لماذا تجاهل د. علي الصلابي أهم حقيقة في شخصية أبوبكر الصديق رضي الله عنه؟

د. عثمان زوبي

كاتب ليبي.

عندما نتحدث عن الشخصيات العالمية والمعروفة بين عظماء العالم انما نفعل ذلك ليستفيد القارئ في حياته من الجوانب المضيئة في حياة تلك الشخصية والتي ميزتها عن غيرها، وليس الغرض من ذلك عرض سيرة تلك الشخصية بكونها كائنا بشريا مثلا: من أحب ومن أحبه، ومن كره ومن كرهه، ومن عاشر ومن ابتعد عنه ، ومن مدح ومن مدحه، …الخ من الأمور التي لا تكون ذات قيمة إلاّ بما تشبعه في نفس القارئ من نوازع حب الاستطلاع البشري الذي يزول أثره بمجرد الانتهاء من القراءة.

وحتى تكون الكتابة عن تلك الشخصية ذات قيمة ونأثير كبيرين على ذهنية القارئ ونفسيته يتطلب الأمر من الكاتب أن يتمتع بالرؤية الثاقبة في ابراز أهم مكونات تلك الشخصية ، والأحداث التي مرّت بها، وأظهرت نوعية المعدن الذي بنيت منه تلك الشخصية، وكذلك إسهاماتها في تشكيل الحياة من حولها. زد على ذلك أن يتحلّى الكاتب بالأمانة والموضوعية في نقل الصورة والحدث وكأنهما واقع تجمّد في صورة مصور بارع.

والحديث عن أهم شخصية اسلامية بعد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام وهو أبوبكر الصديق حديث تعشقه النفس، وتطرب له خوالج الوجدان ، وتستثار له أوتار الإنفعالات بحساسية لذيذة تدغدغ القلب وتنعشه، وتنشط به منبهات العقل والتفكر وهي تتفاعل مع ما توحي به تلك الشخصية الفذّة من إلهام ورؤى.

فأبوبكر الصديق ليس شخصية عادية في التاريخ الإسلامي، فهو من وجهاء مكة قبل البعثة وبعدها، ومن أول من أسلم، وأول من صدّق، وصاحب الرسول في الغار بشهادة القرآن، ورفيق هجرته في رحلة الصبر وقوة الايمان، كما كان أبوبكر تاج الصحابة قربة من رسول الله؛ وخليله في كل قراراته، وغزواته، وهمومه، وقد كان أبوبكر الصديق معروفا بين الصحابة بكمال الشخصية في العقل، والتدبر، والفطنة، والاخلاص لله ورسوله، والشجاعة في الفعل حين يشتد الخطب ويلزم الحسم، وتمتع رضي الله عنه برحمة في القلب ورقة في العاطفة تستجيب لكل ضعف انساني بالأثرة المفرطة والدموع الهادرة، وفي وصف هذا الخصائص أجاد د. الصلابي وأوفى.

ولكن ما نسيه د. الصلابي أو تناساه (كما فعل ويفعل جميع عشاق فقه الحديث) في عرض هذه الشخصية المباركة والملهمة هو الموقف العظيم الذي وقفه أبوبكر الصديق وهو يخلف رسول الله في إرساء دعائم العقيدة الصحيحة، وتوحيد الأمة الاسلامية، ووقايتها من الفتن والمندسين من الكفرة والمنافقين بمنع كتابة أحاديث الرسول وسيرة حياته مطلقاً، ليس هذا فقط؛ بل انتزع من الصحابة كلّ ما كتبوه من أحاديث وأحرقها، وقال قولته التي تفيد (عليكم بكتاب الله)، وهو بذلك يؤكد على أن القرآن بما يحتوية من (6236 آية) فيه تفصيل لكل شيء، وهو ما أشار اليه القرآن في آيات كثيرة، والذي تعهد الله بحفظه، والذي أجمعت عليه الأمة، فأبوبكر بحسه الثاقب عرف أن أي شيء غير القرآن سيكون مدعاة للانقسام والفتنة والفرقة والصراع ذلك لأنه من عند غير الله وما دام من عند غير الله فانهم سيجدون فيه اختلافا كثيرا. وهذا هو ما قاله الله في كتابه ، ومن أصدق من الله قيلا.

ولما حكم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سار على نفس منهج أبوبكر الصديق بمنع كتابة الأحاديث ، وحرق ما وجده منها، وضرب كل من سوّلت له نفسه فعل ذلك وقال بان القرآن فيه كل مايريده المسلمون من مبادئ وأحكام تشرح لهم كيفية حياتهم الدنيا : عقيدة، وسلوكا، وسياسة وحكما، وتسيير أمورهم مع المسلمين وغير المسلمين.

