صناعة الخوف

بقلم:

 

article1-1_11-10-2016

زرع الخوف سياسة أصيلة متوارثة عند كل الدكتاتوريات قديما وحديثاً، بداية من ملوك الفراعنة إلى يومنا الحالي. زرع الخوف يهدف إلى فرض الطاعة العمياء للسلطة، وقد يكون ذلك ضمن إتفاق ضمني غير معلن كما في دول الخليج، بحيث تقوم السلطة بامتلاك وسائل القوة والتحكم، مقابل توفير حياة مادية مناسبة للرعية، أي تنازل الرعية عن حقوقها المدنية مقابل احتياجاتها المادية، وقد يكون دون مقابل مجزي سوى تحقيق الامن الذي هو جزء من منظومة المحافظة على النظام، وليس له علاقة بالمواطن، كما في الحكومات الشمولية العربية.

التعامل مع الجريمة والإرهاب وتحقيق الأمن في ظل الحكم الشمولي عملية بسيطة وسهلة، وذلك أن السلطة العسكرية تقوم برص صفوفها وكوادرها وأموالها المنهوبة وإذاعاتها لتصفية الخصم دون الاعتراف بحقوق أو باختلافات عقائدية أو فئوية؛ فمثلا القيام بعملية زج العشرات أو المئات من المواطنين المتهمين في السجون دون محاكمة، ورمي بعضا من جتثهم في المكبات يجعل عشرات الآلاف من المجرمين والقتلة يحجمون عن أفعالهم. أما محاربة الجريمة في ظل المجتمع الديموقراطي فيتطلب إلى معايير كثيرة منها احترام مواثيق حقوق الإنسان واحترام الحريات الخاصة، وفي النهاية المتهم برئ حتى تثبت إدانته.

استمرار سياسة الخوف لعقود طويلة تنتج ثقافة الخوف، وتنتهي معه مبادئ الاحترام، وتفقد الوطنية معناها، فلا احترام لقوانين الدولة ولا القيام بالواجبات نحوها ما دامت سياط السلطة غائبة، ويرافق ذلك  مطالب لا تنتهي، مع ترسيخ لثقافة الغنيمة وكل في مجاله وتبعا لإمكانياته، فعضو مجلس النواب يُسبح ليل مساء لإدامة الفوضى العارمة في البلاد حتى لا تنتهي مدة عمله (صوريا)، وينتهي معه بناء العمارات والسيارات الفارهة والإقامة المستديمة في شرم الشيخ أو أغادير، أما (  أصحاب جنح غير مشرعنة) فما عليه إلا تهريب الوقود وخلع أسلاك الكهرباء من أعمدتها وسرقة السيارات وتوريد الحاويات الفارغة، قد نحتاج إلى عقود طويلة لتصحيح العلل النفسية التي علقت بالجميع.

في فترة الاتحاد السوفيتي السابق، كان هناك متاجر صغيرة مملوكة للأفراد، وكان أصحابها في خوف مريع من السلطة بسبب النقذ لفكرة الملكية، فكانوا يلصقون على متاجرهم مقولات الشيوعية مثل ” يا عمال العالم إتحدوا” هذا الرجل لا يهمه عمال العالم ولا اتحادهم بل كل أمله أن لا يقترب أحد من الساسة إلى متجره، بالمثل وضع الليبيون النسور والصقور على محلاتهم ، وزينوا بيوتهم بصور القذافي ومقولاته لعقود طويلة، والأعلام الخضراء ترفرف عاليا حتى بعد سقوط طرابلس في يد الثوار ليس حباً للقذافي بل إتقاً لشرة وتقربا لزبانيته.

عودة الأجهزة الأمنية السابقة في بعض مدن ليبيا دون إعادة هيكلتها وتأهيلها تبعا للمواثيق والأعراف الدولية المتعارف عليها، ينبئ إلا باستمرار ثقافة الخوف، وغياب الأمل في بناء ثقافة المواطنة، نسمع كثيرا عن اختطاف الشرفاء والنشطاء، والقليل عن كشف واعتقال عصابات الجريمة المسلحة والعابثين من الاستخبارات الجنبية.

