يمثل الاعتراف بالواقع الخطوة الأولى والأساسية نحو إصلاح الإدارة المحلية في بلادنا؛ وتوفير الخدمات البلدية للجميع بغض النظر عن الجغرافيا، فالبلديات الليبية لا تتشابه في واقعها العملي، حيث تتفاوت في مستوى البُنية التحتية المتوفرة، والخدمات العامة المُقدَمة للمواطنين، إن دراية صنّاع القرار بهذا التباين ليست تقليلاً من شأن أي منطقة، بل هي نظرة موضوعية تهدف إلى ردم الفجوات التنموية المُتراكمة عبر السنوات، وبناء رؤية شاملة تنطلق من احتياجات على أرض الواقع لا من فرضيات نظرية.
ولعل المظهر الآخر لهذا التباين يبرز جلياً في تفاوت القُدرات والخبرات المحلية في إدارة المَلفات الخدمية واليومية؛ فبينما تمتلك بعض البلديات كوادر وموارد تُمكنها من قطع شوط في التطوير والتنظيم، تفتقر بلديات أخرى لأبسط المُقومات الإدارية والفنية، وتُهاجر تلك الخبرات إلى بلديات أخرى للعمل والإقامة بها. ومن هنا، فإن توحيد النماذج الخدمية أو فرض حلول جاهزة على الجميع بطريقة واحدة، قد لا يؤدي إلى النتيجة المَرجوة، بل يستوجب مراعاة الإمكانيات المُتاحة لكل بلدية على حدة.
إن التوجه المسؤول والمطلوب في هذه المرحلة هو تصنيف البلديات الى فئات متشابهة في القدرة على تقديم الخدمات البلدية، ثم تركيز الدعم والتوجيه نحو البلديات التي تُعاني نقصاً حاداً في المُتطلبات الأساسية؛ حيث ينبغي أن تَتكاتف الجهود الوطنية، لتمكين هذه البلديات/المناطق من تأمين الاحتياجات الضرورية لحياة الناس اليومية، من مياه، ونظافة عامة، حماية البيئة، وصيانة الطرق، ومرافق صحية وتعليمية أساسية. إن إعطاء الأولوية للبلديات الأكثر احتياجاً ليس تفضيلاً لها، بل هو تكريس لمبدأ التضامن الوطني الذي يضمن ألا تُترك أي منطقة خارج المستوى المنشود.
يبدأ تحقيق التنمية المتوازنة والاستقرار الاجتماعي من الوصول بجميع البلديات الليبية إلى “الحد الأدنى المقبول” من الخدمات العامة؛ فالأمر لا يتطلب معجزات، بل يتطلب ترتيباً للحلول بحسب الأولويات الشديدة، وبناء قدرات الإدارات المحلية تدريجياً. وعندما يلمس المواطن في أقصى الجنوب أو الشرق أو الغرب حرصاً جاداً على تحسين بيئته اليومية، فإننا نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لمستقبل بلدي تجمعه الخدمة العادلة والمواطنة الشاملة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




