انتخابات ليبيا

إشكالية تنازع الاختصاصات

إشكالية تنازع الاختصاصات

ا.د. محمد بالروين

أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

لعل من أهم وأخطر الإشكاليات التي تبرز على السطح عند وجود فراغ إداري أو السياسي في أي دولة هي إشكالية تنازع الاختصاصات بين مراكز القوى وصُناع القرار! والمقصود بتنازع الاختصاصات هو “تداخل وتشابك المهام والمسئوليات بين مؤسسات الدولة ومحاولة كل مؤسسة انتزاع ما تعتقد انه من حقها والهروب من مسؤولياتها”.

والحديث على الاختصاصات يعني الحديث عن جوهر الإدارة وآليات اتخاذ القرار، وأن تحديدها وتعريفها التعريف الواضح والدقيق يقود إلى: (1) تحديد من هو متخذ القرار، (2) عدم استطاعة مُتخد القرار التهرب من مسؤولياته، (3) إمكانية مساءلة ومحاسبة المخالفين ومحاربة الفساد، و(4) ضمان نجاح المؤسسة وتسهيل مهامها المستقبلية.

أنواع الاختصاصات

يمكن القول إن الاختصاصات هي المحرك الرئيس لأي قرار في مؤسسات الدولة، وهذا يتطلب من كل مؤسسة تعريف وتحديد نوع المهام المطلوب إنجازها واتخاذ القرارات تبعاً لكل مستوى وظيفي من مستوياتها.

ومن هذا الفهم يمكن تقسيم الاختصاصات إلى خمس أنواع رئيسية هي:

أولا: الحصرية

وهي الاختصاصات التي يُحددها دستور أو قانون دولة ما. وهذا يعني حصر وتحديد وتعريف وتوزيع المهام التي يجب أن يقوم بها كل مستوى من مستويات نظام الحكم السياسي.

ثانيا: المُقيدة (أو المشروطة)

يقصد بهذه الاختصاصات أنَّ المسؤول يكون ملزما بما يضعه له القانون من شروط وضوابط لاتخاذ قرار معين او القيام بعمل ما، وفي هذا الوضع لا يمتلك المسؤول إلاَّ صلاحية التثبت من توفر هذه الشروط والضوابط وتنفيدها. بمعنى آخر، أن القانون يفرض على المسؤول آليات وأساليب محددة لاتخاذ قراراته، ولا يترك له حرية التقدير، ويشترط عليه استيفاء الشروط التي نص عليها القانون، وأحيانا لا يكون للمسؤول الحرية في الامتناع عن اتخاذ القرار أو اتخاذ قرار آخر.

ثالثا: المشتركة

وهي الاختصاصات المتاحة لكل الجهات او المستويات الحكومية المختلفة في الدولة. وهذا النوع من الاختصاصات يوجد بكثرة في الانظمة الامركزية للحكم وخصوصا الانظمة الاتحادية. فعلي سبيل المثال, تجد الحكومة المركزية لها حق فرض الضرائب، وفي نفس الوقت, يعطي الدستور نفس الحق للحكومات الاقليمية والمحلية، ومن جهة أخرى، ينص دستور العديد من الدول على أن تكون السلطات المتعلقة باعتماد الميزانية أو إعلان الحرب مشتركة بين السلطتين التنفيدية والتشريعية.

رابعا: التقديرية

بمعنى إلى جانب الاختصاصات الحصرية والمقيدة والمشتركة للسلطات هناك اختصاصات تقديرية أيضا، إذ لا تخلو أغلب القرارات في إصدارها من عنصر التقدير. وفي هذه المهام  يُعطي للمسؤولين حرية اتخاذ إجراءات قانونية في الأحوال التي لا يفرض عليهم النظام قيود مُسبقة، بشرط أن يكون للسلطات الرقابية والقضائية حق المراقبة والمساءلة القانونية لهذه القرارات والتصرفات الصادرة عن المسؤولين. وبمعني أخر, ان المهام التقديرية هي سلطات تُترك للمسؤولين خلال تنفيد اعمالهم, وتسمح لهم باتخاذ أية إجراءات أخرى يرونها مناسبة بشرط إلا تتعارض مع النص الصريح للقانون، وهي مهام يتمتع بها المسؤولين في حال غياب نص قانوني واضح وصريح يعالج قضية ما، سواءً في الظروف الاعتيادية أو الاستثنائية.