ولم يستطع أحد في الماضي، ولا يستطيع أحد اليوم أن يدّعي بأنه أكثر فهما للقرآن، وأكثر فهما لرؤية الرسول الى الإرادة الالهية في منهج الدين، والغايات والضوابط التي تنظم ذلك في حياة المسلمين من أبوبكر وعمر. رب واحد، وكتاب واحد، وسنة نبوية عملية طبقّها عليه الصلاة والسلام في حياته ؛ لاخلاف عليها بين المسلمين من بعده ، وهي تخص جانب العبادات في الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وأصول الحكم.

وما عدا ذلك من شؤون المعاملات بين العباد وأمور الدنيا والمعاش وتفريعات شؤون الحكم فهو مشروح في القرآن على أساس مبادئ وتفصيلات واضحة لم تترك شيئا.

ولذلك سارت الأمة الاسلامية قرنين من الزمان بعد ابوبكر وعمر واحدة في عقيدتها، واحدة في رايتها، واحدة في انتصاراتها. عصفت بها الرياح بين الفينة والأخرى خلال تلك الفترة ؛ ولكن قربها الزمني والقيادي من منبع الايمان وسيطرة الصادقين على الأمور جعل تلك العواصف والرياح ضعيفة التخريب والتدمير.

ولكن عندما بدأت كتابة الأحاديث في نهاية القرن الثاني الهجري ، وخالف المسلمون (بل خالف من ادعوا أنهم علماء مسلمون) وصية أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب بعدم كتابة الأحاديث والاعتصام بالقرآن فقط ؛ ظهرت الفرقة، والطائفية بين المسلمين، وهكذا صار المسلمون 73 فرقة بدل فرقة واحدة، وصار الإخوة أعداء، وتقاتل المسلمون في ما بينهم في حروب دامية تشيب لها الولدان. وتركت هذه الفرق الطائفية ال 73 ( القرآن ) وراء ظهورهم (كما فعل اليهود والنصارى مع كتبهم)، وصار المسلمون يتكلمون ويشتبكون في حروب حول أحاديث منسوبة للرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم مصداقيتها إلاّ الله، وباختصار: توقف المسلمون عن فهم القرآن، وتفسير القرآن، والتأمل في القرآن لاستنباط الأحكام التي ترسم طريق الامة الاسلامية في عالم يتطور ويتجدد كل يوم.

وكثر في الأمة فقهاء لا يفقهون الا الأحاديث، ومراكز مدعومة من سلاطين ودول تشجعهم على هجر القرآن إلى أحاديث من صنع الانسان ما أنزل الله بها من سلطان. وهكذا ترك أغلب المسلمين القرآن على الرفوف ؛ وصاروا يتخاصمون في جدل عقيم حول أحاديث تمت كتابتها بعد مائتي سنة من وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ودخل بينهم أعداؤهم الذين يتظاهرون لهم بالاسلام وهم يخرّبون الاسلام بما يأتون به من أحاديث وأقوال وأحداث وصفات لا يعلم الصحيح منها والمكذوب الاّ الله تعالى. ولا زال التائهون من الرواة واصحاب العنغنات الى اليوم يخوضون في بحر (ليس هو من عند الله ؛ ولذلك وجدوا فيه اختلافا كثيرا).

وهكذا أنفقت الأمة الاسلامية 12 قرنا من الزمان وهي في جدل عقيم لا يحمي عقيدة، ولا يقيم صرحا، ولا يمنع تخريبا وخلق المتحذلقون من بينهم علوما تناقش مسائل وأمورا وبدعا ضررها على الاسلام والمسلمين أكثر من نفعها بل هي كانت الى السخرية، والسفاهة، والثرثرة، والى ما يغضب الله أقرب جاءوا هم وأتباعهم من الساذجين والمفسدين بأقوال تهدم أركان الدين، وتفرق شمل المؤمنين، وتكذب على الله ورسوله بحجج كثيرة سيفتقدونها يوم هم وشركاءهم على النار يفتنون جزاءا نكالا بما كذبوا على الله ورسوله.

فلو أن المسلمين أخذوا بما آمن به، وأمر به، ونصح به أبوبكر الصديق وعمر بن الخطاب الفاروق في منع تداول الأحاديث ومنع الاحتكام بها (للشك في صحة بعضها) لكان المسلمون اليوم أمة واحدة منهجها القرآن، وسنة النبي العملية الواضحة بالتطبيق العيان فأي إيمان صادق، وإخلاص لله ورسوله هذا الذي أظهره الخليفتان ابوبكر وعمر لحماية دين الله من الإفتراء والبهتان، فاعتبروا يا أولي الأبصار، ولا حول ولا قوة الاّ بالله.

الأحدث الأقدم الأكثر تصويتاً
نبّهني عن
محمد

نصف المقال كذب في كذب…. يعني علم الحديث علم أناس دجالين .. يعني علماء الأمة الذين دونوا الحديث والذين أخذوا عنهم إلى يومنا هذا في ضلال وأنت المصيب. لا حول ولا قوة إلا بالله

محمد علي المبروك

الاستاذ عثمان زوبي احسنت واصبت بهذا المقال المفيد ،

عبدالحق عبدالجبار

هل يستطيع كذاب ……..الكتابة عن الصديق بحاله !!!!!!!