف فقد أرسلت الأمة الإسلامية كثير من السفراء والمبعوثين نذكر منهم :

· سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين كانوا خير معبر عن الأمة في دينها وحضارتها .
· السفراء الذين أتوا من بعدهم من مختلف العصور .
كعامر الشعبي وهبيرة بن المشمرج ونصر بن الأزهر والغزال وأبن فضلان والإمام الباقلاني والإمام أبن تيمية وأبن خلدون وأبن بطوطة الذي أرسله ملك الهند سفيراً إلى إمبراطور الصين لأنه كان عالماً وفقيهاً وغيرهم كثير من سفراء عظام فكانت سيرهم وقصصهم ناصعة البياض غريبة عجيبة ، تنير الطريق للسالك ، وتمحو الظلام الحالك ، فلا غرابة أن تكون قصصهم تروى وتحكى لأولادنا ، وتدرس في جامعاتنا ومعاهدنا ، ولكن للأسف نحن أمة نسيت تاريخها العظيم ، ولذلك لم يكن لها حاضر ولا مستقبل إلا إذا رجعت إلى تلك المبادئ العظيمة وسارت عليها .

لقد أرسل عمر بن عبد العزيز ( 61 ـ 101 هـ / 681 ـ 720 م ) سفيراً إلى إمبراطور الدولة البيزنطية فرأى السفير رجلاً مسلماً أسيراً عندهم فرجع إلى عمر بن عبد العزيز وأخبره خبر الرجل فكتب عمر إلى إمبراطور الروم قائلاً له ( لقد بلغني أنك أسرت مسلماً كتب الله له العزة والكرامة فإذا بلغك كتابي هذا فخلي سبيله وإلا أتيتك بجند أولهم عندك وأخرهم عندي ) فهذا رجل واحد تتحرك بسببه الجيوش الإسلامية لأنه من أمه عظيمة أمه محمد ، ولم يسع ملك الروم إلا أن استجاب وأطلق الأسير المسلم ، فيا أخي القارئ الكريم أنظر إلى تلك العزة والكرامة والقوة ، وهل يستطيع أحد من حكام أمتنا اليوم أن يكتب ذلك إلى أحد حكام الدول الكبرى .

إن الدبلوماسيين والمبعوثين والسفارات هي واجهة الدولة وهي العلامة والدلالة على عزتها وشموخها ورفعتها وكرامتها أو تخلفها وانحطاطها ، ونرى اليوم دول الغرب بعد أن تقدمت وتطورت تهتم بالدبلوماسية وبسفاراتها في الخارج ومبعوثيها الدبلوماسيين لأن الدبلوماسية تمثل عزة وهيبة وكرامة الدولة فالدبلوماسي في دول الغرب له سلطة حتى على رجل المخابرات لأنه يمثل الدولة ويتكلم بلسان حالها .

لقد تجاوز الغرب كل المصائب والمآسي التي عندنا اليوم فلا يوجد عندهم وساطة ولا محسوبية أو قرابة وإنما المعيار الصحيح في العمل والاختيار هو الكفاءة ، والقانون يطبق على الجميع ، والتكريم والتشجيع يشمل الجميع ، لقد شاهدت مرة على شاشات التلفزيون أن أحد الدبلوماسيين الكبار بأحدى الدول الغربية كان مسافراً وهو يحمل حقيبة ملابسة بنفسه بكل تواضع بعكس ما يحدث في بلداننا المتخلفة عندما يسافر أحد المسؤولين يصحبه جيش جرار من الخدم والمتعاونين معه يحملون حقائبه ، ولا يسمحون لأحد بالاقتراب منه ، ويقدمون له الخدمات حلالها وحرامها .

يحكي عن أحد الوزراء وهو ( دبلوماسي مقرب من النظام الحاكم ) قبل ثورات الربيع العربي وبطانة السوء المحيطة به ( أولئك الحقراء المفسدين الذين أفسدوا البلاد وظلموا العباد ) أنهم عندما يدخلون عليه البريد للتوقيع وبه إجراء لشخص معين ، وهم يريدون الوزير لا يوقع لذلك الشخص فيتهامسون ويتغامزون بحضرة الوزير ويقولون لبعضهم : الله فلان عنده ثلاث أو أربع مزارع وفلان عنده أملاك وفيلات وفلان عنده سيارات والوزير يسمع كلامهم فيغضب على الرجل ويرتفع له الضغط والسكر وربما يمزق الإجراء ( الأوراق ) ، أو يرميها من أمامه .

وإذا أرادوا مساعدة وخدمة ذلك الشخص فيتهامسون ويتغامزون في حضره ذلك الوزير فيقولون لبعضهم : الله فلان مريض فلان فقير مسكين فلان ما عنده شيء الله ، وكلامهم بطبيعة الحال كله كذب في كذب ، فيرق قلب الوزير ويوقع الإجراء لذلك الموظف المسكين ، وهكذا تمشي الأمور

إن الدبلوماسية هي انعكاس للنظام الحاكم وللدولة ولثقافتها وسيادة القانون بها ولمعارفها وعلومها فإذا كانت الدولة دولة القوة والعزة والمنعة والكرامة والقانون تجد دبلوماسيتها معبرة عن ذلك ، وإذا كانت الدولة ضعيفة كانت دبلوماسيتها ضعيفة هشة .

