هـل تسألتم يوما عن سبب عجز بل استحالة توافق مجلس النواب مع مجلس الدولة في شيء، واستحالة توافق مجلس الدولة التوافق مع مجلس النواب في شيء؟
بـالـرغـم من مرور أكثر من سنتين على توقيع اتفاق الأمم المتحدة، لم نشهد خلالها حالة توافق واحدة بين المجلسين، والسبب بسيط، وهو أن اتفاق الأمم المتحدة حرم عليهما التوافق، فمجلس الدولة بحسب اتفاق الأمم المتحدة – وهذا أحد مكائدها – سيشكل من عدد 145 عضو من أعضاء المؤتمر الوطني العام يكون منهم عدد 134 عضوا من الأعضاء صحيحي العضوية إلى تاريخ توقيع الإتفاق، بينما عدد 11 عضو منهم يتم استكمالهم استنادا إلى قوائم الناخبين، أي إن عدد 134 عضو من مجلس الدولة سيكونون من الأعضاء ممثلين عن تيار سياسي لم يعترف أساسا بشرعية مجلس النواب ومعاكس تماما للأغلبية في مجلس النواب، وإذا قمنا بحساب نسبة هؤلاء الأعضاء بمجلس الدولة سنجدها أكثر من 92% أي إنهم يتمتعون بأغلبية ساحقة داخل المجلس، زد على ذلك انتخاب عبدالرحمن السويحلي رئيسا له لم يكن بالصدفة، فقد اقترح اسمه المبعوث السابق للأمم المتحدة في ليبيا الإسباني برناردينيو ليون وليس من فراغ، بل لأن عبدالرحمن السويحلي يعتبر شخصية متطرفة برأيها متناقضة في مواقفها تماما مع مجلس النواب، وليس معترفا به كشريك لمجلسه في السلطة بحسب الاتفاق، والخلاصة هي أن الأمم المتحدة وضعته حيث يمكنها استثماره في إفتعال أزمة مستقبلا بين مجلسه ومجلس النواب، من خلال ظروف سوف تعمل على خلقها، وهذا الأمر سيجعل من عملهما معا أمرا مستحيلا، فالأمم المتحدة قادرة على قراءة الأشخاص ووضعهم في مراكز إفتعال الأزمة.
أمـا إذا تحدثنا عن مجلس النواب فالعدد الكامل لأعضاءه المنتخبين هو 191 منهم حوالي 35 عضو مقاطع أو الذين لم يلتحقوا أساسا بجلساته، وهم من نفس التيار السياسي الذي لم يعترف بشرعية مجلس النواب، أما إذا قمنا بحساب نسبة الأعضاء الملتحقين سنجدها أكثر 81% أي إنهم كذلك يمتلكون أغلبية ساحقة داخل المجلس، زد على ذلك رئيسه عقيلة صالح الذي يعتبر هو الآخر متطرفا برأيه وليس مستعدا للتنازل والتعاون مع المجلس الآخر، والذي بتأكيد قد علمت الأمم المتحدة ذلك مسبقا واستفادت من بقائه في منصبه.
بـعـبـارة أخرى إذا شبهنا مجلس النواب ومجلس الدولة، بمجلس الشيوخ ومجلس النواب الأمريكي، “بدون أن تعيروا الترتيب أي أهمية” فالأمر أشبه بامتلاك الجمهوريين لأغلبية ساحقة في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، وامتلاك الديمقراطيين لأغلبية ساحقة في المجلس الآخر، أي إن كل منهما يتمتع بأغلبية ساحقة داخل مجلسه، دعونا لا نصفهم بالجمهوريين والديمقراطيين، الأمر في حقيقته أشبه بامتلاك النازيين لأغلبية ساحقة داخل أحد المجالس، وامتلاك اليهود لأغلبية ساحقة داخل المجلس الآخر، أو امتلاك الشيوعيين لأغلبية ساحقة داخل أحد المجالس، وامتلاك اللبراليين لأغلبية ساحقة داخل المجلس الآخر، أو أي تلك الثنائيات الأخرى التي خلقت لتتنافر وليس لتتوافق.
وعـمـلـهـمـا معا بهذا الشكل – مع اختلاف بسيط هذه المرة، وهو أن مجلس النواب سيعمل من طبرق أو بنغازي كجسم مبتور منفي في الشرق، أبقت عليه الأمم المتحدة كسلطة التشريعية لأنها تعلم أن سلطته وتشريعاته لن تصل الغرب ولن يكون لها أي صدا، ولن يستطيع من هناك مراقبة حكومتها أو حتى استدعائها لاستجوابها، بينما سيعمل مجلس الدولة من طرابلس – سيكون أشبه بمحاولة خلط الماء بالزيت، وكأن كل ذلك كان خطوات مدروسة من الأمم المتحدة لجر البلاد شيئا فشيئا نحو التقسيم الجغرافي، فيبقي مجلس النواب هو السلطة التشريعية على المنطقة الشرقية وحكومته المؤقتة هي السلطة التنفيذية (ليبيا الشرقية) هناك، ويكون مجلس الدولة هو السلطة التشريعية على المنطقة الغربية وحكومة الأمم المتحدة هي سلطتها التنفيذية (ليبيا الغربية).
فـاتـفـاق الأمم المتحدة لم يقدم لنا برلمانا مكون من مجلسين كما في باقي الدول، بل قدم لنا برلمانين منفصلين مكون كل منهما من قوى سياسية متضادة ومتنافرة، ولعل هذا هو الغرض الحقيقي وراء الإبقاء عليهما منفصلين، وهو استمرار الصراع بينهما ومحاربتهما لبعض حتى بعد توقيع الاتفاق، فتستمر بذلك حالة الإنقسام السياسي ويستفرد الغرب بحكومة سعى جاهدا من خلال أممه المتحدة لتشكيلها وانتدابها على ليبيا.
خـلاصـة القول أن الأمم المتحدة ضحكت عليكم في مسألة التوافق وأنتم وقعتم على اتـفـاقـهـا.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.




