انتصار اعتدال أحرار ليبيا وهزيمة تطرف فرنسا

انتصار اعتدال أحرار ليبيا وهزيمة تطرف فرنسا

أ.د. فتحي أبوزخار

باحث بمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

article1-1_23-7-2016

تدخل فرنسا بقواتها في ليبيا بدون أذن من المجلس الرئاسي انتهاكا سافرا ومتطرفا.. فتجاوز كل الأعراف والمواثيق الدولية يعد تطرفا وخروجا عن المألوف. ولو تم التدخل بعلم المجلس فستكون خيانة من المجلس الرئاسي. وتستمر 17 فبراير انتصارا لأحرار ليبيا بالرغم من تدخل فرنسا ضد كتائب القذافي الأمنية التي أطلقت النار على المتظاهرين سلميا بعدما انتهت صلاحية الدكتاتور معمر.. نعم لا ينكر أي منصف حر بأنه التقت مصلحة أحرار ليبيا الرافضين لدكتاتورية معمر، بسياسته كراعي لقطيع، وفرنسا مع حلف الناتو. فرنسا التقت مصلحتها مع انتفاضة 17 فبراير لتدفن كل الصفقات المشبوهة، مع الدكتاتور معمر مثل تمويل حملة ساركوزي، وما خفي كان أعظم بتدخلاته في تمويل انقلابات أفريقيا والعالم. ويستمر انتصار أحرار البنيان المرصوص على داعش في سرت.

رأى العالم الغربي في انتفاضة 17 فبراير غنيمة لتحريك سوقه الحربي، وساحة تدريب لطياريه بقصف البنية التحتية الدفاعية لليبيا وطامعا في فتح طريق لتدخلاته السافرة وتحويل ليبيا لمكب للهجرة غير الشرعية ونفاياته الصناعية والنووية.

صحيح أن 17 فبراير تمثل تجربة لأحرار ليبيا على طريق الديمقراطية الشاقة بعد أن أنهكتهم الدكتاتورية الممنهجة، وعانوا من تجهيل الشعب الليبي. ولكن إلى اليوم أثبتوا أنصار فبراير بأنهم قادرين على الاستمرار، ولو بصعوبة، بالسير في طريق الحرية والديمقراطية بالرغم من تآمر العالم عليه، وخاصة فرنسا داعمة دكتاتورية العسكري السيد حفتر.

لم تنجح حتى اليوم كل العقبات التي تكومت على طريق التحرر وبناء دولة العدل والقانون. هذه العقبات تتلخص في النقاط التالية:

  • الإبقاء على بعض الكتائب الأمنية لاستعادة القبضة العسكرية من جديد زمام الأمور في ليبيا.. ورأينا كيف كانت المحاولات المستميتة لسيطرة البعض من قبيلة الزنتان على طرابلس، أو في عودة دكتاتورية العسكري السيد حفتر بحجة محاربة الإرهاب.
  • تمكين منظومة القذافي المالية من الاستقرار في مصر والصرف على الثورات المضادة لاستقرار ليبيا وتمويل عمليات إفشال اهداف 17 فبراير. وقد وثقت فرنسا علاقتها بمصر، الراعية لأنصار القذافي والمحاربة لـ 17 فبراير، بصفقات السلاح التي تعاقدت معها.
  • مسلسل الاغتيالات التي تمت بحرفية في بنغازي لا نستغرب مشاركة استخبارات غربية وبمساعدة فرنسية ..تمهيدا لدخول السيد حفتر من شباك ليبيا الشرقي بعد خروج ال2دكتاتور معمر من بابها الواسع.
  • حاولت فرنسا بشتى الطرق أن تمكن لنفسها بالجنوب الليبي فاستقبلت باريس وفتحت قنوات التواصل مع أطراف من الزنتان وأمازيغ الصحراء “الطوارق”، والتبو، وأولاد سليمان وتشتت مساعيها لتصل إلى الشرق الليبي لتساعد حفتر.. وهي مستمرة في تخبطها ومحاولاتها لتجد لها موطأ قدم في ليبيا.
  • توظيف جهل المتحمسين للديمقراطية، من خلال بعض مؤسسات المجتمع المدني، لأجندات لا تخدم الوطن بعد تحريك نعرات الفدرالية، والحقوق اللغوية، والأقليات، وحقوق المرأة وغيرها.. فكان ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
  • انتشار أجهزة استخبارات مختلفة تغلغلت في أعماق التركيبات الاجتماعية، عربية وأمازيغية وتباوية، لزعزعت الاستقرار الاجتماعي وزرع الفتن.
  • نشر ثقافة توزيع الأموال، ظاهريا بأنها حقوق للثوار وباطنها إفساد لذمم، خلال حرب التحرير بهدف شراء ولاءات خارج مصلحة الوطن.
  • تحرك معظم السفارات إلى الدواخل والمدن والقرى الليبية وإيهام بعضهم باتفاقيات مع دول غربية وعربية مقابل وعودهم بأنه سيكون لهم شأن في حكم ليبيا من خلال التأكيد على المحاصصة.
  • المتاجرة بفزاعة الإرهاب وفتح الطريق أمام دواعش العالم للدخول إلى ليبيا أملا في توطينهم لمدة كافية لتمرير أجنداتهم المشبوهة.

