تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، السبت 29 أغسطس، مع اندلاع حرائق في أحراج وأراضٍ زراعية، وتنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي في عدد من البلدات والمناطق، بالتزامن مع توغّل إسرائيلي في كفرشوبا، فيما حذرت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» من هشاشة الوضع الأمني، بعد رصد 1030 مقذوفًا في جنوب البلاد خلال الفترة من 21 إلى 27 أغسطس.
وأفادت معلومات ميدانية، وفق ما نقلته RT، بأن القوات الإسرائيلية أضرمت النيران في مناطق عند أطراف بلدة عيتا الجبل، وكذلك في المنطقة الواقعة بين عيتا الجبل وحداثا، ما أدى إلى اشتعال الأشجار والمزروعات، بينما تعمل فرق الدفاع المدني على إخماد الحرائق وسط صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق.
وأشارت المعلومات نفسها إلى اندلاع حرائق في بلدة بيت ياحون، بالتزامن مع تفجير إسرائيلي في بلدة حداثا وقصف مدفعي بين حداثا وحاريص.
وفي قضاء بنت جبيل، قالت المعلومات الميدانية إن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ غارتين على بلدة المنصوري، فيما استهدفت غارة وادي الحجير، وطالت غارة أخرى المنطقة الواقعة في وادي الحجير عند أطراف بلدة فرون.
كما امتدت الغارات، بحسب المصدر نفسه، إلى المنطقة الواقعة بين زوطر الغربية وقاعقعية الجسر في قضاء النبطية، بينما نفذ الطيران الحربي 3 غارات في محيط حرش علي الطاهر، إضافة إلى غارتين استهدفتا حي الدير في النبطية الفوقا.
وتزامن ذلك مع تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي على ارتفاع منخفض في أجواء البقاع شرقًا والجنوب اللبناني.
وفي تطور ميداني آخر، أفادت تقارير محلية بتوغّل قوات إسرائيلية في الحي الشرقي لبلدة كفرشوبا، واقتحام منزل قيد الإنشاء داخل منطقة سكنية ونصب علم إسرائيلي عليه، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالرشاشات في محيط المنازل.
كما تحدثت المعلومات عن تفجير في بلدة عيتا الجبل، وقصف مدفعي طال مرتفعات علي الطاهر.
وأفادت تقارير صحفية لبنانية، السبت، بأن غارة إسرائيلية استهدفت بلدة المنصوري، بينما استهدفت غارة أخرى وادي الحجير.
ويأتي التصعيد الميداني بينما أعلنت «اليونيفيل» أن قوات حفظ السلام التابعة لها رصدت 1030 مقذوفًا في جنوب لبنان بين 21 و27 أغسطس، بمعدل 147 مقذوفًا يوميًا.
وقالت القوة الدولية إن مستوى العنف انخفض مقارنة بفترات سابقة من العام، لكنها شددت في المقابل على أن الوضع في جنوب لبنان لا يزال هشًا، مشيرة إلى أن المنازل والبنى التحتية الحيوية تعرضت لأضرار، وأن المجتمعات المحلية تواجه صعوبات في التعافي.
وأكدت «اليونيفيل» استمرارها في مراقبة التطورات ميدانيًا والإبلاغ عنها والتواصل مع الأطراف بهدف منع مزيد من التصعيد، مشددة على أن التزام جميع الأطراف بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 يمثل أساسًا لخفض التوتر واستعادة الاستقرار.
ويحدد القرار 1701 إطارًا أساسيًا للوضع الأمني في جنوب لبنان، وتقول «اليونيفيل» إن تطبيقه يرتبط باحترام الخط الأزرق ووقف الأعمال العدائية وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
وتزامن التصعيد مع تقارير عن مستقبل «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان. ونقل موقع «واللا» الإسرائيلي، بحسب مصادر إعلامية، أن إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة عبر قنوات أمنية بفشل خطة المناطق التجريبية التي أُنشئت في أعقاب مذكرة تفاهم بين لبنان وإسرائيل.
وذكرت تقارير نقلت عن «واللا» أن الرسالة الإسرائيلية تضمنت انتقادات لأداء الجيش اللبناني في التعامل مع مواقع تقول إسرائيل إنها مرتبطة بالبنية التحتية العسكرية لـ«حزب الله». كما نسبت تلك التقارير إلى مسؤول أمني إسرائيلي قوله إن الجيش اللبناني لا يتعامل، وفق الرواية الإسرائيلية، مع الإحداثيات التي زوده بها الجيش الإسرائيلي، ويطلب في المقابل إحداثيات إضافية.
