الفضل وعد الله والفقر وعد الشيطان (الإنسان الخائف)

الفضل وعد الله والفقر وعد الشيطان (الإنسان الخائف)

في المشهد العربي، تتعثر مشاريع النهضة ليس بسبب نقص التمويل أو تأخر التكنولوجيا فحسب، بل لأن المعركة الحقيقية تدور في أعماق النفس البشرية. كثيرًا ما نستورد الأنظمة الإدارية ونبني المدن الذكية، لكننا ننسى أن نحرر العقول من عقدة الخوف والتبعية.

هنا يبرز السؤال الوجودي: لماذا يظل الفقر، رغم كل خطط التنمية، يلقي بظلاله الثقيلة على سلوكنا الفردي والجماعي؟

إن التخلف ليس فقرًا ماديًّا بقدر ما هو وضعية وجودية، تُمَارَس فيها القهر على مستويات متعددة: سياسيًّا واجتماعيًّا وحتى نفسيًّا. هذه الوضعية تنتج شخصية تعاني من انعدام الأمن النفسي وتلجأ إلى آليات دفاعية مشوهة، كالتماهي مع المعتدي كما يقول ابن خلدون، أو تحويل العدوان نحو الأضعف. فالموظف الذي يقهره مديره قد يفرغ غضبه على أسرته، والمجتمع المستبد قد يمارس عنفًا رمزيًّا ضد كل صوت يطالب بالتغيير، كما يقول مصطفى حجازي في كتابه (سيكولوجية الإنسان المقهور).

لكن السؤال الأعمق: كيف يؤثر الفقر بهذا المعنى النفسي على سلوك المجتمعات، ولماذا يصحبه دائمًا ما نَعَتْه الموبقات الاجتماعية؟

الإجابة تكمن في اقتصاد الندرة الذي يحول الإنسان إلى كائن مرتجلٍ وقلقٍ. لقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن الشعور المزمن بالنقص المالي والخوف من المستقبل في ظل الفقر والمرض يستنزف القدرات العقلية، ويقلل من قدرتنا على اتخاذ القرارات العقلانية، ويدفعنا إلى الانكفاء على الذات والتنافس العدائي.

بينما في مجتمع الوفرة المادية، تنتشر عقلية التعاون والنظر إلى المستقبل بأمل، بينما في مجتمع الفقر (المادي والنفسي) تتحكم عقلية البقاء، فتتحول العلاقات الإنسانية إلى صراع صفري، وتصبح الأخلاق ترفًا لا نستطيع تحمله.

وهنا يستحضر البعد الروحي معنى عميقًا، كما في الآية القرآنية: “الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ”.
المعنى أن وعد الشيطان ليس مجرد تخويف بفقر مادي، بل هو سلاح نفسي لتقييد العطاء والإبداع، وإغراء الإنسان بالبخل والأنانية واليأس. الشيطان هنا يمارس هندسة الخوف التي تجعلنا نرى الفقر قدرًا محتومًا، وننسى أن الفضل الإلهي أوسع من أي حسابات ضيقة.

في القراءة التحليلية، ينكشف التواطؤ بين سيكولوجية القهر ووعد الشيطان: كلاهما يُنتج إنسانًا منهزمًا داخليًّا، يعتقد أن موارده محدودة وأن مصيره مرهون بقوى قاهرة وأنه تحت وطأة السحر والحسد، لا يستطيع أن ينهض؛ لأنه يظن أن النهضة تحتاج إلى معجزات، بينما هي في الحقيقة تحتاج إلى تحرير الإرادة من عقدة النقص.

وكما خلص حجازي إلى أن تغيير النظام الاقتصادي وحده لا يكفي دون تفكيك البنى النفسية، فإن التحرر من وعد الشيطان يبدأ بإدراك أن الفقر الحقيقي ليس غياب المال، بل غياب الرؤية والثقة والأمل وقبلها الايمان الحقيقي بالله بانه هو الرزاق.

لقد أثبتت الدراسات المعرفية الحديثة أن الشعور المزمن بالفقر يسرق من العقل قدرته على التخطيط طويل المدى، ويختزل الرؤية إلى مجرد ردود فعل. وهنا يكمن مكر وعد الشيطان الأعمق: ليس في أن يجعلك فقيرًا، بل في أن يجعلك تعيش الفقر مرتين
مرة في جيبك، وأخرى في عقلك. فأنت تحت وطأته لا تخطئ لأنك جائع، بل لأن عقلك مشغول بالجوع عن رؤية البدائل. وإزاء هذا، فإن اختيار وعد الله لا يعني إنكارًا ساذجًا للواقع المادي، بل هو تمرين يومي على استرداد النطاق الترددي الذهني؛ أي تخصيص ولو ربع ساعة في اليوم للتفكير الاستراتيجي، والتخطيط، والقراءة، والصلاة وذكر الله التي توقف دوامة القلق. هذا الفعل، البسيط شكلاً، هو عصيان حقيقي لهندسة الخوف التي يبنيها الشيطان في النفس.

غير أن المعركة لا تتوقف عند النفس وحدها. فلعل أخطر ما يكشفه التحليل السوسيولوجي هو ذلك التواطؤ الخفي بين وعد الشيطان وآليات الفقر السياسي؛ فرؤية المواطن للمسؤول الجاهل الكاذب السارق وهو يقود سياسات الدولة والفساد المالي لثرواته، تزيد من ترسيخ حالة الفقر النفسي لديه، وتُغرس فيه اليقين بأنه لا يوجد حل.

إن الإيمان بأن التمكين الإلهي يبدأ بمغامرة الأسباب، وأن الفضل ليس هبة تنزل على الخائفين المستكينين، بل هو نتيجة حتمية لمن يملكون جرأة التأسيس وهم على يقين بأن الله معهم؛ هذه هي القراءة التي تجعل من الآية القرآنية نقدًا للسلطة قبل أن تكون وصية للفرد.

كما أننا في حاجة إلى إعادة تعريف الفضل ذاته. نحن في ثقافتنا العربية نقع في فخ ترجمة الفضل إلى مجرد سيولة مالية، ونقع في فخ مبدأ البقاء للأقوى، وهو ذاته وعد الشيطان بعينه.

فأي الوعدين إذن نختار؟ قل: سنختار الفضل، ليس لأننا أغنياء، بل لأننا اخترنا ألا نكون فقراء الروح. إن الفقر وعد الشيطان، والله وعدنا بالفضل.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

فوزي عمار

كاتب ليبي