بعد خمسة عشر عامًا من الأزمة الليبية، أصبحت التجربة نفسها هي المعيار الحقيقي للحكم على مختلف الخطابات والمشاريع التي طرحت خلال هذه السنوات. فلم تعد الشعارات كافية لإقناع المواطن، ولم يعد الخطاب السياسي يُقاس بما يحمله من عناوين براقة، بل بما قدمه من نتائج، وما إذا كان أسهم في بناء الدولة أم في إطالة أمد الأزمة.
لقد كشفت السنوات الماضية أن الأزمة الليبية لم تكن مجرد صراع سياسي على السلطة، بل كانت أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ انهيارًا في مؤسساتها، وانقسامًا في سلطاتها، وانتشارًا للسلاح خارج إطار الدولة، وتعددًا لمراكز القوة والنفوذ، إضافة إلى مخاطر الإرهاب والجماعات المسلحة والعناصر الأجنبية التي شكلت تهديدًا مباشرًا لسيادة البلاد وأمنها.
في بدايات الأزمة، حاول البعض تقديم مبررات لحمل السلاح باعتباره وسيلة مؤقتة للدفاع عن النفس أو حماية المناطق في ظل غياب مؤسسات الدولة. لكن استمرار هذا الوضع لخمسة عشر عامًا، وتحول السلاح في بعض الحالات إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، جعل منه أحد أبرز أسباب استمرار الانقسام وتعطيل قيام الدولة.
فالذين حملوا السلاح في ظروف استثنائية ثم عادوا إلى حياتهم الطبيعية أدركوا أن الدولة لا تُبنى إلا من خلال مؤسساتها، وأن حماية الوطن لا تكون باستمرار الفوضى، وإنما بوجود مؤسسات عسكرية وأمنية موحدة تخضع للقانون. أما تحويل السلاح إلى وسيلة دائمة للتأثير السياسي، فهو يضعف الدولة ويؤخر استقرارها.
وخلال هذه السنوات، غاب صوت المواطن الحقيقي وسط صخب النخب السياسية والإعلامية. فالمواطن الليبي لم يعد منشغلًا بالجدل السياسي بقدر انشغاله بتحديات الحياة اليومية؛ من الأمن والخدمات، إلى التعليم والصحة والدخل وارتفاع الأسعار ومخاطر الأمن الغذائي. وعندما يصبح المواطن تحت ضغط هذه الأزمات، فإن أولوياته تتجه طبيعيًا نحو الاستقرار وتحسين ظروف المعيشة قبل الدخول في صراعات سياسية لا يرى نتائجها على أرض الواقع.
كما أن الحديث عن بناء ديمقراطية مستقرة لا يمكن أن يكون بمعزل عن واقع الدولة ومؤسساتها. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو شعارات، وإنما هي منظومة متكاملة تحتاج إلى أمن مستقر، وسيادة قانون، ومؤسسات قوية، ومجتمع قادر على ممارسة الاختيار بعيدًا عن تأثير السلاح والانقسام.
لقد دخلت ليبيا مرحلة سياسية معقدة دون وجود تجربة حزبية راسخة أو تقاليد انتخابية مستقرة بعد عقود طويلة من غياب الحياة السياسية الطبيعية، وهو ما جعل العملية السياسية تواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل الانقسامات القبلية والجهوية والمناطقية، وتراجع دور المجتمع المدني، وضعف الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد.
وفي ظل هذا الواقع، ظهرت أطراف سياسية وإعلامية قدمت نفسها باعتبارها ممثلة لإرادة الشارع، بينما بقي السؤال قائمًا حول مدى قدرتها على التعبير الحقيقي عن تطلعات المواطنين، خاصة في ظل غياب مؤسسات منتخبة مستقرة قادرة على قياس الإرادة الشعبية بصورة واضحة.
إن حرية التعبير حق أساسي، لكنها لا تعني تحويل الفوضى إلى أمر طبيعي، ولا منح غطاء سياسي لاستمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة. فالديمقراطية لا يمكن أن تكون مبررًا لتعطيل قيام الدولة، وحقوق الإنسان لا يمكن حمايتها في بيئة تغيب فيها سيادة القانون والمؤسسات القادرة على تطبيقه.
ومن الإنصاف عند تقييم المرحلة الماضية الاعتراف بما تحقق من إنجازات، كما يجب الاعتراف بالإخفاقات. فلا يمكن قراءة المشهد الليبي بموضوعية دون الإشارة إلى بناء مؤسسة عسكرية استطاعت مواجهة التنظيمات الإرهابية، ومحاربة الجماعات المتطرفة، وإنهاء وجود العديد من العصابات المسلحة الأجنبية، والمساهمة في تحقيق قدر من الأمن والاستقرار في مناطق واسعة من البلاد.
إن تجاهل هذه الإنجازات أو التقليل من أهميتها لا يخدم التحليل الموضوعي، بل يساهم في تقديم صورة ناقصة عن الواقع. فالاعتراف بما تحقق لا يعني أن الطريق اكتمل، وإنما يعني أن أي مشروع وطني جاد يجب أن يبني على ما أنجز، ويعمل في الوقت ذاته على استكمال توحيد المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وتحقيق التنمية والاستقرار.
لقد كشفت السنوات الخمس عشرة الماضية حدود بعض الخطابات التي قدمت نفسها باعتبارها تحليلات سياسية، لكنها بقيت أسيرة المواقف ذاتها، تكرر الشعارات نفسها، رغم تغير الواقع والمعطيات. فالتحليل السياسي الحقيقي ليس دفاعًا عن مواقف ثابتة مهما تغيرت الظروف، بل هو قدرة على قراءة الواقع ومراجعة الأفكار وفق النتائج.
إن استمرار خطاب التنظير بعيدًا عن معاناة المواطن، أو تكرار المبررات التي لم تنتج استقرارًا، لم يعد يجد نفس القبول لدى الليبيين الذين أصبحوا أكثر إدراكًا لأولوياتهم. فالمواطن يريد دولة توفر الأمن، وتحمي الحدود، وتقدم الخدمات، وتفتح الطريق أمام مستقبل أفضل.
إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب جديد؛ خطاب يعترف بالواقع بدل إنكاره، ويضع مصلحة الدولة فوق المصالح الضيقة، ويميز بين النقد المسؤول وبين تبرير الفوضى. فبناء الدولة ليس ضد الديمقراطية، بل هو شرط أساسي لقيام ديمقراطية حقيقية ومستدامة.
بعد خمسة عشر عامًا، أصبحت الحقيقة أكثر وضوحًا: لا يمكن بناء وطن في ظل الانقسام والسلاح المنفلت، ولا يمكن حماية الحقوق دون دولة قوية، ولا يمكن تحقيق الاستقرار بتكرار نفس الخطابات التي أوصلت البلاد إلى هذه الأزمة.
إن ليبيا تحتاج اليوم إلى الانتقال من مرحلة إدارة الفوضى إلى مرحلة بناء الدولة، ومن صراع الشعارات إلى منطق الإنجاز، لأن المستقبل لا يصنعه من يتمسك بأوهام الماضي، وإنما من يمتلك القدرة على قراءة الواقع والانحياز إلى الوطن والمواطن.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





