قرأة في التقرير الختامي للحوار المهيكل “المسار الاقتصادي”

قرأة في التقرير الختامي للحوار المهيكل “المسار الاقتصادي”

د. محمود الزروق الشاوش

خبير مالي وأستاذ جامعي

اترك للقارئ الكريم الحكم على مدى نجاعة هذه الإصلاحات المقترحة الواردة بتقرير لجنة الحوار المهيكل بشأن الإصلاحات الاقتصادية مستعيناً بالمعايير الموضوعية لتقييم الإصلاحات الاقتصادية التي يتم ذكرها تفصيلاً كما يلي:

تمهيد

لا يمكن الحكم على نجاح أو فشل أي برنامج إصلاح اقتصادي دون وجود معايير موضوعية يتم الاستناد إليها في عملية التقييم . فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بحجم القرارات أو الإجراءات المتخذة ، وإنما يقاس بمدى قدرة برنامج الإصلاح على معالجة الاختلالات الهيكلية وتحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

ومن ثم فإن تقييم الإصلاحات الاقتصادية المطروحة في ليبيا يجب أن يتم في ضوء مجموعة من المعايير التي تعكس جوهر الإصلاح الاقتصادي وأهدافه الاستراتيجية.

أولاً: مدى معالجة الاختلالات الهيكلية

يُعد هذا المعيار من أهم معايير التقييم.

فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يجب أن يستهدف معالجة الأسباب الجذرية للمشكلات الاقتصادية ، وليس مجرد التخفيف المؤقت من آثارها.

وعليه فإن أي برنامج إصلاحي اقتصادي ينبغي أن يجيب عن أسئلة جوهرية منها:

  • هل يعالج الاعتماد المفرط على النفط؟
  • هل يواجه مشكلة ضعف التنوع الاقتصادي؟
  • هل يتضمن حلولاً لمشكلة البطالة المقنعة وتضخم الجهاز الإداري؟
  • هل يسهم في في رفع الإنتاجية وتعزيز كفاءة الاقتصاد؟

فإذا اقتصرت الإصلاحات على معالجة النتائج الظاهرة للأزمة دون معالجة أسبابها ، فإن أثرها سيكون محدوداً ومؤقتا.

ثانياً: مدى تحقيق التنويع الاقتصادي

بعد التنويع الاقتصادي أحد أهم مؤشرات نجاح الإصلاح الاقتصادي في الدول الريعية مثل ليبيا.

فلا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي حقيقي في ليبيا إذا ظل الاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على القطاع النفطي.

ومن ثم ينبغي تقييم الإصلاحات الاقتصادية من خلال قدرتها على:

  • تطوير القطاعات الإنتاجية.
  • دعم الصناعة والزراعة.
  • تنمية السياحة والخدمات.
  • استغلال الموارد الأخرى غير النفطية مثل الحديد واليورانيوم والذهب والرخام والرمال ذات الجودة العالية.
  • استغلال الموقع الجغرافي المميز لليبيا وتنشيط تجارة العبور.
  • الاستفادة من الشاطئ الطويل الممتد على البحر الأبيض المتوسط وما به من ثروات بحرية مختلفة.
  • الاستفادة من المناخ المشمس طوال العام والرياح في إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة إلى البلدان الأوروبية وغيرها.
  • تشجيع الاقتصاد الرقمي والمعرفي.
  • زيادة الصادرات غير النفطية.

فكلما اتسعت قاعدة قاعدة الاقتصاد ، وازدادت قدرته على تحقيق الاستقرار والنمو المستدام.

ثالثاً: مدى تعزيز دور القطاع الخاص

لا يمكن للدولة وحدها أن تقود التنمية الاقتصادية بصورة مستدامة.

