من البقوليات إلى المكسرات.. كيف يساعد التنوع الغذائي «جهاز المناعة»؟

لا يرتبط دعم جهاز المناعة بتناول طعام واحد يمكن وصفه بأنه «سحري»، بل يعتمد بصورة أكبر على نظام غذائي متوازن ومتنوع يمد الجسم بالفيتامينات والمعادن والبروتينات والألياف والمركبات النباتية التي تحتاج إليها الخلايا المناعية لأداء وظائفها.

وتوضح كلية هارفارد للصحة العامة أن فيتامينات C وD، إلى جانب الزنك والسيلينيوم والحديد والبروتين، تدخل ضمن العناصر المهمة لنمو الخلايا المناعية ووظائفها، فيما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التنوع والتوازن الغذائي يمثلان أساسًا للحفاظ على الصحة والوقاية من نقص المغذيات.

وتعد الفواكه الحمضية، مثل البرتقال والليمون والجريب فروت، إضافة إلى الفراولة والكيوي والفلفل الحلو، من المصادر الغنية بفيتامين C، وهو عنصر ضروري لعدد من وظائف الجهاز المناعي. لكن الحصول على كميات كبيرة من هذا الفيتامين لا يعني بالضرورة منع الإصابة بالعدوى، بينما يساعد الحصول على الاحتياج المناسب منه عبر الغذاء في دعم الوظائف الطبيعية للمناعة.

كما أن تنويع الفواكه والخضروات يتيح للجسم الحصول على مجموعة أوسع من المركبات النباتية ومضادات الأكسدة، وهو ما يجعل الاعتماد على أصناف متعددة أكثر فائدة من التركيز على نوع واحد من الطعام.

وتأتي الخضروات الورقية، ومنها السبانخ والجرجير والكرنب والبروكلي، ضمن الخيارات الغذائية المهمة، لاحتوائها على فيتامينات ومعادن وألياف ومركبات نباتية متنوعة. وتوصي منظمة الصحة العالمية بتناول مجموعة متنوعة من الخضروات والفواكه، مع استهداف ما لا يقل عن 400 غرام يوميًا للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 10 سنوات.

وتوفر البقوليات، مثل العدس والحمص والفاصوليا والبازلاء، مزيجًا من البروتين والألياف والمعادن والعناصر الغذائية المختلفة. وترتبط أهميتها بصحة المناعة أيضًا بدورها في دعم ميكروبيوم الأمعاء، إذ تشير هارفارد إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف والمصادر النباتية تساعد على نمو الميكروبات المفيدة في الأمعاء، بينما ترتبط صحة الأمعاء بوظائف الجهاز المناعي.

وتدخل المكسرات والبذور، مثل اللوز والجوز وبذور اليقطين والشيا والكتان، ضمن الخيارات المفيدة، إذ توفر الدهون غير المشبعة والبروتين والألياف ومجموعة من المعادن، كما توفر بعض أنواعها الزنك والسيلينيوم، وهما عنصران يشاركان في وظائف مناعية متعددة.

وتكمن الفائدة الغذائية هنا في التنوع، وليس في الاعتماد على صنف بعينه، إذ يتيح الجمع بين المكسرات والبذور والخضروات والفواكه والبقوليات تغطية نطاق أوسع من احتياجات الجسم الغذائية.

وتبرز الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين والماكريل، كمصادر مهمة لأحماض أوميغا-3 الدهنية، إلى جانب البروتين والعناصر الغذائية الأخرى. وتدرج هارفارد الأسماك الدهنية ضمن مصادر الدهون المتعددة غير المشبعة التي تنسجم مع نمط غذائي مضاد للالتهاب، إلى جانب الجوز وبذور الكتان والشيا.

أما الزبادي وبعض الأطعمة المخمرة التي تحتوي على بكتيريا حية، فتكتسب أهمية في إطار الحديث عن صحة الأمعاء. لكن وجود بكتيريا نافعة في بعض الأطعمة لا يعني تلقائيًا أنها «ترفع المناعة» بصورة مباشرة، إذ تشير الأبحاث إلى أن ميكروبيوم الأمعاء يؤدي دورًا مهمًا في وظائف المناعة، بينما يساعد النظام الغني بالألياف من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات على توفير الغذاء للميكروبات المفيدة.