وفي السياق السياسي، اتخذ الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم موقفًا رافضًا للمسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل، مؤكدًا تمسك الحزب باتفاق 27 نوفمبر 2024 والقرار 1701.
وقال قاسم، خلال كلمة في الضاحية الجنوبية لبيروت مساء الجمعة، إن «رسولنا محمد هو رسول الأحرار الذين يفتحون عقولهم وقلوبهم الصافية والنقية ليتعرفوا على الحقائق التي تسعدهم في الدنيا وفي الآخرة».
وأضاف: «اليوم نلاحظ أن أمريكا وكل أولئك الذين يعملون على خط الشرك والانحراف والكفر هم أمة واحدة».
وقال: «النبي واحد للسنة والشيعة ولكل المسلمين».
ودعا إلى الوحدة قائلًا: «كونوا موحدين ولا نقصد هنا بالوحدة الإسلامية الوحدة الوجدانية والعاطفية والوحدة بالكلمات والألفاظ إنما الوحدة التي تؤدي إلى منعة المسلمين وتحقق التكامل بينهم والتعاون والتعاضد وخاصة بين الدول والشعوب.. الوحدة لتحرير الأمة من التبعية للاستعمار والانحراف والاستكبار لتحرير الأمة من الاستلاب الثقافي والاقتصادي والسياسي.. الوحدة لمواجهة مشاريع الفتن بين المسلمين ولمواجهة خطاب الكراهية والبغضاء ومن يزرع الحواجز المذهبية والدينية والسياسية بين المسلمين.. الوحدة للتصدي لمشاريع التفتيت التي تسلكها الإدارة الأمريكية الطاغية وتستعين بإسرائيل المجرمة من أجل أن تكسر منطقتنا».
وتابع: «للوحدة الإسلامية نتيجتان عمليتان نحتاجهما: الأولى أن نكون موحدين بمنع الفتنة وأن تمتد هذه الوحدة من الوحدة الإسلامية إلى الوحدة الوطنية إلى الوحدة الإنسانية.. لا شيء يمنع أن تكون هذه الوحدة شاملة لكل أحرار العالم».
وأضاف: «الثانية أن نكون موحدين حول القضية المركزية التي هي قضية فلسطين وتحرير فلسطين والأقصى».
وأكد: «قضية فلسطين ليست قضية مذهبية بل هي قضية إسلامية وطنية قومية عربية وإنسانية».
ودعا «الدول العربية والإسلامية وشعوبها إلى الوحدة وعدم الوقوف متفرجين أمام دخول الأعداء إلى منطقتنا ومعاناة إخوانهم».
وقال: «آن لنا أن نكون معا وأن تكون منطقتنا آمنة بالتفاهم بين دول المنطقة وأن تضع حدا للاستكبار ولكل أدواته في منطقتنا».
وتابع قاسم: «المنطقة اليوم في خضم عملية إعادة هيكلة تاريخية لصورتها ولموازين القوى فيها.. نشهد أحداثا غير عادية، فأمريكا تمهد الطريق من أجل أن تزيد السيطرة وأن تهيئ المقدمات اللازمة لقيام “إسرائيل الكبرى”».
وقال: «في مواجهة أمريكا وقفت إيران.. تيار الجمهورية الإسلامية المباركة ومعها المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن وفي كل المنطقة وقفوا في مواجهة مشاريع التفتيت والاحتلال والاستكبار والوصاية».
وأضاف: «سردية الأعداء تقول أنهم يرتكبون الإجرام والإبادة من أجل أن يحرموا البشر من حقوقهم في بلدانهم ومن مستقبل أطفالهم هذا هو المشروع».
وتابع: «لم يترك الأعداء أي فرصة من أجل العدوان ولكن لم ينجحوا ولن ينجحوا.. لم ينجحوا بالقتل ولا بالحصار الاقتصادي ولا بالضغط من أجل الإستسلام ولا بمحاولة التهجير ولا محاولة فصل الناس عن المقاومة».
وقال: «تفاجأ الأعداء بالناس المتماسكين والمستعدين للتضحيات العظيمة».
وأضاف: «التضحيات الكبيرة التي قدمت في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق أوقفت المشروع الصهيو-أمريكي الذي يستهدف المنطقة.. ضحّينا كثيرا ولن نخسر والخسارة تكون عندما نستسلم ونعطيهم بأيدينا فيأخذوا كل شيء».
