ليبيا بين مخرجات الحوار المُهيكل والحل الأمريكي

ليبيا بين مخرجات الحوار المُهيكل والحل الأمريكي

د. عيسى بغني

أكاديمي مهتم بالشأن الليبي

منذ أيام نشرت البعثة الأمامية تقريرها النهائي حول مخرجات الحوار المُهيكل الذي انطلقت أول جلساته في 24 ديسمبر 2025م، وكان الاجتماع الختامي له في 7 يونيو 2026م، وهو ضمن خطه البعثة الأممية لمعالجه إشكالية التشظي السياسي المستمر في ليبيا، بعد صدور توصيات اللجنة الاستشارية المكونة من عشرين عضوا، والتي نتج عنها قرار مجلس الأمن رقم 2796 لسنة 2025م.

تزامن مع نشر مخرجات الحوار المُهيكل، الإعلان عن مشروع استقرار ليبيا الصادر من الإدارة الأمريكية ومبعوثها الخاص مسعد بولس، بعد مداولات كثيره مع الغرب والشرق الليبي ومع دول مجموعه برلين (السيئة السمعة والتي تتعارض مصالحها مع أي توافق ليبي منذ 2022 إلى الآن).

الحوار المُهيكل تم تنظيمه إلى أربعة مجموعات تتناول أربعة محاور منها الحوكمة، والحكم المحلي، والأمن، وحقوق الإنسان، وتقريره النهائي طويل ومفصل يقع في 120 صفحة بأربعة ملاحق، ومن اهم هذه المحاور محور الحوكمة الذي يحدد المسار السياسي لتغيير السلطة التنفيذية، والمجلس الرئاسي، وسن قوانين الانتخابات، وتنظيم المفوضية العليا للانتخابات، وإصدار القوانين الانتخابية، وتغيير المناصب السيادية، وأخيرا الاستفتاء على دستور جديد والذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية تبعا للدستور الجديد، وهو ما يسمى الوصول بالدولة إلى وضع الاستقرار. أما المحور الاقتصادي فهم دراسة معمقة للوضع الاقتصادي الليبي المتردي وسيناريوهات انهيار أو تعافي الدولة باتباع سياسات قاسية خلال السنتين القادمتين، والذي سنفرد له مقال خاص به.

كانت مخرجات الحوار أن يكون هناك مجلس رئاسي جديد له رئيس ونائبين، بحيث يكون الرئيس من إقليم والنائبين من الأقاليم الأخرى، وتكون مهام رئيس المجلس محددة مثل تمثيل الدولة والقيادة العليا للجيش واعتماد الميزانية المقترحة من رئيس الحكومة وتعيين المباشر لوزيري الخارجية والدفاع. أما إعلان الحرب أو النفير العام فإنه يتطلب أن يكون من المجلس الرئاسي كاملا.

في حين أن مشروع مسعد بولس يختلف من حيث وجود رئيس مجلس رئاسي ومعه ثلاثة نواب كل واحد منهم عن إقليم، (وهو نكوص آخر إلى نظام الأقاليم الذي ينادي به ممثلو المنطقة الشرقية) وللرئيس مهام محددة، كما في الحوار المُهيكل، ونواب الرئيس مهمتهم الإشراف المباشر عن الخدمات والتنمية في أقاليمهم.

بالمثل أشار الحوار المهيكل إلى تكوين حكومة موحدة عمرها من 18 إلى 24 شهرا لا تمديد لها، ومرجعيتها المادة 64 من الاتفاق السياسي لسنة 2015م وأنها تشكل بمشاركة واسعة من الليبيين من كل الفئات، في حين أن مشروع مسعد يرتكز على التفاهمات الشخصية بين ممثلو الحكومتين في الشرق والغرب الليبي بروما منذ اشهر.

الحوار المُهيكل يعبر عن آمال الليبيين في حل مشاكلهم، وكما أفاد التقرير انه لا يعبر عن رؤية البعثة الأممية بل رؤية المشاركين، حيث إن البعثة ليست لها أسنان لتنفيذ ما توصلت إليه، إن وافقت أم لم توافق، وهنا يأتي الدور الأمريكي الذي يمزج مصالحه الخاصة مع مقتضيات الأمر الواقع لتثبيت الاستقرار ومنع الحرب ولو كان على حساب أعراف التداول السلمي للسلطة والحكم الرشيد بتبني سياسة الأمر الواقع.

يبرز مقترح الإدارة الأمريكية على يد مسعد بولس بترجمة بنون الحوار المُهيكل على أسس الواقعية المؤلمة الممثلة في القوة على الأرض وليس العدالة والنزاهة والديمقراطية، ويعطي الحوار المهيكل سند قانوني للإدارة الأمريكية فتقترح برنامج طويل المدى للوصول إلى حالة الاستقرار الدائم، بعدة محطات متتابعة على مدى خمسة سنوات لمنع نشوب الحرب على اقل تقدير وربما الوصول إلى الهدف المنشود أن اجتاز البرنامج كل العقبات، ومن هذه المحطات ما يأتي:

مع نهاية أكتوبر 2016 يتم انعقاد السلطة التنفيذية الموحدة في سرت، بعد أن يتم تشكيلها بالتوافق بين اللجان 2+2 والمجموعة 4+4 ، وهي في مجملها تفاهمات بين عائلة حفتر ممثلة للشرق الليبي وعائلة الدبيبة ممثلة للغرب الليبي.

في يوم عيد الاستقلال 24 ديسمبر 2026م يتم التصويت على منح الثقة للحكومة من البرلمان واعتماد التعيينات السياسية للمناصب العليا، وبذلك يكون هناك حكومة موحدة تستمر حتى سنة 2032 م حين تنتخب الدولة برلمان جديد يعتمد حكومة جديدة.

في نهاية يوليو 2028 م يتم انتخاب برلمان مؤقت يتولى استكمال المسار الدستوري بموجب القانون 10 لسنه 2014 الذي ينشئ لجنه لصياغه الدستور بعد انعقاد جلساته الأولى، وبذلك يسدل الستار عن البرلمان الحالي الذي اهلك الحرث والنسل لأربعة عشر عاما.

يخصص العام 2030 م لإجراء استفتاء على الدستور الجديد ذو نظام حزبي ديمقراطي يتداول فيه الليبيون على السلطة. وأخيرا خلال عام 2032 م يتم إجراء انتخابات برلمانيه ورئاسيه متزامنة وفقا للدستور الجديد.

ما هو مخيب للآمال في مشروع الإدارة الأمريكية، أن المدة الزمنية ستكون طويله جدا بين الوضع الحالي والوصول إلى انتخاب السلطة التشريعية على أسس الدستور الدائم، وخلال هذه الفترة ستعمل الحكومة على تثبيت أركانها لمنع أي انتخابات ستزيلها من السلطة، فهناك 19 شهرا بين منح الثقة للحكومة وانتخاب برلمان مؤقت جديد وهناك سنتان لتجهيز دستور دائم وهناك سنتان لتجهيز للانتخابات الرئاسية.

الخلاصة أن بداية تنفيذ المقترح الأمريكي ممكنا باستعمال التهديد بالعصا الغليظة، ولكن الوصول إلى الحل الدائم فهو محفوف بالكثير من العقبات.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

د. عيسى بغني

أكاديمي مهتم بالشأن الليبي