عودة إلى الجغرافيا الليبية مرة أخرى (3)

كنت أحاول القول من تحت هذا العنوان فى الجزأين السابقين، بأنه -وفي تقديري- أن الخروج من هذا المأزق، الذي يعبث بنا داخل بلادنا ليبيا منذ عقود طويلة مضت، لا يكون -في تقديري- إلا باعتماد جغرافيا ليبيا الوعاء الوطنى الوحيد، الذي يجب أن تفرغ بداخله كل الطاقات المعنوية التى تتخذ صبّعه وطنية . باعث . حافز . دافع وطنى الخ . كى تتحوّل هذه الطاقات المعنوية وتتجسد داخل هذا الاطار الى سلوك . فعل , يوظف فى معالجة كل الموارد بشرية كانت او طبيعية او غيرها . داخل هذه الجغرافيا فى ما يساعدها على النهوض والنمو والتقدم . وقلنا عن كل ذلك بانه بمثابة . بل هو نفخ الحياة وبعثها فى كيان الليبيى مستقل . ولكى ينهض هذا الكيان الوليد , ويتخذ له موقع فوق الارض وتحت الشمس . يجب اسناده بدعائم دستورية قانونية , الى حين يشّتد عوده ويسّتوى . وهذه الدعائم . يجب ان يسّتمدها من تنصيص يتضمنه متن الدستور . وقلنا ايضا , ولكى يكون هذا التنصيص الدستورى مقّنع ومقبولا . يجب دفع هذا الكيان الليبيى , الذى جاء به مخاض فبراير . نحو تحسس ذاته عبر ابعاده الثلاثة . الجغرافية. الديمغرافية . الثقافية . ليتعرّف وعلى نحو موضوعى . بانه مفردة من مفردات جغرافية غرب المتوسط . وبان بعّديّه .الدمغرافى . الثقافى . تشُدّانه وبقوة الى الفضاء المغاربى المتوسطى . وخلصنا من كل هذا الى ان جغرافية غرب المتوسط وحوضه , هما المجال الحيوى . لهذا الكيان الليبيى المستقل . وذلك لما لهما من تأثير وجودي على حياته , صعود وهبوط . رخاء وشدّه . عسر ويسر .
وايضا قلنا فى ما قلنا فى الجزأيّن السابقين من تحت ها العنوان . وسيُرافق كل هذا , وعلى نحو تلّقائى . ولادة قاموس سياسى جديد . له مفرداته ومصطلحاته ومفاهيمه . تنسجم وتخدم مقاصد وتوجهات هذا الكيان المستقل الجديد . وتكون انّجيله الوطنى . عندما يغمّ عليه . واستدللنا عن ذلك . بان مفهوم الغرب السياسى المتداول . كوحدة واحدة . سوف يظهر امام هذا الكيان الليبيى المستقل , وبحكم واقعه الموضوعى والتاريخى . بان الغرب السياسى ليس غرب سياسى واحد . بل غربيّن اثنيّن . غرب اوربى . وهو ما تضمّه يابسة القارة الاوربية . وتمت غرب اخر . وهو الغرب الاطلسى . الذى تغّتسل شواطئه بمياه هذا المحيط . ولسان حال ثقافته انجلوسكسونية . وحاولنا استدعاء بعض الشواهد للتدليل على ذلك . كانت هذه فى مجّملها موضوعية تؤكدها الجغرافية . وتاريخية تثبتها وقائع الماضى الغابر .
وعند الحديث عن التمايز بين الغربيّن . يجب هنا – فى تقديرى – الانتباه والاشارة الى عامل مفّصلي . نستطيع حصره , فى كيفية كان تعاطى هذيّن الغَرّبيّن . مع جغرافية شرق المتوسط وغريه والامتداد الجغرافى الذى يربط بينهما . فعندما سعى الغرب الاوربى . والغرب الاطلسى المتمثل هذا حينها . فى الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس (انجلترا) . نحو وضع اياديهم على هذا الامتداد الجغرافى الواسع . والجعل منه . جغرافيات تابعة وملحقة لجغرافيتهم . فنجدهما – اى الغربيّن – اتجها كليّهما . نحو المرّتكز الثقافى ذو المعطى الديني- القَبَلي . لهذا الامتداد الجغرافى الواسع . مُسّتهدفين تطّويعه على نحو يمكّنهم من جعل هذا الامتداد الجغرافى . الذى تُغطى رُقّعته . جغرافيات شرق المتوسط وغربه والامتداد الذى يربط بينهما . جغرافيات تابعة وملحقة لجغرافيتهم .