ولذلك فإن من أهم معايير التقييم مدى قدرة الإصلاحات على:

  • تحسين بيئة الأعمال.
  • إزالة المعوقات الإدارية.
  • تسهيل الحصول على التمويل وتنويع مصادره.
  • تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
  • دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

فالقطاع الخاص يمثل المحرك الأساسي للإنتاج والاستثمار وخلق فرص للعمل في الاقتصادات الحديثة.

رابعاً: مدى تعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة

إن نجاح الإصلاح الاقتصادي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود مؤسسات قوية وشفافة.

ولذلك ينبغي تقييم الإصلاحات الاقتصادية في ضوء مدى مساهمة هذه الإصلاحات في:

  • مكافحة الفساد.
  • تعزيز المساءلة.
  • رفع كفاءة الإنفاق العام.
  • تحسين إدارة الموارد العامة.
  • دعم استقلالية المؤسسات الاقتصادية والرقابية.

فالإصلاح المؤسسي يُمثل أحد الشروط الأساسية لنجاح الإصلاح الاقتصادي.

خامسا: مدى تحقيق العدالة الاجتماعية

لا ينبغي أن تقتصر عملية الإصلاح على تحقيق التوازنات المالية أو تحسين المؤشرات الاقتصادية الكلية.

فالإصلاح الناجح هو الذي ينعكس إيجابياً على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم، ويحافظ على التماسك الاجتماعي.

ومن ثم ينبغي تقييم الإصلاحات الاقتصادية من خلال:

  • أثرها على مستويات المعيشة.
  • قدرتها على توفير فرص العمل.
  • حماية الفئات محدودة الدخل.
  • ضمان العدالة في توزيع الأعباء والمنافع.

سادساً: مدى قابلية الإصلاحات للتنفيذ

قد تتضمن بعض البرامج الإصلاحية أهدافاً طموحة، لكنها تفتقر إلى الآليات التنفيذية اللازمة لتحقيقها.

ولذلك ينبغي تقييم الإصلاحات الاقتصادية وفقاً لمدى:

  • وضوح الأهداف.
  • تحديد المسؤوليات.
  • وجود جداول زمنية للتنفيذ.
  • توافر مصادر التمويل.
  • إمكانية قياس النتائج ومتابعتها.

فالإصلاح لا يقاس بجودة الأفكار فقط، بل بمدى قابليتها للتطبيق على أرض الواقع.

سابعاً: مدى استدامة الإصلاحات

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يهدف إلى تحقيق نتائج مؤقتة، وإنما إلى بناء اقتصاد قادر على الاستمرار والنمو على المدى الطويل.

ولذلك يجب تقييم الإصلاحات الاقتصادية من حيث:

  • قدرتها على تعزيز الاستدامة المالية.
  • مساهمتها في تنويع مصادر الدخل القومي.
  • دعمها للاستثمار المنتج.
  • تطوير رأس المال البشري.
  • تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات المستقبلية.

الخلاصة

يتضح مما سبق أن تقييم الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يجب أن يستند إلى مجموعة من المعايير الموضوعية، من أهمها:

معالجة الاختلالات الهيكلية، وتحقيق التنويع الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير الحوكمة والشفافية والمساءلة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان قابلية التنفيذ، وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.

وتشمل هذه المعايير الأساس الذي سيتم الاعتماد عليه في تقييم الإصلاحات الاقتصادية الواردة بتقرير لجنة الحوار المهيكل، أو غيرها من الإصلاحات المقترحة الأخرى، وبيان مدى قدرتها على معالجة جذور الأزمة الاقتصادية، وتحقيق التحول الاقتصادي المنشود.

علماً إنني بصدد إعداد دراسة موسعة بعنوان: نحو إصلاح اقتصادي حقيقي في ليبيا – رؤية وطنية لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي -وربما يتم تغيير هذا العنوان – وستتضمن هذه الدراسة تقييم الإصلاحات الاقتصادية الواردة بتقرير لجنة الحوار المهيكل.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. محمود الزروق الشاوش

خبير مالي وأستاذ جامعي