فعلى مستوى المواطن العادي الخوف هاجس يومي تغذيه الإشاعات من الإذاعات المأجورة؛ فمثلا الخوف من إنقطاع الكهرباء إلى الخوف من نضوب البنزين وغاز الطهي إلى الخوف من نقص السيولة أو غلاء أسعار البيض، وجميع ذلك يجد له مبرر للوقوف من أجله في طوابير طويلة والتكديس منه ما أمكن ذلك، فبعد الوقوف في طابور طويل، من يفكر أن حاجات أسرته لا تتعدى أربعة أرغفة؟ مشاكل المواطن الليبي تافهة خلقت من رجال تافهين مثل جضران الذي انتهى في لمح البصر، بعد أن أدى دوره وأصبح لا قيمة له، وبعض القرارات القبلية، وثلة من مجلس النواب الذين فقدوا الإحساس وانقطعوا عن الواقع بعد أن أوصلهم الشعب إلى أنهار اللبن والعسل، تلك العاهات لن تنتهي بسهولة ولن يحتفل الشعب بنفوقها، فالثقافة لا يتم تغييرها في بضع سنين، ولذا هناك من سئم الحياة وأصبح نادلا يصدح بالعودة لحكم العسكر بسم مطالب النخبة.

أما الخوف الأكثر أهمية فهو خوف النخبة (التي تعتقد أنها كذلك)، وهو الخوف الممزوج بالنفاق، هذا الخوف يداهن ويلفق ويدلس على نفسه قبل غيره، وإن استطاع أن يجد له مريدون فلا غرابة في ذلك، فالتسعة رهط إتفقوا على عقر ناقة صالح، ونوح لم يؤمن معه إلا قليل، وإبراهيم لم يختلف قومه على القذف به في النار. في العصر الحديث وصل موسيليني وهتلر إلى سدة الحكم بالانتخاب، أي أن صندوق الانتخاب السوي يحتاج إلى شعب على درجة من الوعي، وإلا أنتج قيادات تؤدي بالأمة إلى الهاوية، والشرعية الانتخابية غير المسئولة لا شرعية لها.

البطانة السيئة على مر التاريخ هي أس البلاء، (وبطانة مجلس النواب الليبي دروة سنامها)، ولذلك عرف الغرب كيف يكبح جماحها، وذلك بترسيخ قواعد مؤسسات الدولة، واعتماد الشفافية والحكم الرشيد.  هذه النخبة النفعية الجهوية هي التي أفشلت عمل المؤتمر، وتزعمت مقولة لا للتمديد، وقامت بتهريب مجلس النواب إلى طبرق، وأصدرت أكثر من خمسين قرار بلا إجماع، ودعمت الجضران في قفل الحقول، وجلبت القوات العربية والأجنبية إلى أرض الوطن للاستقواء بها، ووقفت أمام اتفاق الصخيرات والرئاسي دون بديل سياسي لذلك، وبذلك أنهت دور مجلس النواب فعليا لتقوم بتسليم ليبيا للحكم العسكري من جديد، ولم تتورع أن تصدح بذلك على المنابر الإعلامية، فهل الليبيون والجامعة العربية والأمم المتحدة ودول الغرب جميعاً تدخلت في ليبيا لاستبدال حكم انقلابي شمولي مستبد بحكم شمولي مقنع؟.

من أدبيات التاريخ الليبي قصة بن دلفوا الذي كان حاكما جباراً لإحدى قرى الجنوب، هذا الرجل له ناقة سائبة تعتدي كل يوم على مزارع الأهالي، ولا أحد يستطيع أن يعترض، وبعد فترة اتفق أهل القرية أن يجتمعوا مع بن دلفوا لإيقاف الناقة عند حدها، وفي لحظة وصولهم سألهم عن سبب قدومهم إليه، فقال أحدهم “الناقة” فرد بن دلفوا بقوة وعنجهية وماذا تريدون من الناقة، فرد الخائف الرعديد ” نرى أن الناقة تحتاج إلى جمل معها” وتفرق القوم، وبذلك أصبح للقرية جمل وناقة سائبة يعتدون على أملاكهم بعد أن كانت ناقة فقط. هكذا مجلس النواب هرب من مسؤولياته لتضمين الاتفاق في الدستور وإعطاء الشرعية للحكومة ومناقشة بنود الدستور إلى تسليم بنغازي والشرق الليبي والمواني النفطية للأحكام العرفية العسكرية، وبيع النفط الليبي بالجنيه المصري، والبدء في زعزعة الأمن بمدن الغرب الليبي وجنوبه، من أجل صناعة سيسى جديد بين سيسى وسبسي.

رجعت هذه النخبة المطبلة إلى بيوتها في أمن وأمان قريرة العين مما دخل في جيوبها، ولكن مقابل ذلك إجهاض المخاض العسير لبناء الدولة المدنية وهو ما سيسجله التاريخ نكسة ويلعنهم اللاعنون إن نجح مشروع توريث الاستبداد.

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 78.