كورونا ووهان يُهدد العرب

بعد مائة عام بالضبط قفز اسم كورونا من ضفة الاشتهاء والتمني التي كان يعسكر عليها رفقة أطفال مصر من سنة 1919 حتى 1963، حينما كانت كورونا أشهى وألذ ما يمكن للمصريين أن يشتهوه من أنواع الشكولاتة، إذ كانت كورونا تتربع على رأس هرم أماني أطفال مصر بالأمس الذين صاروا عجائز اليوم، ولازالت مشاعر الاشتهاء تقفز بداخلهم كلما مر اسم كورونا بحديث، أو ذكر اسم  “تومى كريستو” مالك شركة كورونا ولو بأطراف حديث بوزارة الاقتصاد أو محاضرة بكلية التجارة.

دندنة الفرح والسعادة المؤقتة التي كانت تتراقص على شفاه الأطفال المصريين  حينما يعانقون كورونا، انقلبت إلى غناء شجي يطلقه الصينيون من نوافد بيوتهم في ووهان، وذكريات التلذذ التي كانت تتقافز حول اسم كورونا تحولت إلى فزع وألم!.

حصلت الدكتورة “إيريكا بيكرتون” رئيسة أبحاث فيروس كورونا في معهد بيربرايت بالمملكة المتحدة، بمشاركة “سارة كيب” و “بول بريتون” على براءة اختراع فيروس كورونا “US10130701B2” الذي يسبب التهاب الشعب الهوائية المعدية (IBV) للدواجن وليس البشر، فمصطلح “فيروس كورونا” يشير إلى مجموعة من الفيروسات وليس إلى سلالة واحدة فريدة من نوعها، أما فيروس كورونا الجديد” 2019-nCoV ” الذي انتشر في ووهان الصينية عاصمة مقاطعة هوبي التي يسكنها أكثر من 11 مليون نسمة، والتي تعد مركزاً لشركات صناعة السيارات وشركات الحديد ويشكل اقتصادها نسبة 1.6% من إجمالي الناتج المحلي الصيني، أي ما يقدر بنحو 214 مليار دولار، فهذا الفيروس لم يكن معروفا من قبل أو متوقعا، ولعله نوعاً متطوراً من نوع آخر للكورونا.

الكورونا الجديد يلفه الغموض، فقد يكون استراتيجية سوداء اتبعها الرئيس الصيني “شي جين بينغ” لاستعادة السيطرة على المشاريع الكبرى، ومصانع ومعامل إنتاج التكنولوجيا والكيماويات التي تمتلكها شركات ومستثمرين من أوروبا وأمريكا، فقد انخفضت أسهم هذه المشاريع والشركات إلى أدنى درجة في البورصة بسبب فيروس كورونا الجديد، مما أتاح للحكومة الصينية شرائها بأثمان بخسة، وإعادة ملكيتها ومكاسبها وأرباحها إلى الخزينة الصينية، وخروج المستثمرين من الصين يمثل دعم لليوان الصيني أمام الدولار الأمريكي، فسيمتلك البنك المركزي الصيني قدرة إضافية على التحكم بعملته المحلية ورفع قيمتها، وقد تكدست بسبب انهيار الأسهم وخسائر البورصة التي بلغت نصف تريليون دولار ومغادرة المستثمرين والشلل الاقتصادي الذي أصاب الصين أكثر من 20 مليار دولار أمريكي في الخزينة الصينية خلال يومين، هذه الأرباح الاقتصادية التي تكومت بعد ظهور الكورونا الجديد تدفع إلى شكوك كبيرة باتجاه سياسات الصين الاقتصادية، وتخوف من هيجان قريب وعنيف للتنين.