فذهب الغرب الاوربى نحو محاولة سحب معطاه الثقافى . وزرعه وتجّديره داخل هذا الامتداد الجغرافى الواسع . بهذف جره وجعله يتبنى آليات تفكيره ونهجه . فيُسهل من ثم علي هذا . ربطه بجغرافيته كجغرافيات ملحقة تابعة .
فى حين اتخذ الغرب الاطلسى (انجلترا) حينها . طريق مختلف . عِبْره تمكّن من التسلل داخل المُرّتكز التقافى ذو البعد ديني- قَبَلي . لهذا الامتداد الجغرافى الواسع . وقد افّلح فى دراسته وهضمه فى شقّيه الديني و القبلي . ثم عمل بجد و اجتهاد على تفكيكه , وصاغه من جديد على نحو مكّنه من الحاق هذه الجغرافيات . ليجعلها وفى اغلبها جغرافيات ملحقة وتابعة لكيانه الإنجليزي والى الابد .وبقول اخر لقد تمكن هذا الانجليزى . وبذكاء شديد . من جعل هذا الامتداد الجغرافى الواسع . يحج الى عكاظ ونجف ومكة جديدة . اشادها له جميعا فى عاصمة الضباب . بل وملاد آمن عند العسرة .
فقد شاهدة من على احد القنوات القضائية , واعتقد انها قناة الجزيرة , مع نهاية تسعينات القرن الماضى . حوار فكرى مع شخصية خليجية , واعتقد كانت كويتية . واتنا حديثه عن تخصص العلمي الدقيق . لنيل شهادته الدكتوراه . قال . قد كان يتناول فيها المذهب الشيعي فى احد فروعه . وان البحت قد كلّفه من الزمن سنين ثلاث . قضاها فى عاصمة الانجليز , ليكون قريب من مكتبة وزارة الخارجية هناك . التى كانت سند هام وجيد له . بما تضمه من كتب ومراجع دينية . يجب الملاحظة هنا . بان النجف وقم . هنّ من يقال عنهن . مزارات الشيعة المقدسة . ولا يبعدّن سوى مرمى حجر عن جغرافية الكويت . ولكن هذا الدكتور* , ولى ويمم بوجهه صوب قِبّلته لندن , وبظهره لما عُرف بمحجات الشيعة .
وفى الخاتمة اقول . بان الغرب الاطلسى . قد تمكّن وبنجاح من تفكيك المرتكز الثقافي ببعّديّه الديني والقبَلي لجغرافيات شرق المتوسط وغربه . وصياغته لهما من جديد . على نحو يكون به هاذين . تحت قبضته وطوّع اردته . فتبيّن الشواهد على ذلك ليس بالعسيرة , ولا يحتاج منك جهد كبير . فانت ستشاهدها انّ اتجهت . فى حاضرنا هذا . وهى منتشرة على كامل هذا الامتداد الجغرافى الواسع . تظهر فيه . وهى تمّتشق وبوجهها الديني او القَبَلي سلاحها . تجّتهد وتُبّدع وتتفاعل فى فضاء الفوّضى الخلّقة . لتُصّيغ وتُشّكل بأسلحته المدمرة . وعلى ارض الواقع . المفهوم الجديد . الذى اُدْرج بالقاموس السياسي المتداول فى هذا العالم البائس . والذى جاء على لسان السيدة (رايس) بما اسمته الشرق الاوسط الجديد . كل هذا نشاهده يحدث . بعدما افّتكت هذه , وبوجهيها الديني والقَبَلي . من أيادي البسطاء ومن داخل بلدانهم . محاولتهم البطولية المرّتبكة . الذين سعوا بها . نحو التأسيس لبلد تسوده دولة المواطنة . حيت دولة المؤسسات والتداول السلمى على السلطة . حيت دولة الدستور والقانون . حيت دولة تكافؤ الفرص . حيت دولة العدل .
*الدكتور المذكور بالمقالة . لم يكن ينتمى الى المذهب الشيعي .

محتوى ذو صلة
نحو يقظة ليبية بناءة