الأزمة الليبية بعيون الدكتور محمد المفتي

عبد الله الكبير

كاتب صحفي

مقاربة الدكتور محمد المفتي للأزمة الليبية الحالية في محاضرته بالمنتدى الثقافي العربي بلندن خلصت إلى أبرز ملامحها ومنها، تعذر الحل السياسي المؤسس للسلام في ظل انتشار السلاح على نطاق واسع. الدور الخارجي في الأزمة محدود ولكن يجرى تضخيمه لأسباب سياسية. صعود الهويات الجهوية والقبلية والأيديولوجية لن يؤثر على الهوية الليبية الجامعة، فقد ترسخت عبر القرون الماضية في وجدان ما لا يقل عن 95% من الليبيين.
هذه المقاربة التي فصل فيها المحاضر خلال المحاضرة وبعدها في الرد على أسئلة الحضور، لم تخرج من إطار رؤيته كمؤرخ وباحث عميق في التاريخ الاجتماعي والسياسي الليبي منذ بدايات تكون الهوية الليبية وظهور ملامح الكيان الليبي بروافده المتعددة كما سجلها في بعض كتبه مثل “الوطن الذي يسكننا.. هدرزة في بنغازي.. غمق زلة.. الأيام الطرابلسية.. وغيرها من البحوث والمقالات”.
 صحيح أن انتشار السلاح وما يتبعه من تكون الفصائل المسلحة المستعدة لرفعه في وجه كل مالايروق لها، وتحوله إلى تجارة رائجة عبر الحدود يعد معضلة كبيرة، لكنها قطعا ليست المعضلة الوحيدة، إذ ثمة عقبات أخرى تحول دون إرساء دعائم السلام، مثل انهيار الثقة بين أطراف الصراع كما أشار المفتي في معرض رده على أسئلة أحد الحضور، كذلك حالة التصلب والعناد بين بعض القادة المتصدرين للمشهد السياسي، وتغليبهم مصالحهم الضيقة على المصالح الوطنية العليا. كلها في تقديري عوامل تتضافر وتتشابك لتحول دون تحقيق أي خطوة متقدمة على طريق السلام.
التدخل الخارجي عامل آخر يزيد من استعصاء الأزمة، والمحاضر قصد مرحلة البدايات حيث كان التدخل بالفعل محدودا، ولكن هذا التدخل زاد في المرحلة التالية لما اشتدت حدة الصراع المسلح، وأخذ الصراع بعدا إقليميا واضحا بعد اصطفاف طرفي الصراع الرئيسيين مع قطبي الصراع الإقليمي، أو الخليجي تحديدا.
بروز الولاء القبلي أو الجهوي كانت له أسبابه الموضوعية، فانهيار السلطة المركزية في الثورة، مع عدم وجود مؤسسات أمنية وعسكرية راسخة دفع الناس إلى النكوص نحو الولاءات القديمة بحثا عن حماية مادية ومعنوية في مناخ الاضطرابات والفوضى، وجرى استغلال هذا الاصطفاف القبلي والجهوي والأيديولوجي سياسيا من قبل أطراف الصراع، ولكنه انحصر في نطاق المتصارعين وأنصارهم ولم ينل من الهوية الليبية الجامعة التي تشدها أواصر اجتماعية واقتصادية بالغة القوة بين عموم الناس، الذين حتى وإن تأثر بعضهم قليلا بالضخ الإعلامي المكثف إلا أنهم سرعان ما تجاوزوا هذه الحالة المؤقتة، واحتضنوا بعضهم وقدموا يد العون لأخوتهم في الوطن أثناء نزوحهم من مدنهم بسبب الحروب.
 المفتي أشار في محاضرته إلى المشروع الذي تقدم به عندما ترشح لمنصب رئيس الحكومة، وقد سبق له أن عرضه عبر عدة مقالات بالصحف المحلية، وهو مشروع واعد يتضمن عدة مقترحات لتجاوز أهم معوقات بناء المؤسسات، ولكن التنافس الشديد على المناصب السياسية زمن المؤتمر الوطني حال دون وضع المشروع موضع التنفيذ.
الكتابة عن الدكتور محمد المفتي والأحوال الليبية لا تكتمل من دون الإشارة إلى جهوده البحثية العميقة في التاريخ السياسي والاجتماعي الليبي، وهي منشورة في عدة كتب تختلف في طرحها عما تقدمه كتب التاريخ عادة، فالمفتي يهتم بمصادر غير مألوفة في مراجع البحوث التاريخية، كالصحافة وقصائد الشعر والأغاني الشعبية ودعايات الأفلام وغيرها، كما يحرص على التقاط حكايات الناس وتجاربهم ويدونها ثم يخضعها للتحليل لكشف ماوراءها من معاني ودلالات تقود في النهاية إلى تأصيل الهوية الليبية، من دون تعصب، ومن دون نكران لانتماء ليبيا لمحيطها الحضاري والتاريخي.