وهنا يجب التذكير بإن الإدارة، من حيث المبدأ، لا معنى لها دون وجود مهام تقديرية، إلا أن الخطورة في غياب النص القانوني للحالات المستجدة والطارئة قد يُتيح فرص للمصالح الشخصية على حساب المصلح العامة، وعليه فلابد أن تكون المهام التقديرية خاضعة دائما للشفافية والرقابة والمحاسبة.

الخامسة: الممنوعة (أو المحظورة)

وهي الاختصاصات التي يُمنع على المؤسسات أو المسؤولين مزاولتها. وعليه فلابد أن يحصر ويُعرف الدستور أو القوانين الأساسية للدولة هذه المهام التي يُمنع القيام بها. فعلى سبيل المثال، تمنع دساتير الدول الحديثة، السلطات المحلية والإقليمية من تأسيس جيوش أو قوات مسلحة، لأن ذلك من الاختصاصات الحصرية للسلطات المركزية، ولا يجوز لأي وحدة محلية أن تعقد أية معاهدة، أو أن تدخل في أي حلف أو اتحاد أو شراكة، مع أي دولة أخرى إلا وفق ما تنص عليه قوانين الدولة، ولا يجوز ايضا لأي وحدة محلية أن تصك عُملة أو تصدر سندات حكومية، أو تعتمد أي أوراق نقدية خلاف العملة المعتمدة من الدولة.

مبادئ إدارية

في اعتقادي لكي يتم حصر وتعريف وتحديد الاختصاصات المطلوبة لمؤسسات الدولة وتوزيعها التوزيع المناسب وبالأسلوب العلمي، لابد أن تنطلق هذه الاختصاصات من مجموعة مبادئ إدارية أساسية ومطلوبة لعل من أهمها:

1. مبدأ تقسيم العمل 

بمعنى لابد من تجميع الوظائف والمهام المتشابة والمرتبطة مع بعضها البعض على أسس المعرفة والتخصص والكفاءة والمقدرة.

2. مبدأ وحدة القيادة 

بمعنى لابد أن يكون لكل مسؤول رئيس واحد يتلقى منه الأوامر والتوجيهات, ويرفع له التقارير والاقترحات, ويكون هو المشرف الوحيد على أعماله. ولكي يتحقق هذا مبدأ, لا يجوز السماح بتجاوز صلاحيات المسؤول الأعلى من قبل الأدنى, لان ذلك يُسبب خلل خطير في النظام المؤسسي، ويُولّد الفوضى والارباك، ويقود الي التصادم والمشاحنات بين المسؤولين.

3. مبدأ السلطة والمسؤولية

بمعني لابد أن يدرك كل المسؤولين في الدولة الارتباط الضروري والوثيق بين السلطة والمسؤولية، وهذا يعني أن ممارسة المهام يقترن دائماً بتحمّل المسؤولية، وإن عدم اقتران ممارسة المهام بتحمّل المسؤولية يقود إلى صعوبة تحديد من هو المُقصّر والمُخطئ بشكل واضح عند ظهور فشل أو خلل ما في مراحل العمل التي تظهر فيها إشكالية تنازع الاختصاصات.

4. مبدأ الفصل بين المهام

هذا يعني، في المجال السياسي، من جهة الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيدية والقضائية، ومن جهة أخرى الفصل بين السلطات المركزية والسلطات المحلية. ويعني في شركات الأعمال الكبرى، الفصل بين الرئيس التنفيدي والرئيس الإداري للعمليات، بحيث يصبح لكل سلطة من هذه السلطات المسؤولية الكاملة عن جزء من عملها ويتم منحها كل الاختصاصات اللازمة للقيام بالعمل الذي طُلب منها.

