مما لا شك فيه أن لدول الجوار دورًا محوريًا في أي مساعٍ جادة لحل الأزمة الليبية، بحكم الجغرافيا، والروابط الاجتماعية، والمصالح المشتركة، وما يفرضه هاجس الأمن والاستقرار الإقليمي. فليبيا ليست معزولة عن محيطها، وأي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على دول الجوار، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
وبالعودة إلى بدايات الأزمة الليبية في فبراير 2011، يمكن ملاحظة تباين مواقف دول الجوار الثلاث. ففي الوقت الذي كانت فيه تونس منشغلة بتداعيات ثورتها، ومصر غارقة في أحداث يناير وتحولاتها السياسية، التزمت الجزائر موقف المراقب الحذر، مدفوعة بتخوفات أمنية حقيقية من انتقال الفوضى إلى أراضيها.
في المقابل، انتقل الملف الليبي سريعًا إلى الساحة الدولية، بعد أن أحيل من الجامعة العربية – التي بدت عاجزة عن بلورة موقف فاعل – إلى مجلس الأمن، وهو ما فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الدولية. أما الاتحاد المغاربي، فكان يعاني الجمود، بينما لم يتمكن الاتحاد الأفريقي من إيصال صوته دوليًا، رغم أن ليبيا كانت من الدول المؤسسة له، وذلك بسبب الانقسام وتباين الرؤى داخل القارة حول ما جرى.
على مستوى دول الجوار، برز الموقف المصري بوصفه الأكثر حضورًا وفاعلية، انطلاقًا من مكانة مصر الإقليمية والدولية، وارتباط أمنها القومي بشكل مباشر بالوضع الليبي. وقد لعبت القاهرة أدوارًا مهمة في دعم استقرار ليبيا والحفاظ على سيادتها، كما ترتبط بعلاقات مع مختلف الأطراف الليبية.
أما تونس، فقد اتسم موقفها بالوضوح والثبات، داعية إلى إنهاء الأزمة واحترام السيادة الليبية، مستندة إلى روابط اجتماعية عميقة ومصالح اقتصادية مشتركة، ما جعل الموقفين التونسي والمصري متقاربين في الجوهر.
فيما يتعلق بالموقف الجزائري، فقد بدا في مراحل عدة غير واضح المعالم، تغلب عليه الهواجس الأمنية، خاصة ما يتعلق بالحدود. غير أن هذا التخوف تراجع نسبيًا مع سيطرة القيادة العامة للجيش الليبي على الحدود مع دول الجوار الخمس، ولا سيما الحدود الشاسعة مع الجزائر، وهو ما يتطلب تقديرًا ودعمًا لهذا الدور، باعتبار أن الأمن والاستقرار مصلحة مشتركة للبلدين.
ويأتي الاجتماع الثلاثي الأخير في سياق التنسيق مع بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، وهو ما يمكن اعتباره فرصة حقيقية لحث البعثة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الإسهام الفعلي في حلها، عبر تبني موقف دول الجوار الثلاث في المحافل الدولية. كما يفتح هذا التنسيق المجال لمحاولة إقناع الولايات المتحدة والدول الكبرى بإشراك دول الجوار في مساعي الحل، لما تتمتع به من معرفة دقيقة بالواقع الليبي، وارتباط مباشر بمصالح وأمن قومي حقيقي، بخلاف أدوار دولية أو إقليمية أخرى تحكمها حسابات بعيدة عن مصلحة الليبيين.
ويمكن القول إن استمرار الاجتماعات والتنسيق بين دول الجوار يمثل خطوة مهمة نحو بلورة موقف إقليمي قوي، قادر على لعب دور فاعل، والحد من التدخلات الدولية، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من مخططات وصراعات نفوذ تنعكس آثارها على العالمين العربي والأفريقي في إطار التنافس الدولي المتصاعد.
وفي هذا السياق، يظل الرهان قائمًا على دور مصر في التأثير على المواقف الدولية، نظرًا لما تملكه من ثقل سياسي وقدرة على التحرك الإقليمي، بما ينعكس أيضًا على مواقف بقية الدول العربية. كما لا يمكن إغفال أهمية التنسيق مع المملكة العربية السعودية، بوصفها دولة محورية.
الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.






اترك تعليقاً