وقال إن «أمريكا تخسر بالوضع الاقتصادي وبالنظرة إلى واقعها عالميا».
وطالب الولايات المتحدة بـ«رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن أموالنا وإجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها على لبنان».
وأضاف: «اليوم لم تعد تمثل أمريكا نموذج أو رمز فشعوب العالم ينظرون إليها بأنها مستعمر وجبار وقاتل».
وقال: «مشروع إسرائيل هو “إسرائيل الكبرى” والدليل ما يحدث في سوريا».
وأكد: «نحن باقون في الميدان ولن نقبل بالمشاريع التي يتحدثون عنها».
وأضاف: «كسرنا مشروع “إسرائيل الكبرى” ومنعناها من الوصول الى بيروت وتجريد لبنان من قوته».
وقال: «اليوم لا يجرؤ العدو على إقامة مستوطنة في جنوب لبنان لأنه غير مستقر بوجود المقاومة».
وأضاف: «لا يتجرأ الإسرائيلي على رسم حدود خارج الأراضي التي احتلها لأنه يخشى المقاومة وشعبها والأحرار».
وأكد: «نحن في حالة مواجهة وسنبقى صامدين ونقبل بتطبيق اتفاق 27 نوفمبر 2024 تحت سقف القرار 1701 ولا شيء آخر».
وقال: «نحن ضد اتفاق الإطار وندعو إلى إسقاطه فهو غير شرعي وغير قانوني ومذلّ ويدمّر السيادة اللبنانية ولا يسترد الحقوق».
وأضاف: «من لديه هذه المقاومة وهؤلاء الشباب المضحّون وشعب يضحّي من أجل وطنه لا يمكن أن يهزم».
وقال: «إسرائيل لا تستطيع تحقيق إنجازات بوجود المقاومة وشعبها والشرفاء والشهداء والتضحيات ونحن كربلائيون لتحقيق أهدافنا».
وحول المفاوضات المباشرة بين السلطة اللبنانية وإسرائيل، قال قاسم: «السلطة اللبنانية اختارت مسارا لا يشرّف لبنان بتخليها عن اتفاق 27 نوفمبر ودخولها مفاوضات مباشرة مع العدو».
وأضاف: «مفاوضات السلطة اللبنانية لم توقف الحرب بل منحتها شرعية وهي استسلام بمذلّة للعدو من دون أي مقابل».
وقال: «الشرفاء والمقاومون والمضحون والمتضامنون معهم من كل الطوائف براء من تنازلات السلطة للعدو».
وأضاف: «المفاوضات تحصل تحت الحرب وتعطي شرعية للحرب».
ووجّه قاسم حديثه إلى السلطة اللبنانية قائلًا: «من الذي فوضكم التنازل عن السيادة؟»
وأضاف: «تدّفعون البلد ثمنا في المفاوضات للبقاء على عروشكم وإرضاء أمريكا المتواطئة مع إسرائيل».
وقال: «لا نريد الحرب والدليل موافقتنا على اتفاق 27 نوفمبر 2024 والتزامنا به».
وأضاف: «ما هو قائم اليوم ليس حربا متبادلة بل عدوان إسرائيلي موصوف يتصاعد وينخفض ولولا إيران ومذكرة التفاهم لما انخفض».
وتأتي تصريحات قاسم في وقت تتداخل فيه التطورات العسكرية مع مسار سياسي وأمني أكثر اتساعًا حول مستقبل جنوب لبنان، في ظل استمرار النقاش بشأن تطبيق القرار 1701 وترتيبات ما بعد اتفاق 27 نوفمبر 2024.
وكانت «اليونيفيل» قد حذرت من هشاشة الوضع، فيما أشارت تقارير حديثة إلى استمرار الأضرار التي لحقت بالمنازل والبنى التحتية وتأثر المدنيين بالتوتر الميداني.
وبذلك يجمع المشهد في جنوب لبنان بين تصعيد ميداني شمل الغارات والقصف والحرائق والتوغّل، وتحذيرات أممية من استمرار هشاشة الوضع، بالتوازي مع خلاف سياسي حول المفاوضات المباشرة وترتيبات المرحلة المقبلة، في وقت يعلن فيه «حزب الله» تمسكه باتفاق 27 نوفمبر 2024 والقرار 1701 ورفضه «اتفاق الإطار».





