في ذكرى استقلال ليبيا

يوافق اليوم الرابع والعشرين من ديسمبر ذكرى استقلال ليبيا الأول. يتناول البعض من الليبيين هذه الذكرى بالعودة للوراء وتذكر احداثها، بحسرة وندم على حقبة في تاريخ ليبيا، ويرون أن الأجداد بذلوا جهدهم في وضع لبنات بلادهم. يرى آخرون أنها حلقة متصلة بما قبلها وما جاء بعدها، مستعرضون عيوبها، منقبون عن مساوئها من حيث التفرد بالسلطة واستبعاد الخصم. يبدوا أننا دائما ما نفتقر إلى المنهج السليم في الحكم، المنهج الذي يستند على المعطيات، مروراً بالظروف المصاحبة والمستجدة للحدث، ووصولاً إلى ما آلت إليه الأمور. الحكم الذي يراعي معطيات كل حقبة على حدة، ليصدر حكمه مبنياً على تلك القاعدة. لا حكماً يستند على معطيات الحاضر، ليحاكم به اخطاء الماضي.

في مثل هذا اليوم لسنة 1951، بدأت صفحة جديدة في تاريخ ليبيا، في ذلك اليوم اصبحت ليبيا كما لم تكن من قبل، دولة ذات سيادة، معترف بها من عصبة الأمم المتحدة. سبق ذلك اليوم، رحلة طويلة من الجهاد والمفاوضات والمحاولات العديدة والمتنوعة لتكون لليبيا سيادة معترف بها. تخلل ذلك ظروف بالغة الصعوبة من مجاعات وأمراض وفقر شديد وأمية، عصفت بالبلاد وأدت إلى فقدانه نسبة كبيرة من أبنائه بين موت ونزوح ونفي. لم تكن الأرضية التي بدأ منها استقلال ليبيا، أرضية صلبة، مريحة، وتسهل معها السير بالدولة نحو الازدهار والتطور.

في كلمته من شرفة قصر المنار من مدينة بنغازي، أعلن ملك البلاد “محمد ادريس السنوسي” في كلمته الواضحة، الموجهة إلى أبناء ليبيا، أن اعز أمانيه أن تحيا البلاد حياة دستورية، وتمارس السلطات فيها وفقاً لأحكام الدستور، خاتماً كلمته بالدعاء لله أن يعينه على الخير ويسدد سعيه إليه. وبقدر سعادته بنيل استقلال توج كفاح عشرات السنين، بقدر الحرص والإحساس بالمسئولية، الذي جاء من خلال رسالته، مستحضراً حال البلاد وحجم التحديات المقبل عليها.

كانت ليبيا في تلك الفترة في قائمة الدول الأشد فقراً، مع تحديات اقتصادية جمة تعيق تسيير دواليب الدولة الناشئة. مع الأخذ في الاعتبار أن قرار منح الاستقلال، لم يشمل على آلية تمويل، تساعد في تأسيس مؤسسات الدولة الوليدة.

بعد اعداد دستور البلاد، صدر في نوفمبر 1951م قانون الانتخابات، وعليه فقد تطلب اجراء الانتخابات في مدة زمنية تنتهي 20 فبراير 1952م. تخلل فترة انتخاب مجلس الأمة الليبي، وما تلاها من اعلان النتائج، محطات هامة في تاريخ ليبيا.  تركت احداث هذه المرحلة وتداعياتها، أثراً على الحياة السياسية في ذلك الوقت، ولا يزال تأثيرها حتى يومنا هذا؛ دون الخوض عميقاً في الأسباب التي دعت رئيس الوزراء آنذاك “محمود المنتصر” لوأد الحياة السياسية. هنا وفي هذه المحطة، تحديداً، أود أن نستبعد الأهواء الشخصية، والحكم على الأمور من وجهة النظر الأحادية، التي لا تراعي الإطار العام.  فالحكم عليها يتطلب المعرفة الدقيقة بالمعطيات على الأرض، والمام بالتحديات الاقتصادية البالغة الصعوبة، مع ادراك محدودية  الخبرة السياسية ايضاً. الفكرة السائدة في ذلك الوقت، كانت العبور بالبلاد إلى بر الأمان دون المغامرة بتعريضها إلى تلك الأمواج المتلاطمة، التي قد تنتج من ازدياد السخط الشعبي، الغير مدرك بالتفاصيل الدقيقة. الرأي الشعبي، الذي يحكم بعاطفته، سريعة الهيجان، خاصة إذا كان الضغط على وتر العروبة والاسلام وعودة المستعمر. هنا، وللحياد، علينا تحميل جزء من المسئولية على قادة الأحزاب الطرابلسية، تحديداً. لم يراعى قادة الأحزاب طبيعة المناخ السياسي، ولم يراع ايضا، المسئولية الأدبية التي تأخذ في المقام الأول، الطبيعة السوسيولوجية لحراك الشارع، وتأخذ في الحسبان رد الشارع العنيف واستجاباته الغير مدروسة، خاصة مع من يتجاوز خطوطه الحمراء، والتي هي، العروبة والإسلام.

