تنطلق هذه القراءة من مفهوم الواقعية السياسية التي ترى أن نجاح أي مشروع سياسي لا يقوم على الشعارات فقط، بل على وجود دولة مستقرة، ومؤسسات قوية، وقدرة على فرض القانون. فالواقعية السياسية لا ترفض الديمقراطية، لكنها تؤكد أنها تحتاج إلى شروط واقعية تسبقها، في مقدمتها بناء الدولة.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم الحالة الليبية خلال أكثر من ستة عقود، باعتبارها أزمة بناء دولة وتراكم سياسي ومؤسسي، أكثر من كونها أزمة تداول سلطة أو مجرد غياب انتخابات.
بدأت ليبيا بعد الاستقلال عام 1951 مسار بناء دولة دستورية، وظهرت خلالها تجربة سياسية وبرلمانية وأحزاب وطنية، قبل أن يتم تعطيل العمل الحزبي عام 1963 في سياق سياسي ارتبط بحالة من الاضطراب. ثم جاء عام 1969 ليشهد إلغاء العمل الحزبي بالكامل، لتدخل البلاد مرحلة طويلة غابت فيها الحياة السياسية المنظمة، ما أدى إلى ضعف التراكم الحزبي والثقافي وتراجع الخبرة الديمقراطية، وبقاء الانتماءات التقليدية أكثر حضورًا من الانتماء السياسي البرامجي.
ومع أحداث 2011 فُتح أفق جديد لبناء دولة حديثة، وكانت انتخابات 2012 محطة مفصلية كان يُفترض أن تؤسس لمسار ديمقراطي مستقر، لكن الانتقال السريع إلى التعددية جرى دون اكتمال مؤسسات الدولة أو نضوج التجربة الحزبية. وبعد عام 2014 توقفت العملية الانتخابية في ظل تصاعد الانقسام السياسي وظهور السلاح خارج إطار الدولة، وتعدد مراكز القوة، إضافة إلى أزمات اقتصادية وخدمية عمّقت حالة عدم الاستقرار. كما لم تُجرَ الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان مقررًا تنظيمها في 24 ديسمبر 2021، وهو ما تسبب في حالة إحباط واسعة لدى نحو ثلاثة ملايين ناخب كانوا يأملون في انتقال سياسي سلمي.
وفي هذا السياق، ومع استمرار حالة الانقسام، برزت محاولات متعددة لإدارة الأزمة عبر مسارات توافقية؛ إذ تحركت البعثة الأممية نحو تشكيل لجان للحوار السياسي كآلية لتهيئة الأرضية للتسوية. كما ظهرت المبادرة الأمريكية التي سعت إلى اختصار الوقت والمسار، من خلال الدفع نحو توافقات تمهّد لإجراء انتخابات شاملة.
وبالتوازي، اتجهت الأطراف الليبية الأساسية، ممثلة في القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية، نحو مسارات تفاهمات سياسية تتعلق بتشكيل حكومة تقاسم سلطة، في سياق محاولات إعادة ترتيب المشهد. وقد سبق ذلك خطوات جزئية تمثلت في توحيد الميزانية وتوحيد بعض مؤسسات الدولة، إلى جانب محاولات في اتجاه توحيد المؤسسة العسكرية.
هذه التحركات، رغم تعثرها، تعكس منطقًا واقعيًا في إدارة الأزمة، يقوم على أن الحل لا يمكن أن يكون دفعة واحدة، بل عبر مراحل تراكمية من التوافق وبناء الثقة وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.
وتكشف هذه التجربة أن جوهر الأزمة في ليبيا لا يتمثل في غياب الانتخابات، بل في غياب الدولة القادرة على حماية العملية السياسية وتنفيذ نتائجها، فالديمقراطية لا يمكن أن تعمل في ظل انقسام المؤسسات وغياب احتكار الدولة للسلاح، لأنها تتحول حينها من أداة للاستقرار إلى جزء من الصراع السياسي.
ومن منظور واقعي، فإن ليبيا تحتاج إلى إعادة بناء الدولة أولًا عبر توحيد المؤسسات، وفرض القانون، وإنهاء الفوضى الأمنية، واحتكار السلاح بيد الدولة. وهذا لا يتناقض مع الديمقراطية، بل يشكل شرطًا أساسيًا لنجاحها مستقبلًا.
إن التجربة الليبية خلال أكثر من ستة عقود تؤكد أن الأزمة لم تكن في الديمقراطية كفكرة، بل في غياب البيئة التي تسمح لها بالعمل. فالواقعية السياسية تشير بوضوح إلى أن الدولة تسبق الديمقراطية، وأن الاستقرار المؤسسي هو الطريق الحقيقي لأي تداول سلمي للسلطة.
فالدولة أولًا، ثم الديمقراطية التي تحميها الدولة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





