انتخابات ليبيا

قرارات «الدبيبة» والبعد الاجتماعي للصراع في ليبيا

قرارات «الدبيبة» والبعد الاجتماعي للصراع في ليبيا

في مشهد الصراع الليبي يظهر بوضوح بانه هناك طرف سياسي مصمم على المضي في الحل العسكري، رغم كل التنازلات التي قدمت له تحت حجج التوافق، بينما هناك طرف سياسي آخر مستعد للسلام، وحقن الدماء، وهو طرف دفع ثمن باهظ للدفاع عن سيادة ليبيا وأمنها القومي أمام هجمة شرسة تشنها دول كبرى، وحليفاتها من بعض الدول العربية والجارة تريد أن تهيمن على ليبيا، وتنهب ثرواتها.

فرق كبير بين من يلوح بالحرب دائما ويعلن عدم خضوع الجيش المزعوم لأي سلطة، وهي تصريحات تعتبر بمثابة إعلان حرب، وبين من يعلن عن قرارات هي في حقيقتها إعلان عن ميلاد الحياة مجددا في وطن يحترق منذ أعوام، وطن راح عشرات الآلاف من شبابه ضحايا لحرب مدمرة.

في هذا المشهد يصبح وعي الناس وإدراكهم للحقائق هو طوق النجاة، حتى لا يُغرر بهم ويكونوا وقودا لحرب تقضي على مستقبلهم، ومستقبل أبنائهم، وعي الناس هو المنقذ لوطن في مهب الريح، وهو آخر حصون الدفاع عن وطن أصبح وجوده مهددا على خرائط الجغرافيا السياسية.

ما أن أعلن الدبيبة في احتفال اليوم العالمي للشباب في 12 أغسطس 2021م عن تخصيص مبلغ 1 مليار دينار لدعم الزواج للشباب، وتخصيص 1,7 مليار دينار قروض سكنية، حتى بدأت حملة انتقادات واسعة وغير مبررة، ولم تقتصر على عامة الناس، بل رأينا بعض النخب السياسية وهي توجه الانتقادات لرئيس الحكومة، وتدعي بأن قرارات الدبيبة إهدار للمال العام، وأنها تأتي في إطار طموحات رئيس الحكومة لخوض الانتخابات القادمة، وبالتالي فهي دعاية انتخابية مبكرة ومن أموال الدولة.

مجلس النواب الذي عرقل الحكومة في أداء مهامها بعدم منحها الميزانية اللازمة لذلك، قفز قفزة هائلة في الهواء دون أي اعتبار لمصالح الوطن العليا، قفزة بائسة تشبه الهروب الكبير إلى الأمام والتنصل من الاستحقاقات الوطنية، حيث طالب عدد من الأعضاء بسحب الثقة من رئيس حكومة الوحدة الوطنية، وما هي إلا أيام حتى أقدم مجلس النواب فعلا على سحب الثقة من رئيس حكومة الوحدة الوطنية في 21 سبتمبر عام 2021م، في جلسة غير قانونية، وبدون نصاب.

ما قام به مجلس النواب يؤكد بأن النواب قد أصبحوا في حالة من الانفصال التام عن هموم ومعاناة الشعب الليبي، بل إنهم قد خانوا الأمانة، وأصبحوا أداة طيعة في يد دول أجنبية لا تريد لليبيا الاستقرار.

لقد أحرجت قرارات الدبيبة أعضاء مجلس النواب، وأظهرتهم بمظهر سلبي أمام كل الليبيين، شعر أعضاء مجلس النواب بالقلق من قرارات رئيس حكومة ينحاز للشعب، وهم المتنعمين لأعوام طويلة بالثروة والمرتبات الضخمة والمزايا دون بقية الليبيين، وأدركوا بأن البساط سوف يسحب من تحت أقدامهم.

لهذا ما يقوم به أعضاء مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح من عراقيل لعمل الحكومة، وإرباك للمشهد السياسي، هو بلا شك مفضوح أمام كل الليبيين.

إن حجم الكارثة في المجتمع الليبي نتيجة الحروب والصراعات كبير جدا، وحان الوقت لأن تقف الدولة وقفة جادة لحل كثير من المشاكل، وتخفيف المعاناة على الشعب الليبي، حاضر الليبيين ومستقبلهم ومستقبل أبنائهم، والمصالح العليا للدولة الليبية، وأمنها القومي، أهم بكثير من بضعة نواب باعوا الوطن بثمن بخس.

عندما نقول “البعد الاجتماعي للصراع”، فإننا نقصد: الفاتورة الاجتماعية والإنسانية الباهظة نتيجة الحروب والصراعات، وهي فاتورة موثقة بالأرقام، والدراسات.

