هندسة القانون لخدمة السياسة في ليبيا

في خضم ما نراه واقعاً من انقسامات بين مؤسسات الدولة العامة وما يفهم من تبرير السياسيين لخصوماتهم بحجج قانونية ظهرت لهم الآن “على ما يبدوا”، ارتأيت أن اسمي ما يحدث بـ “فن هندسة القانون لخدمة السياسة”.

فالساسة في هذه الحقبة المريرة إن كانوا  يعملون بوفاق تام تراهم يخالفون القانون بدءا من الإعلان الدستوري والقوانين  واللوائح والاتفاقيات الدولية والمحلية بل حتى الاتفاق السياسي -الذي كان سببا في وجودهم- تراهم  يضربون بنصوصه عرض الحائط إن كان يمثل عائقا في سبيل تحقيق رغباتهم ولا يتماشى مع أهوائهم ولم تسلم  من هندستهم للقانون حتى محكمتنا العليا الموقرة في تعطيلها للدائرة الدستورية فالكل يراها قد أبحرت كثيرا في السياسة مستجيبة لدعاة هذا الفن.

وبين غمضة عين وانتباهتها ينتبه أولئك الغافلون عن تجاوزاتهم وتجاوزات شركائهم للقانون، و ترى البيانات والردود التي تشير إلى مواد قانونية قد انتهكت وإلى دستور لم يحترم وإلى اتفاق سياسي لم يطبق كما ينبغي، وإلى أحكام قضاء لم يخضع لها ، وإلى اجتماعات كان يجب أن تعقد وإلى قرارات كان يجب أن تؤخذ بالإجماع وإلى اصلاحات تمرر بشكل خاطف، وإلى ميزانيات ترصد بالمخالفة للقانون المالي وللدستور،  وتستفيق النيابة العامة لتكتشف أن هذا أو ذاك مخالف للقانون وأن هناك تحقيقات تجرى حياله، والان فقط يجب إيقافه،  وكل في الواقع في  فلك السياسة يسبحون.

والنتيجة واحدة أن القانون  ومؤسسات الدولة وسلطاتها العامة أصبحت خادمة للسياسة، وهذا هو عين الضياع وإهدار جوهر العدالة وذهاب روح القانون وابتعادنا عن دولة المؤسسات التي حلمنا بها جميعا ونطالب بها.

وقد ذكرني هذا بالجدلية التي طرحها الفقيه الدستوري Jean Volff بسؤاله ” هل يمكن أن تكون السلطة القضائية في نفس الوقت خادمة لسيدين: القانون من جهة والحكومة من جهة أخرى ؟  وقد لا نرى لهذه الجدلية أي مكان إن كان النظام الديمقراطي مبني على أساس صحيح وهو احترام الحكومة للقانون والسير وفق أحكامه ، إلا أن هذه الجدلية تطرح فعلا حينما ترى الحكومة أنها كسلطة عامة فوق القانون وأنها يجوز لها أن تتلاعب بأحكامه وتفسره كيف ما تشاء . وهذا ما ذكرني أيضا بما كان يردده جوبلز أيام النازية في حكم هتلر ” “القضاء ليس السيد في حياة الدولة، بل يجب أن يكون خادمًا لسياسة الدولة”.

إن غياب القانون وإهدار تطبيقه يضمن لمن هم في السلطة مكنة القضاء على خصومهم من دون أن يتحملوا أي مسؤولية، وأن يحرم المجتمع من إمكانية توليد نخب سياسية بديلة، ويتم تلقين الأفراد الذين يرفضون الخضوع للأمر الواقع درساً لا ينسى في ضرورة الإذعان والانصياع لحكم القوة وإن تم إلباسها لباس قانوني. فهو يحلم أن يبقى على سدة السلطة من دون رقيب ولا حسيب ، وأن لا يكون لحكمه حد زمني واضح أو معقول، أي أن يتحول حكمه إلى قضاء وقدر. وقد نجحوا غالباً في  تحقيق ذلك.

ولا حل برأيي إلا دعم المسار نحو الاستفتاء على الدستور وتوليد نخب جديدة ، وعلى الناخبين أن يحسنوا الاختيار هذه المرة وأن لا يقعوا في أخطاء الماضي.