أوراق الربيع (1).. الثورة والشرارة الفكرية

بقلم:

article1-1_14-9-2016

من أهم الظواهر في الثورات العظيمة التي غيرت وجه التاريخ البشري تلك الشرارة الفكرية الممهِّدة للثورة، والمصاحبة لها في مسارها. فلا تكون ثورةٌ ذاتُ شأن من غير شرارة فكرية تشعلها في البداية، ثم تكون دليلَها في مسارها، وأفقَها إلى المستقبل.

كانت أفكار الفيلسوف السياسي الإنكليزي جون لوك (1632-1704) هي الشرارة الفكرية للثورة الإنكليزية عام 1688. وحينما قرر لوك أن يقتحم أرضية جديدة في القيم السياسية، وأن يقدِّم لبني وطنه مسارا لخروج من أزمتهم السياسية التي أنتجت حربا أهلية طاحنة لأكثر من أربعة عقود (1642-1688) بدأ عمله بتجريد الاستبداد من الشرعية الدينية والتاريخية، ثم صاغ القيم السياسية التي تحقق العدل والحرية.

من غير خميرة فكرية وأخلاقية ناضجة لا تنجح الثورة أصلا، بل تتحول إلى حرب عدمية، وإن هي نجحت في معركة الهدم، فإنها تفشل في معركة البناء

جعل لوك الرسالة الأولى من رسالتيه العظيمتين بعنوان: “في بعض المبادئ الفاسدة في الحكم” فرد فيها رداًّ مُفحما على معاصره روبرت فيلمر (1589-1653) في قوله بنظرية التفويض الإلهي، التي تجعل شرعية الملوك مستمدة من الخالق لا من الخلق.

وبعد أن مهَّد لوك الأرض في رسالته الأولى بهدم الأساس الأخلاقي للاستبداد في ثقافة قومه، قدَّم فكرة العقد الاجتماعي المبني على الحقوق الطبيعية، في رسالته الثانية التي جعل عنوانها: “في نشأة الحكم المدني الصحيح ومداه وغايته.” وبرهن على أن التعاقد والتراضي الاجتماعي هو المصدر الوحيد للشرعية السياسية.

وفي فرنسا شهدت العقود الأربعة السابقة على الثورة ظهور كتابات تأسيسية لنظرية العقد الاجتماعي وحكم القانون صاغها فلاسفة فرنسيون. منها كتاب “روح الشرائع” لمونتسكيو الصادر عام 1748، وكتاب “روح الأمم” لفولتير الصادر عام 1757، وكتاب “في العقد الاجتماعي” لجان جاك روسو الصادر عام 1762.

وقد لاحظ مؤرخ الثورة الفرنسية ألبير سوبول أن “جميع المؤلفات الكبرى في القرن الثامن عشر مخصصة لمشاكل الحرية، وكانت المظاهر الأساسية لنشاط الفلاسفة -وبالأخص فولتير- الحرب في سبيل التسامح وحرية العبادة، وكانت معضلة المساواة أكثر الأمور أخذا وردا” (ألبير سوبول، تاريخ الثورة الفرنسية، 59). وهذه هي الخميرة الفكرية التي ولدت منها الثورة الفرنسية.

ومن غير خميرة فكرية وأخلاقية ناضجة لا تنجح الثورة أصلا، بل تتحول إلى حرب عدمية، وإن هي نجحت في معركة الهدم، فإنها تفشل في معركة البناء، فتضيع تضحيات الشعوب هدراً. ولعل تعثُّر الثورة الفرنسية، والآلام الطويلة التي مرت بها فرنسا بعد الثورة لمدة ثمانية عقود (1789-1870) قبل أن تستقر دولةً ديمقراطية على مبادئ ثورتها، إنما يرجع إلى عدم نضج الخميرة الفكرية التي انبنت عليها الثورة الفرنسية.

فقد امتلك الفرنسيون من الشرارة الفكرية والأخلاقية ما يكفي لإشعال الثورة، لكنهم لم يمتلكوا منها ما يكفي دليلا للثورة في مسارها، وعاصما لها من الانزلاق إلى استنزاف الذات والحرب الأهلية العدمية.