إن من يتمعن في فاتورة تكلفة الصراع في ليبيا سوف يكتشف بأن قرارات رئيس حكومة الوحدة الوطنية تصب في مصلحة الشعب الليبي، وأن الرجل قد وضع يده على جرح ينزف منذ أعوام في جسد الشعب الليبي المنهك من الحروب والأزمات، هنا يتضح أيضا بأن أولئك المنتقدين والمشككين قد جانبوا الصواب في مواقفهم، وحين توضع الأرقام في كفة، والانتقادات غير المستندة إلى حقائق في كفة، فإن الأرقام هي من لها الغلبة وبالأدلة والبراهين.

تحدثت الكثير من تقارير المنظمات الدولية عن حجم الكارثة في ليبيا نتيجة الصراع والحروب، في مارس عام 2016م، قال رئيس بعثة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في ليبيا ونائب المبعوث الأممي إلى البلاد علي الزعتري: “إن الأزمة الليبية تتجه نحو الأسوأ، وأن أي تدخل عسكري أو اقتتال داخلي بالأراضي الليبية سيفاقم من الأزمة الإنسانية فيها ويؤدي إلى مزيد من التشرد والدمار”، وأضاف الزعتري بقوله: “أنه تصله أسبوعيا من جانب منظمات غير حكومية، ومن الهلال الأحمر الليبي طلبات للتدخل الإنساني، وأن الموارد المالية المتاحة حتى الآن قليلة حيث وصل إليهم حتى الآن 4400 مليون دولار، بينما المطلوب حوالي 166 مليون دولار”، وأضاف الزعتري أيضا: “أنه هناك 435 ألف أو يزيد من النازحين داخل ليبيا، و250 ألف أو يزيد على الأغلب من المهاجرين أو اللاجئين القادمين من البلاد المحيطة بها، فضلا عن أكثر من مليونين و400 ألف محتاج للغذاء والعناية الطبية، وأنه من 650 ألف إلى 850 ألف مواطن ليبي يحتاجون إلى خدمات مياه وصرف صحي أفضل، وتقريبًا 97% من المحتاجين إلى مساعدة إنسانية بحاجة إلى حماية مجتمعية كافية”.

وفي ديسمبر عام 2017م صدر تقرير عن منظمة اكبس جاء فيه :”أنَّ الليبيين سيواجهون حالة إنسانية متدهورة في العام القادم، فليبيا من ضمن الدول التي من المتوقع أن تتفاقم فيها الأزمة الإنسانية في عام 2018م”.

يقول تقرير منظمة اكبس عن الأمن الغذائي وسُبل المعيشة في ليبيا: “أن التأثير السلبي للصراع المسلح على الاقتصاد الليبي سيستمر، والضرر الأكبر سيظهر على الأعمال التجارية، وعمليات شراء وتوزيع المواد الغذائية داخل الدولة، إن أبرز المشاكل ستكون نقص السيولة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والغير غذائية، سُبل عيش المواطنين ستزداد صعوبة خصوصاً مع توقعات زيادة انخفاض قيمة الدينار الليبي بالسوق السوداء”.

وتحدث تقرير منظمة اكبس عن الصحة في ليبيا ، حيث جاء في التقرير عن الوضع الصحي: “سيكون الحصول على الرعاية الصحية اللازمة للأشخاص مصدر القلق الأكبر في ليبيا لعام 2018م، وسيزداد الأمر سؤ في المناطق المتضررة من النزاع، أهم التحديات التي ستواجه القطاع الصحي تشمل النقص الحاد في الموارد البشرية والإمدادات الطبية، درنة وجنوب ليبيا ستكون أكثر المناطق تضرراَ بسبب عدم توفر الموارد والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات، بِالنسبة للمهاجرين في مراكز الاحتجاز القانونية وغير القانونية سيكون الحصول على المساعدة الصحية مشكلة كبيرة وهذا قد يؤدي إلى انتشار الأمراض المتصلة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الشخصية وهي بلا شك تهديد للصحة العامة ومصدر خطر حقيقي”.

هذه التقارير الدولية ظهرت قبل عدوان حفتر على طرابلس في 4 أبريل عام 2019م، وهو عدوان تسبب في كوارث للدولة الليبية، وزاد من معاناة الليبيين، وأصبحت تكلفة الصراع ضخمة جدا.

بعيدا عن تقارير المنظمات الدولية فإننا سنتحدث عن تقاريرنا ودراساتنا نحن الليبيين، وما بها من أرقام ومؤشرات وحقائق مؤلمة بشأن الوضع السكاني.

قد لا يعلم كثير من الليبيين بأن الوضع السكاني حرج جدا، وأن المؤشرات السكانية مقلقة، ليس فقط منذ عام 2011م وما تلاه من أحداث وحروب وصراعات، بل قبل ذلك في عهد معمر القذافي نتيجة للسياسات الجائرة التي اتبعها، فقد شهد معدل النمو السكاني انخفاض مستمر.