5. مبدأ الرقابة والتوازن

لكي يتم تطبيق مبدأ الفصل بين المهام علي اكمل وجه, لابد ان يرافقه مبدأ “الرقابة والتوازن،” بمعني ان يتم توزيع الاختصاصات, في النظام السياسي, بين السلطات الثلاثة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) على نحو لا يسمح لأي منها, من جهة بالانفراد بصنع القرارات, ومن  جهة آخري, الا تكون العلاقة بينهم على اساس الفصل الكامل بينها, وإنما هي علاقة مؤسساتية متمايزة وتتقاسم فيما بينها مهام مشتركة علي اسس التخصص والتكامل والمسئولية.

6. مبدأ الوظائف لا الاشخاص

بمعنى أن يقوم التنظيم الإداري في مؤسسات الدولة على أساس الوظائف وليس الأشخاص الذين يؤدون هذه الوظائف. فالمسؤول يقوم بممارسة أعماله التي مُنحت له بسبب وظيفته، وذلك لأن توزيع الاختصاصات حتما سيفشل إذا تم ارتباطه بالأشخاص وليس بالخطط والبرامج والمشاريع. وعليه فعلى المسؤولين أن يعوا بإن أحد الأسباب الرئيسية لتنازع الاختصاصات حول العديد من القضايا الإدارية والتنموية هو ارتباط هذه الاختصاصات بمصالح الأفراد الذين يقودون مؤسسات الدولة ويتصرفون وكأنهم هم المؤسسة.

7. مبدأ الشفافية

بمعنى الالتزام بالانفتاح والمصداقية عند تواصل المسؤولين مع الآخرين حول الأمور والقضايا المتعلقة بأعمالهم، واستعدادهم للمساءلة والمحاسبة. أن ممارسة هذا المبدأ يقود إلى زيادة ثقة المواطنين في مسؤوليهم، وإظهارهم بأن ليس لديهم ما يخفوه، وأنهم قادرون على القيام بمهامهم. وعليه لكي يكون المسؤول شفافا لابد أن يتحدث بصدق ووضوح وأن يشرح ما يشعر به وما يفكر فيه بأساليب بسيطة واضحة.

الخلاصة

مما ذكرته أعلاه، يمكن القول، إنه من الضروري حصر وتعريف وتحديد اختصاصات كل مؤسسة من مؤسسات الدولة لكي يتم تفادي التنازع والتضارب والازدواجية فى المهام. وذلك لأ، تنازع الاختصاصات يقود دائما إلى صراعات طاحنة، وإلى آثار سلبية، وإلى سهولة التهرب من المسؤولية، ويُؤدي إلى الفوضى، ويشير إلى وجود خلل جوهري في تنظيم وتوزيع الأدوار بين المسؤولين في الدولة. وأن استمرار هذه الإشكالية سيقود حتما إلى فشل العمل المؤسسي وانهيار ركائز الدولة كما هو الوضع السائد هذه الأيام فيما يُعرف بدول الربيع العربي، وخصوصا في بلدي ليبيا للأسف الشديد.

وعليه، فعلى كل النخب التي ترغب في تأسيس دولة مدنية ديمقراطية حقيقية، أن تُدرك بأن الحل الأساسي والضروري لهذه الإشكالية هو الاهتمام بصياغة نصوص دستورية، صياغة تُعرف وتوزع وتُحدد هذه الاختصاصات بشكل بسيط وواضح لا يحتمل التأويل ولا التفسير، وقبل كل هذا، لابد أن تنطلق هذه الاختصاصات من المبادئ الأساسية للإدارة العلمية وخصوصا السبع التي ذكرتها أعلاه.

وفي الختام, يبقي السؤال: هل أدركت النخب التي تتصدر المشهد السياسي هذه الأيام، وبعد عشر سنوات عجاف سادت فيها الفوضى والمحاصصة والطمع والجشع، هذا الدرس المؤلم، وهل هي على استعداد الآن لإصلاح ما يمكن إصلاحه؟!… ادعو الله أن يكون كذلك.

أخيرا لا تنسوا، يا أحباب، أن هذا مجرد رأي اعتقد أنه صواب، فمن أتى براي أحسن منه قبلناه، ومن أتى برأي يختلف عنه احترمناه.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

ا.د. محمد بالروين

أستاذ العلوم السياسية وعضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور

اترك تعليقاً