الحكم على فترة الحكم الملكي من حيث الباسها ثوب الكمال، أو على النقيض من ذلك، وهو رفضها كونها السبب في تخلف الحياة السياسية الليبية، هو اجحاف في حقها. المرحلة كانت تتقدم بالدولة للأمام وفق المعيار الزمني، والمعطيات الموجودة آنذاك. قطعت شوطاً في البناء والصناعة وحرية السوق والصحة والتعليم، رغم قلة الموارد. المشاركة والمساءلة والقانون كانت تأخذ مجراها بشكل انسيابي حر، دون عرقلة من جانب السلطة الحاكمة، تفسده أو تقوض بنيانه. كان هناك إلى حد ما، فصل في السلطات، لم يدعمه ويقويه الحراك المجتمعي، وهو يتحمل جزء من المسئولية هنا. المرحلة الملكية في تاريخنا الليبي، بالتأكيد لها بعض المآخذ، وهو قول يؤخذ منه ويرد عليه. للقصر حاشيته، والمطبلون له، بالتأكيد، وربما كان هذا أحد نتائج وأد المشاركة السياسية الحرة والنزيهة والمبنية على الكفاءة.

لرأي الشارع أيضا، الذي كان بعيدا عن المتابعة والنقد الإيجابي المدروس، دور في ذلك. تخل الشارع أيضا عن دعم الأحزاب، عندما كان لزاما عليه الوقوف معها. لقد تركت للسلطة الحاكمة وقتها، الحرية في انتهاج المسلك الذي انتهجته، ولنا هنا أن نستفيد ونعترف، ولا نحمل طرفاً ونترك اطرافاً. ديسمبر او سبتمبر او حتى فبراير كلها تمثل اجتهادات بشر، يمكن لنا ان نبحث عنها في مراكز البحث العلمية الموثقة …ربما كانت الجغرافيا السياسية احدى المعضلات التي تواجه صانع القرار الواقع بين الطموح وبين الشارع الغاضب والباحث عن هوية. هوية بددتها رياح التغيير القومية تارة والاسلامية تارة اخرى.  لانزال نبحث عن الشخصية والهوية ومصلحة بلادنا، التي لو دققنا النظر لوجدناها واضحة تضرب في التاريخ حتى القرن السابع قبل الميلاد.

4
اترك تعليق

4 مجموع التعليقات
0 عدد الردود
0 المتابِعون
 
أكثر التعليقات تفاعلا
أكثر التعليقات شعبية
2 المعلقون
  اشتراك  
الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
عبدالحق عبدالجبار

الي الأخت الفاضلة آمنة القلفاطكتابة التاريخ لا يكون في صفحة ومن القلب … هذه نبدة اقل من مختصرة ومن جه واحدة. الحقائق في التاريخ لا يستطيع احد تغيرها وإذا لم يعرف هذا الشعب حقيقة تاريخة ليس استقلاله فقط بل من كان من الليبيين مع الأتراك ومن كان مع الإيطاليين في عهد احتلالهم لهذه الارض و كذلك حقيقة سبتمبر ولماذا وحقيقة 73 ولماذا وثم انتفاضة فبراير ولماذا ومن استعمالها لثورة خارجيه ولماذا لن تنجح هذه البلاد و لن تكون دولة هل نحن نخدع أنفسنا هل نستطيع تغير التاريخ استاذة فاطمة العمر و منطقة الولادة والعيش له تاثير علي فهم الواقع رحم… قراءة المزيد ..

عبدالحق عبدالجبار

مع علمنا بان قول الحق وجاع … ولكن لا حياد عنه … ولكن مع هذا كله كل سنة وجميع الشعب الليبي المهتدي والذي نطلب له الهدايا بخير وعافية
ونطلب من الله ان ينظف ويؤلف القلوب
https://youtu.be/rf9lqNbil1I

عمران الهوني

للأسف الشديد .. لم نحافظ حتى على شرفة قصر المنار !!