ويظل البروتين عنصرًا أساسيًا في النظام الغذائي، ويمكن الحصول عليه من البيض واللحوم الخالية من الدهون ومنتجات الألبان، إلى جانب مصادر نباتية مثل البقوليات والمكسرات والبذور. ويسهم البروتين في بناء وإصلاح أنسجة الجسم، كما يدخل في تكوين العديد من الجزيئات والخلايا المرتبطة بالاستجابة المناعية.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن يتنوع النظام الغذائي بين مصادر نباتية وحيوانية لتلبية احتياجات الجسم من الطاقة والبروتين والفيتامينات والمعادن.

وتشكل الحبوب الكاملة، مثل الشوفان والقمح الكامل والأرز البني، جزءًا آخر من النمط الغذائي المفيد، إذ توفر الألياف ومجموعة من المغذيات. وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن تأتي الكربوهيدرات بالنسبة لمعظم الأشخاص بصورة أساسية من الحبوب الكاملة والخضروات والفواكه والبقوليات، مع تقليل الأطعمة شديدة التصنيع والغنية بالسكريات والملح والدهون غير الصحية.

ويحظى الثوم والزنجبيل أيضًا باهتمام بسبب احتوائهما على مركبات نباتية نشطة، لكن الأدلة المتاحة لا تبرر التعامل مع أي منهما كعلاج أو بديل عن الوقاية الطبية. ولا تدعم الأدلة فكرة أن طعامًا منفردًا يستطيع منع العدوى أو منح الجهاز المناعي قدرة استثنائية، بينما تشير بصورة أكثر اتساقًا إلى أهمية النظام الغذائي المتنوع ككل.

ويعد فيتامين D من العناصر المرتبطة بوظائف الجهاز المناعي، ويمكن الحصول عليه من الأسماك الدهنية وصفار البيض وبعض المنتجات المدعمة. لكن الوصول إلى الكمية الكافية منه يختلف بين الأشخاص بحسب العمر والحالة الصحية والتعرض لأشعة الشمس والنظام الغذائي، لذلك لا ينصح بتناول مكملات بجرعات مرتفعة من دون حاجة أو توجيه طبي.

كما يمثل الزنك عنصرًا أساسيًا في عمل الجهاز المناعي، ويمكن الحصول عليه من اللحوم والمأكولات البحرية ومنتجات الألبان والبقوليات والمكسرات والبذور والحبوب الكاملة. وتختلف قدرة الجسم على امتصاص الزنك بحسب مصدره الغذائي، ما يعزز أهمية تنويع مصادر الغذاء بدل الاعتماد على صنف واحد.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الغذائي الأفضل لا يقوم على البحث عن «طعام خارق»، وإنما على مجموعة متنوعة من الأطعمة الطبيعية أو قليلة التصنيع، تشمل الخضروات والفواكه والبقوليات والمكسرات والبذور والحبوب الكاملة ومصادر البروتين.

وتوصي المنظمة للبالغين والأطفال الأكبر من 10 سنوات بتناول ما لا يقل عن 400 غرام من الخضروات والفواكه يوميًا، مع الحد من السكريات الحرة والملح والدهون المشبعة والمتحولة.

وفي المقابل، فإن الإفراط في تناول الأطعمة شديدة التصنيع والغنية بالسكر والملح والدهون غير الصحية لا ينسجم مع النمط الغذائي الصحي الذي توصي به المؤسسات الصحية. وتشير هارفارد إلى أن الأنظمة التي تفتقر إلى التنوع وتعتمد بدرجة كبيرة على الأطعمة فائقة التصنيع يمكن أن تؤثر سلبًا في صحة الجهاز المناعي، بينما يرتبط تناول الأطعمة النباتية الغنية بالألياف بدعم صحة ميكروبيوم الأمعاء.

وعمليًا، لا تحتاج الوجبة الداعمة لنمط غذائي صحي إلى وصفة معقدة، إذ يمكن أن تجمع بين خضروات متنوعة ومصدر للبروتين وحبوب كاملة أو بقوليات، مع الفاكهة والمكسرات أو البذور، واختيار الدهون غير المشبعة، مثل زيت الزيتون، بدل الدهون المشبعة والمتحولة.

ولا يعتمد الجهاز المناعي على التغذية وحدها، فهو منظومة معقدة تتداخل في عملها عوامل عدة، بينها النوم الكافي والنشاط البدني وتجنب التدخين والحفاظ على وزن صحي، إضافة إلى اللقاحات والرعاية الطبية عند الحاجة.

وتشير هارفارد إلى أن أفضل دعم لوظائف الجهاز المناعي يأتي من مزيج يجمع التغذية المتوازنة ونمط الحياة الصحي، وليس من الاعتماد على طعام واحد أو مكمل غذائي بعينه.

اقترح تصحيحاً