ما يُروج له البعض حول “جاهزية القوي” أمام الإدارة الأمريكية يطرح تساؤلاً جوهرياً ينسف هذا المنطق من أساسه: منذ متى كانت التقارير الدولية التي توثق الجرائم والانتهاكات صكوكاً للجاهزية والقيادة؟.
إذا كانت واشنطن قد “عرفت القوي” من خلال وسطائها، فهل قررت فجأة تجاهل معيار القوة في القانون الدولي وكذلك تقارير لجنة الخبراء بمجلس الأمن التي وثقت بالأسماء والتفاصيل تورط هؤلاء “الأقوياء” في ملفات فساد، وانتهاكات حقوقية، وزعزعة للاستقرار؟ هل أصبح السجل الحافل في تقارير الإدانة الدولية هو “السيرة الذاتية” المطلوبة للتمثيل السياسي؟
فعقيدة القوي الأمين تاريخياً وأخلاقياً، القيادة تُبنى على قاعدة “القوي الأمين”؛ القوي في الحق، والأمين على مقدرات الناس. لكن ما نراه اليوم هو محاولة لشرعنة “القوة” التي تلتهم حقوق الليبيين، حيث تتبخر “1.4 مليار دولار”من إيرادات النفط في شهر واحد تحت غطاء هذه القوة. فهل “الأمانة” سقطت من حسابات “الجاهزين والمستعدين”؟
إن محاولة تصوير من وردت أسماؤهم في صفحات التجاوزات الدولية على أنهم “خيار أمريكا” هو إهانة للشعب الليبي قبل أي طرف آخر. هل تريد واشنطن شريكاً “قوياً” يبني دولة، أم وكيلاً “مستعداً” تلاحقه التهم القانونية لسهولة الضغط عليه وتوجيهه؟
من يبني شرعيته على أساس أنه “الرجل القوي” في نظر الخارج، بينما تلاحقه تقارير الخبراء في الداخل، هو في الحقيقة الأضعف أمام القانون والتاريخ. القوة الحقيقية هي التي تحمي “المال العام” وتلتزم بـ”المحاسبة”، أما “القوة” التي تُدير صفقات المقايضة والإنفاق الموازي فهي ليست إلا فصلاً من فصول الفساد الذي سُمي بغير اسمه.
اعتقد من المفيد الإشارة بشكل واضح أن هناك فرق بين اعتراف واشنطن “بالقوي” وبين تقارير “لجنة الخبراء بمجلس الأمن الدولي “التي توثق فساد وانتهاكات بالأسماء، فن تجاوزها يعني تحويل “الإدانة”إلى “تزكية” وهو ما يضرب مصداقية الأمم المتحدة في مقتل.
إن الترويج لهؤلاء الأقوياء كخيار “أمريكي”الذي يقوم به من يسمون انفسهم بالمحللين يطرح تساؤلا مشروعاً هل المجتمع الدولي يريد قائداً وطنيا أم “دمية” مقيدة بالاتهامات القانونية ومطلوبا للمحاكم الليبية والدولية ليقوم بتنفيذ الأوامر الأمريكية ثمن بقائها في السلطة.
نحن أمام خيارين: هل تبحث واشنطن عن شريك قوي لبناء دولة القانون والمؤسسات أم عن “عميل ” تلاحقك التهم القانونية ليسها الضغط عليه وتوجيه بما يخدم المصالح الأمريكية لا مصالح الليبيين
ليبيا لا تحتاج إلى رجل قوي يحكم بالحديد والنار ليخشاه الناس بل تحتاج إلى “قانون”يخشاه الجميع.
إن الشرعية التي تبنى على غض الطرف عن التجاوزات الدولية هي شرعيّة مؤقته ووهمية القوة الحقيقية التي يحتاجها الليبيون هي قوة القانون والمؤسسات والمسالة والمحاسبة وليس قوة الصفقات التي تشرعن الفساد تحت مسميات سياسية براقة.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.