وقد لاحظ الفليسوف الجزائري مالك بن نبي -وهو يتأمل عبرة الثورة الفرنسية ويستخلص دروسها لحرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي- أن الثورة الفرنسية امتلكت شيئا من الزاد الفكري “في صورة مقدمات وجدَتْها في أفكار جان جاك روسو والعلماء الموسوعيين.

فكان لهذه الحركة ما يدعمها حتى تحقق لها النجاح يوم 14 تموز (يوليو) عام 1789. لكن عبورها إلى مرحلة ما بعد الثورة كان فيه خلل… ولقد انتهى بها المطاف بين أيدي نابليون الذي صنع منها.. قضية شخصية تحت لواء الإمبراطورية.” (مالك بن نبي، بين الرشاد والتيه، 14).

ولو أننا قارنا ذلك بالثورة الأميركية لوجدنا الفرق هائلا، فما لم يتحقق في فرنسا إلا في ثمانين عاما، تحقق في أميركا خلال ثمانية أعوام فقط من عمر الثورة الأميركية (1776-1884). والسبب هو أن قادة الثورة الأميركية كانوا أنضج فكريا وأخلاقيا من قادة الثورة الفرنسية، وأنهم حولوا الخميرة الفكرية التي ورثوها من فلاسفة السياسة الأوربيين، ومن عبرة تاريخ الجمهوريات اليونانية والرومانية، إلى مبادئ عملية، وصيغ إجرائية، تجلَّت في وثيقة “إعلان الاستقلال” وفي “الدستور الأميركي”.

المؤسف أنه لا يوجد في تراثنا فكرٌ لصناعة الثورات، وإنما فقهٌ للتحذير من الفتن. ولذلك يتعين على أهل الرأي والقلم اليوم أن يسدُّوا هذه الثغرة

والمتأمل في “الأوراق الفيدرالية”، وهي 85 مقالا كتبها ثلاثة من قادة الثورة الأميركيين (جيمس ماديسون، وألكساندر هاملتون، وجونْ جَيْ) ما بين العامين 1787-1788 لإقناع الجمهور الأميركي بمسودة أول دستور أميركي، يجد عمقا في الطرح، وقدرة على ترجمة عبرة التاريخ اليوناني والروماني، وأفكار الأنوار الأوربية، إلى مؤسسات سياسية في دولة ديمقراطية حديثة. وقد تحولت هذه الأوراق إلى نصوص تأسيسية في الفلسفة السياسية بكثير من الجامعات اليوم، بفضل ما اشتملت عليه من عمق الفكرة ونفاذ البصيرة.

إن انبلاج فجر ثورات الربيع العربي في ختام العام 2010 لم يصحبه بناء أفق نظري يكون زاداً للشعوب في ملحمتها، وضامناً لعدم وأْد جهدها وجهادها السياسي. ويستلزم بناء هذا الأفق النظري تأملاً عميقا في تاريخ الثورات ومآلاتها، وفهم المنطق الداخلي وقوانين الاجتماع المتحكمة فيها، واستيعاب العبرة التي توفرها التجربة التاريخية، وهضم الحصاد الفكري الذي أبدعته العقول الإنسانية في هذا المضمار.

والمؤسف أنه لا يوجد في تراثنا فكرٌ لصناعة الثورات، وإنما فقهٌ للتحذير من الفتن. ولذلك يتعين على أهل الرأي والقلم اليوم أن يسدُّوا هذه الثغرة، وينيروا الدرب للسائرين على درب العدل والحرية. وتأتي هذه الصفحة من مدونات الجزيرة بعنوان “أوراق الربيع” لتكون إسهاما في هذه المهمة العاجلة. فأهلا وسهلا بكم مع “أوراق الربيع”.

نُشر هذا المقال بالتفاهم مع الكاتب
محمد الشنقيطي

الكاتب:

أستاذ الأخلاق السياسية وتاريخ الأديان بجامعة حمَد بن خليفة في قطر

عدد المقالات المنشورة: 4.

تعليقات حول الموضوع

تعليق واحد
  1. 1- بواسطة: اميس انتمورا 2016/09/19

    عزيزي دكتور محمد، اود فقط ان اشكرك على هذا المقال الجيد، واعلم ان في جعبتك الكثير من هذه الاطروحات والدراسات المجدية والمجزية. اسمح لي ان اشارك به في موقعي على الفيس.

تعليق واحد