وحتى في المؤتمرات والاجتماعات والندوات تجد الدبلوماسي الأجنبي مهتماً بتدوين ملاحظاته بشكل جيد ، ولديه خبرة ودراية بالملف ، وعندما ينتهي الاجتماع تجده إما مهتماً بالكتابة أو مشغولاً على الحاسوب والإنترنت بعكس الدبلوماسي في بلاد العرب حيث تجده يلتفت يميناً ويساراً وينظر إلى ساعته لأنه يريد انتهاء الاجتماع ، ولما ينتهي ذلك الاجتماع يسارع إلى مائدة الطعام ، ولا يهتم بتدوين ملاحظاته لأنه ربما حضر عن طريق الوساطة والمحسوبية أو لأنه غير متخصص بالموضوع أصلاً كأن يكون الاجتماع عن الطاقة الذرية وهو متخصص في الزراعة هذا إذا كان له تخصص أصلاً .

والمقصد من كلامي السابق أن المدخلات كانت خاطئة منذ البداية فإذا لم تهتم الدولة بإعداد كوادر جيدة من دبلوماسييها ، وتختارهم بدقة وبشروط قاسية كانت النتيجة كما ذكرنا سابقاً الفشل والإهمال والضياع والخراب .

إن الشدة مطلوبة من أجل إصلاح الدولة يحكي لي أحد الأساتذة الأفاضل أن إحدى الدول عملت امتحان للمتقدمين بالعمل في وزارة خارجيتها ، وكانوا بالمئات ومن عائلات لها مكانة اجتماعية أبناء ضباط وسفراء سابقين ورجال أمن ، ولكن النتيجة كانت صفر لم ينجح أحد .

والسبب هو أن الدبلوماسية يجب أن لا يدخلها إلا المؤهل تأهيل جيد ، لأنها وظيفة راقية لها مكانتها في أي مجتمع ، تحرص كل الدول على أن يدخلها ممن تتوفر فيه مؤهلات وكفاءات وصفات معينة .

وكدلالة على قوة الدبلوماسية الإسلامية وحسن اختيار السفراء والمبعوثين أنظروا إلى قصة السفير عامر الشعبي ، وما حدث له عند ملك الروم .

قصة السفير عامر الشعبي ( 21 ـ 104 هـ / 642 ـ 722 م ) :

هو عامر بن شراحيل الشعبي أدرك ( 500 ) من الصحابة الكرام وتعلم على أيديهم من بينهم علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن العباس والسيدة عائشة رضى الله عنهم أجمعين ، وهو بذلك يعتبر من التابعين ، وتكاد معظم المصادر تجمع على أنه كان فريد عصره في مختلف العلوم .

اشتهر بقوة الذاكرة والحفظ والاهتمام بتحصيل العلوم حيث يقول عن نفسه ” أقل شيء تعلمته الشعر ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته ” ، ولما حكم عبد الملك بن مروان ( 65 ـ 86 هـ / 685 ـ 705 م ) كتب إلى الحجاج بن يوسف ( 40 ـ 95 هـ / 660 ـ 714 م ) عامله على العراق ( أبعث إليَّ رجلاً يصلح للدنيا وللدين أتخذه نديماً أو جليساً ) فأرسل له الحجاج عامر الشعبي فكان من خاصة عبد الملك بن مروان ، وجعل يشاوره في المعضلات وهي المسائل الشديدة والصعبة والمشكلة التي لا يهتدى لحلها لأن الحكام المسلمين في ذلك الزمان كانوا يستشيرون في العلماء والحكماء ويأخذون برأيهم ، وهكذا تتقدم الدول .

أرسل عبد الملك عامر الشعبي سفيراً ومبعوثاً إلى إمبراطور الروم الدولة البيزنطية فلما دخل عليه وتحدث معه أعجب به ملك الروم أشد الإعجاب ، لأنه كان فريد عصره في كل العلوم ، وحسد به عبد الملك والمسلمين أجمعين إذ كيف يوجد رجل مثله بينهم ، وسأله ملك الروم : أأنت من بيت الملك ؟ فقال الشعبي : لا .

ودبر له ملك الروم مكيدة للتخلص منه وقتله حيث كتب له رسالة رداً على رسالة عبد الملك فلما رجع الشعبي ودخل على عبد الملك وسلمه الرسالة قال له : أعلمت ما في رسالة ملك الروم فقال الشعبي : لا ، فقال عبد الملك : ( فيها عجبت من العرب كيف ملكت غير هذا ) أتدري لما كتب إليَّ بهذا ؟ فقال الشعبي : لا ، فقال عبد الملك : حسدني بك فأراد أن يغريني بقتلك ، فقال الشعبي : لو كان رآك يا أمير المؤمنين ما استكثرني فبلغ ذلك ملك الروم فقال : لله أبوه ، والله ما أردت إلا ذاك .

تبين لنا القصة السابقة المكانة الرفيعة التي كان عليها عامر الشعبي والخليفة عبد الملك بن مروان ، كما تبين أيضاً ذكاء وفطنة عبد الملك وعدم حسده للشعبي وتفطنه للمكيدة التي عملها ملك الروم لكي يدخل الحقد والحسد في قلبه على سفيره الشعبي فيقتله ويتخلص منه لأنه ربما ينافسه في الرئاسة والملك .

إنها قصة عظيمة تبين لنا الصدق والشفافية التي نفتقدها اليوم ، وبعد أولئك الناس عن الحسد والحقد ، وتبين لنا حسن الاختيار والكفاءة ، ولو وجدت هذه القصة في مجتمعات الغرب لدرسوها لأبنائهم واعتزوا وفخروا بها أمام شعوب الأرض الأخرى .

كانوا ليوثاً لا يرام حماهم ……………………. في كل ملحمة وكل هياج

فأنظر إلى أثارهم تلقى لهم ……………………… علماً بكل ثنية وفجاج

ولله في خلقه شؤون ……………

محمود المعلول

الكاتب:

كاتب وباحث ليبي

عدد المقالات المنشورة: 11.