وتستمر فرنسا في الفشل:

مع مشاركة فرنسا في معظم العقبات التي وردت أعلاه إلا أنها لم تنجح فرنسا ولا من يساندها من الدولة الغربية والعربية في محاولاتها لثني أذرع أحرار ليبيا. فطرحت الفدرالية كمشكلة وانقسام وحركت الحرب في الجنوب لتحويلها إلى حرب عربية تباوية ووعدت عائلة سيف النصر بالعودة لحكم فزان ونشرت الفوضى والجريمة في العاصمة طرابلس واستدرجت العنف والحرب الأهلية “القبلية” باقناع بعض الزنتان بأنهم أوصياء على العاصمة ولكن بقية طرابلس متحررة وصامدة.

فرنسا ومن يساندها من دول ليس من مصلحتهم أن تنجح الديمقراطية والشفافية في ليبيا لأن ذلك سيزعج الدول النفطية التي تحكمها دكتاتورية الملك ولن تساعدهم الديمقراطية في تنفيذ مخططاتهم الرامية إلى تحويل ليبيا إلى مكب للنفايات الأوروبية أو على الأقل طريق لعبورها إلى أدغال أفريقيا وصحاريها .. كما وأن المشكلة الأكبر: الهجرة غير الشرعية التي هي في الأساس صناعة دول استعمارية بما خلفته ورائها من جهل ومرض وفقر بعد سلب مواردها وخاماتها الطبيعية. غياب التنمية خلق البطالة ففتحت عصابات مافيا الهجرة غير الشرعية الطريق للأيدي العاملة الرخيصة لمصانع أوروبا ومزارعها.

بالطبع لتتحقق النفعية بعد وصول الهجرة غير الشرعية، أو حتى في البحر، تأتي عملية الفرز ليدخل إلى أوروبا الأصحاء من الشغيلة ويرجع إلى ليبيا المعوقين والأطفال والعجزة.. ولكي يظهر السيناريو محبوك بالتأكيد يطعمون المرجعين من أوروبا ببعض الأصحاء!!! ولم تتوقف محاولات الضغط على ليبيا للتوقيع على اتفاقيات اللجوء الدولية التي الهدف منها أن تتحول ليبيا موطن لكل من ترفضهم أوروبا من مهاجرين غير شرعيين.

مفتاح الدخول إلى ليبيا، وحسب تقديرات فرنسا، هو تغلل استخباراتي وتمهيد للطريق أمام السيد حفتر للسيطرة على ليبيا إعلاميا وعسكريا. بل لا نستغرب ان بعض الشخصيات القيادية من داعش في ليبيا هي صناعة فرنسية وخاصة الشخصيات التونسية بل قد يكون انضمام فرنسا الأخير إلى قوات حفتر ومقاتلة أحرار ليبيا، من سرايا الدافع عن بنغازي التي نختلف معها بإعلان تبعيتها للمفتي.. فلا علاقة لدار الإفتاء بالحرب الأهلية إلا بالمصالحة، لتخفيف عن دواعش سرت أملا في هروب بعض عملائها بسرت.