إن لم  يكن فيروس كورونا الجديد استراتيجية صينية سوداء، فإن ذلك يعني حدوث كارثة اقتصادية عالمية، وقد ترتفع خسائر الاقتصاد العالمي إلى أكثر من  160 مليار دولار أمريكي، وربما سيتمنى الرئيس “شي جين بينغ” لو كان عدد الصينيين 22 مليون فقط، ليتمكن من حجز كل مليون في مقاطعة ويرتاح، فتكاليف مكافحة وباء في الصين ستكون مرتفعة جداً، و حجز 0.185 من سكان العالم ستكون له آثار وخيمة على الاقتصاد والسياسة الدوليين، وتبدو عودة الإسكندر المقدوني لاستئناف عمله ورفع سور الصين إلى عنان السماء لمنع الملاحة الجوية أمر جنوني، فإغلاق روسيا وكازاخستان حدودهما البرية مع الصين أمر رهيب، وتعليق أو تقليص رحلات شركات طيران عالمية إلى الصين مثل شركات “إير فرانس” الفرنسية و”بريتيش إيرويز” البريطانية و”لوفتهانزا” الألمانية، وشركة “إيبيريا” الإسبانية و”ليون إير” الإندونيسية والخطوط الجوية الأوكرانية الدولية وشركة “سكاي أب” الأوكرانية، و”إير أوسترال” الفرنسية وشركة “أورال إيرلاينز” الروسية وشركات الخطوط الجوية الإيطالية والخطوط الملكية المغربية، وشركة “كي إل إم” الهولندية و”يونايتد إيرلاينز” الأمريكية و”كاثاي باسيفيك” و شركة “فين إير” الفنلندية وشركة “إل عال” الإسرائيلية، يؤكد انتشار الأزمة الاقتصادية في أغلب بلدان العالم، فقد تضررت أكثر من 2500 شركة عالمية من انتشار فيروس كورونا الجديد، وشرعت بعض الشركات العملاقة بإغلاق فروعها العاملة بالصين مثل شركات آبل و جوجل وستاربكس وماكدونالدز، فكورونا ووهان نال من الجميع فلم تسلم منه التكنولوجيا أو الأغذية أو الطيران أو الملابس أو السياحة أوالسينما.

الدول العربية متضررة ولكنها صامتة أو لا تدري بتضررها، فالاقتصاد العربي عموما ناله بعض الركود بسبب انتشار فيروس كورونا في الصين، إذ أن أغلب الأسواق العربية تعتمد على البضائع الصينية وشركات الاستيراد شكلت على مدى عقود ذائقة منخفضة للمستهلك تتناسب مع البضائع الصينية الرخيصة، لذا ستشهد الأسواق في المنطقة ارتفاع للأسعار بسبب زيادة التكلفة، فحجم التبادلات العربية مع الصين كبير، وارتباط أقوى الاقتصادات العربية بالاقتصاد الصيني مشيمي ووثيق، إلى جانب تواجد العديد من الشركات الصينية في كامل المنطقة العربية، بالإضافة إلى وجود نشاط مهم لرأس المال العربي في البورصة الصينية وتجارة المعادن الثمينة.

كورونا ووهان سيجبر المستثمرين والتجار العرب على تغيير وجهتهم إلى بدائل جديدة عن الصين، ولن يكون الخيار سهلاً في وجود التوترات السياسية وحالات النزاع الإقليمي، فالخيار التركي تحوطه محاذير سياسية كثيرة، والخيار الإيطالي يستوجب تغيير كبير لأنواع ومستوى السلع وأسعارها، والخيارات الأوروبية الأخرى والأمريكية والروسية ستكون مرتفعة التكلفة، وتذليل الصعاب وإدارة الأزمات يحتاج إلى إدارات اقتصادية قوية للشركات وكذلك للحكومات، لذا لا شك أن الكارثة التي تواجهها الصين ستنزل على رؤوس العرب مباشرة فليس لهم ما يقيهم عنفها أو يحجبها عنهم، فالاقتصادات العربية بلا استثناء اقتصادات ريعية والحكومات العربية مفرغة من القدرات الاقتصادية الفذة، وعمومها حكومات أقوال ولوك حديث لا أكثر.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

التعليقات: 1

التعليقات مغلقة.

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.

اترك تعليقاً


عين ليبيا على بريدك الخاص

احصل على النشرة الأسبوعية مباشرة على بريدك الإلكتروني الخاص

أرسل إلى صديق