لا شك أن ليبيا اليوم بأمسّ الحاجة إلى كوادر مؤهلة في مختلف المجالات، سواء في القطاعات المهنية والحرفية أو المجالات الفنية والهندسية والتقنية، فبناء الدول لا يقوم فقط على الموارد الطبيعية، وإنما على الإنسان القادر على الإنتاج والإبداع وصناعة المستقبل.
ومن هذا المنطلق، أُنشئت المعاهد المتوسطة والعالية بهدف مواكبة احتياجات المجتمع وسوق العمل، وخرّجت آلاف الدفعات من الفنيين والمهندسين والمتخصصين في مجالات متعددة، إلا أن غياب التخطيط الاستراتيجي لربط مخرجات التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد الوطني، إلى جانب ترسخ ثقافة الدولة الريعية، أدى إلى تعطيل جزء كبير من هذه الطاقات البشرية، وأضعف دورها في مسيرة التنمية.
لقد أدى هذا الواقع إلى اتساع الفجوة بين ما تقدمه المؤسسات التعليمية والتدريبية وبين احتياجات سوق العمل، كما فتح المجال أمام العمالة الأجنبية للدخول إلى البلاد في كثير من المهن، في ظل غياب التنظيم والاستثمار الحقيقي في الكفاءات الوطنية.
ورغم ذلك، أثبت الليبيون في العديد من المجالات قدرتهم وكفاءتهم، وأكدوا أن العمل المهني والفني ليس أقل أهمية من غيره، بل يمثل أساسًا لأي نهضة اقتصادية حقيقية. فقد برزت نماذج وطنية ناجحة في قطاعات حيوية مثل الطيران، والنفط، والكهرباء، والطب، وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى خبرات ومهارات متخصصة.
ومع انتشار البطالة بين الباحثين عن العمل، بدأ كثير من الشباب يتجهون نحو المجالات الحرفية والمهنية، باعتبارها توفر فرصًا حقيقية للعمل والإنتاج، إلا أن هذه المجالات ما زالت بحاجة إلى دعم وتطوير، وإلى تغيير النظرة الاجتماعية تجاه المهن الحرفية التي تمثل ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد.
ومن أبرز مظاهر غياب التخطيط، التوسع الكبير في الاستيراد، خاصة في مجال قطع الغيار والمعدات الكهروميكانيكية والصناعات الخفيفة، بدلًا من التركيز على تطوير الصناعات المحلية وورش الصيانة والخراطة التي كانت قادرة على إنتاج قطع ومعدات دقيقة بفضل مهارات الأيدي العاملة الوطنية. إن دعم هذه القطاعات لا يساهم فقط في توفير فرص العمل، بل يساعد أيضًا في تقليل استنزاف العملة الصعبة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء اقتصاد أكثر استقرارًا.
ومن القضايا التي تستحق التوقف أيضًا، واقع الدراسات العليا والبحث العلمي، حيث أصبح الاهتمام بالحصول على الشهادات في بعض الأحيان أكبر من الاهتمام بالتحصيل العلمي الحقيقي، وأصبحت الشهادة وسيلة للتفاخر أكثر من كونها وسيلة لإنتاج المعرفة وخدمة المجتمع، مع التأكيد على أن الدراسات العليا تظل ضرورة لأي دولة تسعى إلى التقدم، متى التزمت بالمعايير الأكاديمية الرصينة وربطت أبحاثها باحتياجات التنمية.
إننا بحاجة إلى باحثين وأكاديميين يقدمون نتاجًا علميًا يعالج مشكلات الواقع، ويسهم في تطوير مؤسسات الدولة والاقتصاد، لا إلى أبحاث تبقى حبيسة الأدراج دون تطبيق أو تقييم لنتائجها. فالبحث العلمي الحقيقي هو الذي يختبر ميدانيًا، ويثبت جدواه، ويقدم حلولًا قابلة للتنفيذ.
وفي الوقت الذي نحتاج فيه إلى الباحث والأكاديمي المبدع، فإننا بحاجة كذلك إلى الفني المنتج، والمهندس العملي، والإداري الكفء، لأن بناء الدول لا يقوم على النظريات وحدها، بل على تحويل المعرفة إلى إنجازات ومشروعات تخدم المواطن والوطن.