لماذا التدخل المحموم لفرنسا في ليبيا؟

بالتأكيد هذا الاندفاع الفرنسي من 2011 إلى اليوم في ليبيا له مبرارته. صحيح أن الدافع الظاهري لتدخل فرنسا في ليبيا كان في البداية لمساعدة الشعب الليبي على التخلص من الدكتاتور معمر القذافي أما اليوم فهو بحجة محاربة الإرهاب وداعش. لكن تختفي وراء ذلك أسباب يمكن اقتراحها على النحو التالي:

  • بدأت تفقد فرنسا هيبتها أمام الدول الأوربية لذلك تسارع بتصدر المشهد في ليبيا دون تمحيص أو دراسة.
  • محاولة الحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ في الدول الأفريقية المجاورة لليبيا وترى في ليبيا إمكانيات يمكن مساعدتها على تقوية نفوذها بالدول التي تسيطر عليها واستمرارية نفوذها بها.
  • تفاقم المشاكل الداخلية وخاصة الأمنية والتفجيرات الإرهابية بباريس وجريمة الدهس الأخيرة خير دليل على تخبطها الأمني.
  • تفاقم المشاكل الاقتصادية تدفعها للخروج بقواتها العسكرية إلى ليبيا وإشغال مواطنيها بقضايا خارجية لتبرر عجزها عن اقناع نقابات عمالها التي لم تقتنع بمبررات عجز الحكومة في إدارة شؤون بلادها فرنسا.
  • الهزة الأرضية المسماة “بالربيع العربي”  لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي محاولة لإعادة تقسيم الحدود السياسية وأحد دوافع تدخل فرنسا في ليبيا. فالتقسيم الأول لسياس وبيكو أستنفذ مصالح صانعيه. واليوم المصلحة تحتاج لإعادة صياغة لظاهرة الانتفاضة على الدكتاتورية ووضعها وبقالب ديمقراطي مستخدمين وسائط التواصل الاجتماعي. فوعي الشعوب بالحقوق السياسية والمدنية قد يفقد صناع سياس بيكو اتجاه بوصلة مصالحهم فكانت الخطوة الاستباقية بالانقلاب على الأنظمة الدكتاتورية القديمة المنتهية الصلاحية!!!

أذرع الأحرار مازالت تقاوم:

تحاول بعض الدول الغربية أن توظف ربيع ليبيا بما يخدم مصالحها، من هجرة غير شرعية وتغلل أعمق في الشأن الليبي، وتستخدم كل الوسائل غير الشرعية الدنيئة لذلك. فتحرك النعرات القبلية والعرقية والجهوية تحت مظلة حقوق الإنسان والفدرالية والحرية الدينية. فدعمت نشر السلفية الوهابية المتطرفة لكراهية الإسلام الحقيقي المعتدل. ونادت بحقوق المرأة لتتمرد على الأخلاق والعفة. ورفعت شعارات الحرية ليتم التمرد على كل آليات الضبط والانضباط الاجتماعي لتعيش ليبيا في فوضى.  وباسم حقوق الأقليات عمقت الكراهية بين أبناء وبنات الوطن الواحد.

لكن فشلت، حتى تاريخ اليوم، جميع محاولات فرنسا وغيرها من الدول الغربية والعربية في السيطرة التامة على ليبيا. صحيح تعاونهم مع البعض من منظومة النظام السابق أطال المرحلة الانتقالية إلا أن أحرار ليبيا ما زالوا يقاومون ويسطرون في سرت ملاحم البطولة ويهشمون شوكة داعش. بل وسيكون مصير كل من تسول له نفسه المساس بأهداف 17 فبراير مثل مقبرة داعش في سرت.

أحرار ليبيا هزموا الثورة المضادة في طرابلس وهزموا داعش في درنة وصبراته وسرت. ووقفوا حجرة عثرة أمام عودة دكتاتورية العسكر من خلال السيد حفتر الذي لا يرقب إلا ولا ذمة في الشعب الليبي بعد أن استباح أنزال حمم عقده وغضبه ببراميله المتفجرة على أهلنا ببنغازي ودرنه وطالت أيدي الغدر، وبمعاونة الأمارات، قصف زوارة وطرابلس.

لم تلتوي بعد أذرع أحرار ليبيا من عبثية فرنسا والدول المساندة لها. ومن جرائم السيد حفتر والثورة المضادة للديمقراطية والتحرر في ليبيا. صحيح بعض العقبات سببها بعض المؤمنين بالدولة الدينية، ليس بشرط على طريقة داعش، إلا أن الخطورة تكمن في تغذية الفكر وتمويله من السعودية التي ترتعد من نجاح أي ديمقراطية حقيقية فيما أطلقت عليه بريطانيا وفرنسا بالعالم العربي. ولكن مع هذا فأحرار فبراير سينتصرون وذلك لأسباب التالية:

  • التوجه الديني في ليبيا شعبوي فلا يمكن سيطرة أي مدرسة دينية متطرفة على الشعب الليبي.. فرأينا كيف تم وبسرعة دحر داعش في ليبيا. وبالرغم من انتشار اللباس الخليجي وخاصة للمرأة والأغلب في الدواخل إلا انه في العموم يرفض الشعب الليبي أي تنطع أو تشدد باسم الدين، وهذا ينطبق على شريحة عريضة من أصحاب التوجه الإسلامي أنفسهم.
  • راهنت فرنسا ومن معها على فشل الاتفاق السياسي باندلاع حرب أهلية مع دخول المجلس الرئاسي لطرابلس .. ولكن أفشل أحرار ليبيا مخططاتهم وتوصلوا إلى كلمة سواء وربما بدعم من بعض المؤسسات الأمريكية.
  • فشل المحاولات اليائسة من التطرف الوهابي الممول من السعودية في نجاح السيد حفتر بدعم المداخلة أو خلق اصطدام مباشرة مع الأمازيغ أتباع الأباضية.
  • لم تنطوي حيلة شعارات تحرير المرأة بالانزلاق في مستنقع الإنحلال. فمازالت السيطرة مستمرة للنشاطات المحترمات إلى اليوم.. وليس بشرط المتحجبات!!!
  • أحرار ليبيا المنتفضين في 17 فبراير مازالوا على العهد ومتمسكين بمبادئهم في بناء الدولة المدنية الديمقراطية بروح الإسلام السمح والتدين المعتدل مع وجود قلة قليلة من الشواذ المتشددين المرفوضين.
  • في العموم مصالح أمريكا تختلف عن الدول الأوروبية ويهمها أن تكون ليبيا موحدة وهذا قد يكون عاملا مساعدا أيضا في استقرار ليبيا.

لكي تنجح أهداف فبراير:

اليقظة التامة مطلوبة لإفشال مخططات فرنسا وغيرها من الدول الداعمة لعودة الدكتاتورية العسكرية. وبالنظر فيما حققته الدول الغربية من تقدم يمكن الوقوف وشد الانتباه إلى الآتي:

  • تقدمت أوروبا برفض الدولة الثيوقراطيى وفصلت سلطة الكنيسة المباشرة على شؤون الدولة. واليوم هي تصنع داعش والوهابية والحركات الدينية المتطرفة المنادية ظاهريا بالحكم الإسلامي لقناعتها التامة بإفشال الدولة. لا يفهم من كلامنا أبعاد الدين عن واقع الحياة.. فالدين والتدين مهم جدا في حياة الناس وتقدمهم أخلاقيا وحضاريا.
  • رفضت التعصب المذهبي الديني ورأينا كيف عاشت أيرلندا مغبة الصراع الكاثوليكي البروتستنتي، وانقسمت إلى شمالية وجنوبية.
  • حرصت على أن يكون الصراع السياسي سلميا من خلال سن قوانين تستوعب الأحزاب بتوجهات مختلفة والاحتكام إلى صندوق الاقتراع. وكانت ألمانيا مثل يحتذى به وكوريا مستمرة إلى اليوم بسبب التوجه السياسي شمالية وجنوبية.
  • جملت الديمقراطية بتشريعات تمكن للأقليات فرأينا بلدية لندن يترأسها مسلم من أصول باكستانية، وبعض الوزراء في فرنسا من أصول مغاربية، بل أمريكا أوصلت السيد باراك أوباما إلى سدة الحكم بعد أن عانى والده وعاش التمييز العنصري. وهذا أساس في مبدأ المواطنة.
  • وسعت من المعارضة السلمية من خلال فتح المجال أمام حراك مؤسسات المجتمع المدني وتمكين المعارضة البرلمانية من المشاركة في الحكم، وضمانات تشريعية أوسع للأعلام الحر.

نعم طريق الدولة المدنية دولة العدل والقانون والديمقراطية يحتاج إلى نضال ومثابرة واجتهاد.. وبالإرادة والزعم وإصرار أحرار فبراير سنصل بإذن الله..

وليبيا حيصير منها..

تدر ليبيا تادرفت

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

أ.د. فتحي أبوزخار

باحث بمركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية

التعليقات: 2

التعليقات مغلقة.

التعليقات لا تعبر عن رأي موقع عين ليبيا، إنما تعبر عن رأي أصحابها.

اترك تعليقاً