في تعداد السكان لعام 1954م، بلغ معدل النمو السكاني 2.7%، وفي تعداد عام 1964م بلغ معدل النمو السكاني 3.8%، وفي تعداد عام 1973م بلغ معدل النمو السكاني 3.4%، وفي تعداد عام 1984م بلغ معدل النمو السكاني 4.2%، وفي تعداد عام 1995م بلغ النمو السكاني 2.8% ، وهذا يعني تراجعا في النمو بما يوازي 1.4% عن التعداد السابق، في تعداد عام 2006م بلغ معدل النمو السكاني 1.83%، وفي المسح السكاني عام 2012م بلغ معدل النمو السكاني مستوى كارثي بكل المقاييس، حيث بلغ أقل من 1%.

بعض الدراسات السكانية تؤكد بأن المجتمع الليبي سوف يظل فتيا إلى عام 2030م، حينها يبدأ المجتمع في الشيخوخة، ونحتاج إلى استجلاب العمالة من الخارج.

هذه الدراسات لم تأخذ في الاعتبار حرب التحرير في عام 2011م ، وما تلاها من حروب وأزمات وصراعات، نتج عنها الآلاف من القتلى والجرحى، ومبتوري الأطراف، والمهجرين والنازحين.

وأكثر الدراسات السكانية تفاؤلا كانت تتوقع بلوغ سكان ليبيا عدد 11 مليون نسمة في عام 2040م، وهي أيضا دراسات لم تأخذ في الاعتبار حرب التحرير في عام 2011م، وما تلاها من أحداث.

وإذا أخدنا في الاعتبار معدل البطالة المرتفع في ليبيا الذي يتجاوز 20% وفق بعض الدراسات، ومستوى الفقر، وحالات الطلاق في المجتمع الليبي، وآلاف الشباب الليبيين الذي قتلوا نتيجة الحرب منذ عام 2011م، ومن الطرفين باعتبار أننا جميعا ليبيين بغض النظر عن الخلافات السياسية، فإنه يمكن القول بأن حجم الكارثة في ليبيا كبير جدا، وأن تكلفة الصراع باهظة جدا، وأن الدولة الليبية تفقد أهم عنصر من عناصر قوتها الإستراتيجية وهو السكان.

في يونيو عام 2015م وفي أثناء انعقاد ندوة عن الانقسام السياسي في ليبيا، قدمت الباحثة  ماجدة العربي، ورقة بعنوان: “تعقب مخاطر الانقسام السياسي على النسيج الاجتماعي ومناقشة آليات معالجته”، جاء في تلك الورقة: “ترك الانقسام الداخلي آثارا على كل الليبيين، إنما الأثر الأكثر ألما كان على الأسرة، ففي الحروب وإن نجت من زخات الرصاص والقنابل فلن تنجو من الفقد للزوج أو الابن أو الأهل، فقد خلفت الحرب الداخلية شريحة كبيرة من الأرامل كما تركت على عاتقهن يتامى وجراح من الصعب اندمالها، وتركت أحقادا قصرت مؤسسات المجتمع في احتوائها وعلاجها، ووقعت نتيجة لذلك في دوامة المؤيد والمعارض لتيارات سياسية متضاربة تغيب عنها المبادئ والرؤى الراسخة، وجدت الأسرة الليبية نفسها موجهة للانشقاق والتمزق، فانتشرت ظاهرة التفكك الأسري بصورة لم تشهد لها ليبيا مثيل سابقا”.

في عام 2015م ، وفي رسالة ماجستير عن ظاهرة الطلاق في المجتمع الليبي  للباحثة ليلى بدة، بعنوان “العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية المؤدية لظاهرة الطلاق”،  جاء فيها: “ارتفاع حالات الطلاق من 1444 حالة في عام 2000م إلى 4706 حالة في عام 2014م “، وأظهرت دراسات أخرى ارتفاع حالات الطلاق في المجتمع الليبي إلى معدلات خطيرة.

كل ما سبق يؤكد وبالأرقام، وبعيدا عن المواقف الارتجالية، والانتقادات غير المبررة، يؤكد بأن قرارات رئيس حكومة الوحدة الوطنية بمنح قروض للشباب، وحل المشاكل التي يعاني منها مهجري بنغازي والمنطقة الشرقية، وزيادة مرتبات المتقاعدين، والإعلان عن مشروع “إعادة الحياة” لإحياء مشروعات التنمية في شهر أكتوبر، وغيرها من القرارات، كل ذلك يصب في مصلحة شعب منهك من الحروب والأزمات، وأي حديث غير ذلك هو استهانة بمعاناة الليبيين، ولأهداف سياسية ضيقة.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

محمد عمران كشادة

صحفي وباحث ليبي

اترك تعليقاً