ولعل غياب هذا الترابط بين التعليم والبحث العلمي من جهة، وسوق العمل واحتياجات التنمية من جهة أخرى، كان أحد أسباب استمرار البيروقراطية، وتراجع الإنتاجية، والابتعاد عن بناء اقتصاد يعتمد على الكفاءة والابتكار.
إن ليبيا بحاجة اليوم إلى مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، والاستثمار في مجالات المعرفة والابتكار والتحول الرقمي، فلم يعد من الممكن أن تبقى التنمية مرتبطة بمورد واحد مهما كانت أهميته. فالاعتماد المفرط على النفط جعل الاقتصاد الوطني عرضة للتقلبات، وأضعف فرص بناء قطاعات إنتاجية متنوعة.
إن بلادنا تمتلك الكثير من الإمكانيات التي تؤهلها لبناء اقتصاد حديث، ولعل أهم هذه الإمكانيات هو الإنسان الليبي، فهو الثروة الحقيقية القادرة على صناعة التقدم والتطور متى ما توفرت له فرص التعليم الجيد، والتدريب المستمر، والبيئة التي تشجع على الإبداع والعمل والإنتاج.
فالمستقبل سيكون لمن يمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على تطوير مهاراته، وليس لمن يعتمد فقط على موارده الطبيعية. لذلك فإن الاستثمار في الإنسان، وربط التعليم والتدريب والبحث العلمي باحتياجات سوق العمل، هو الطريق الحقيقي لبناء اقتصاد قوي ومستدام.
وعندما نتحدث عن استقرار ليبيا، فإننا لا نقصد الاستقرار السياسي وحده، بل الاستقرار الذي يتيح للدولة وضع خطط واستراتيجيات واضحة لإدارة الاقتصاد والصناعة والتعليم والتدريب، وبناء مؤسسات قادرة على قيادة التنمية.
كما أن نشر ثقافة العمل المهني والحرفي أصبح ضرورة وطنية، من خلال غرس قيم الإنتاج والعطاء والإبداع، والتخلي عن ثقافة الاستهلاك والاعتماد الكامل على الوظيفة الحكومية، التي أدت إلى تضخم القطاع العام وتراجع الإنتاجية.
فالدول لا تبنى إلا بالعمل، واحترام جميع المهن، والإيمان بأن الإنسان هو أساس التنمية، وأن كل جهد منتج هو لبنة في بناء الوطن.
ومن هذا المنطلق، كان الاهتمام بقضايا التأهيل والتدريب وثقافة العمل حاضرًا في برامجنا الإذاعية على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، إيمانًا بأن الإعلام ليس ناقلًا للأخبار فقط، بل شريك في بناء الوعي، وترسيخ ثقافة العمل، وتشجيع المبادرة والإبداع.
إن بناء ليبيا المستقبل يبدأ من الاستثمار في الإنسان، فهو الثروة التي لا تنضب، وهو القادر على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والموارد إلى تنمية، والأحلام إلى واقع.
لقد أثبتت التجارب أن الثروات الطبيعية وحدها لا تبني الدول، وإنما يبنيها الإنسان المؤهل، والإدارة الرشيدة، والاقتصاد المتنوع. أما النفط، فرغم أنه نعمة كبرى أنعم الله بها على بلادنا، فإن الاعتماد المفرط عليه، وعدم توظيف عائداته في تنمية الصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والتدريب، جعله مصدرًا للهشاشة الاقتصادية، بدل أن يكون منطلقًا لبناء اقتصاد وطني متنوع ومستدام.
لقد آن الأوان لأن تتحول الثروة النفطية من مورد للاستهلاك إلى أداة للاستثمار، ومن مصدر لتمويل الإنفاق إلى رافعة للتنمية، وأن يكون الاستثمار الأول في الإنسان الليبي، لأنه الثروة الحقيقية التي تصنع الحضارات، وتبني الاقتصاد، وتحفظ للأوطان مكانتها بين الأمم.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





