ليبيا: فكر أزمة وأزمة فكر..!

ما يفكر فيه دييغو أرماندو مارادونا بعقله يفعله بقدميه، لذا كان ومازال وسيظل ظاهرة واستثناء، يصعب على أي امرأة في الأرجنتين أو سواها أن تنجب مثله، حتى وإن كانت «دونا توتا» السيدة دالما سلفادورا فرانكو التي أخرجته من رحمها بآخر أيام أكتوبر 1960، لتضعه برحم فقر ضاحية لانوس جنوب بوينس آيرس على رأس ثلاث بنات، إن السيدة  دالما فرانكو ذاتها لم تستطع تكراره رغم رغبتها.

أن تطبق ما تفكر فيه وتجعله واقعاً هذا ما لا يمكن لأحد ” منطقياً” أن يفعله عدا دييغو مارادونا، وإن كان بإمكان أي صاحب قدمين معوجتين كلاهما يسار أن يجلس بالمدرجات ” التريبونة”، ويشتم مارادونا أو سواه من نجوم اللعبة الواقعيين الذين يتصببون عرقا،ً ويحترقون لتحقيق أفخر وأروع  أداء ممكن، ويسرف في سبابهم إذا ضاعت فرصة أو ركلة جزاء..!

ربط العقول بالأقدام ضرورة في كل حال ومكان، وفي ليبيا فرض على كل عاقل برئ من اللاوطنية، لم يسرق ولم يختلس ولم يمارس سلطة خارج صلاحياته، ولم يتفرعن ويضع قدمه على رقبة أخيه ولم يهرب بنزين أو أفارقة، ولم يتقول ويدعي المعرفة وهو مصاب بأنيميا التلقي والحوار والتحليل، عدا عاهة أميته الإدارية وتصحره القانوني وبدائيته الفكرية، والربط وحده يمكن أن يخرج الليبيين من مآسي التخبط التي يبتكرها بعضهم المستفيد ليثقل بها بعضهم المهيض.

حدث وارتبطت في ليبيا العقول بالأقدام كما يحبذ، ولكنها أوثقت فكرياً برباط مقدس سرمدي إلي سارية الماضي وجعلته محورها ومرجعيتها، وصارت  تدور في فلكه وحوله مغمضة دون تبصر أو وعي، كما يدور جمل المعصرة أو ثورها معصوب العينين حول عمودها، ويسير بجهد وأناة يومياً عشرات الأميال، ليفجا حينما ترفع عصابته أنه يدور بمكانه دون أن يتقدم عن نقطة انطلاقه قيد أنملة، إن ما يحدث لجمل المعصرة أو ثورها يحدث في ليبيا بذات التفاصيل، إلا أن جهد الجمل أو الثور لا يذهب هباءً كما تذهب جهود الليبيين، والجمل أو الثور مجبران على الدوران في حين يدور الليبيون طايعين مكابرين متمسكين بالفشل عاكفين على العناد مدمنين للتغافل، غير مكثرتين بزمن وقيم وثروات وأنفس تهدر بعبث.

الليبيون أزمتهم الفكر وفكرهم أزمة، ولدوا في أزمة فكرية كانت تنتظرهم قبل حضورهم، وتورطوا في اتجاه فكري مملوء بالأشواك واللايقين، لم ولن يستطيعوا الفرار منه أو مغادرته، ما لم يغيروا خرائطهم الفكرية، ويبحثوا عن وجودهم مع الآخرين وبهم، ويلعنوا العداء جهارا،ً ويلتحقوا بوعي وعزم على البناء والانتماء بعصرهم الذي هم فيه فكرياً..!.

بعدها بألف عام بعدها، قد يولد في ليبيا “ميني مارادونا” في أحدى مجالات الحياة، أي يولد من يفعل ما يدور بعقله من أجل مصلحة الوطن ولأجل رفعته وتمييزه..!