القانون ابن الثقافة

القانون ابن الثقافة

القانون ابن الثقافة، ليست العبارة مجرد استعارة جميلة تصلح لافتتاح مقال أو ختام محاضرة، بل هي حقيقة نراها كل يوم في الشارع والمدرسة والمحكمة والمصعد. فالقانون لا يعيش في الجريدة الرسمية وحدها ولا في كتب التشريع الفاخرة، وإنما يعيش أو يموت في سلوك الناس وعاداتهم ونظرتهم إلى الحق والواجب.

كم من قانون صيغ بعناية ثم بقي حبرًا على ورق لأن ثقافة المجتمع لم تستوعبه؟ وكم من قاعدة بسيطة لم تحتج إلى نص طويل لأن الناس تربّوا على احترامها؟
إن قانون المرور مثلاً، لا تصنعه مواده وغراماته فقط، بل تصنعه ثقافة الانتظار والالتزام والدور. ولو ضاع هذا الفهم لما نجح ألف رادار في إعادة ترتيب الشارع. وكذلك قوانين حماية المستهلك ومكافحة الفساد وحقوق العمل: كلها تحتاج إلى تربة ثقافية لتثمر وإلا صارت نصوصًا يتجمّل بها الخطاب وتتجاوزها الممارسة.

هذه الفكرة ليست جديدة في تراثنا. كان ابن خلدون يرى أن أحوال العمران البشري تخضع لقوانين تُفهم من داخل المجتمع لا من خارجه ومن هنا فإن القانون الذي لا يفهم ثقافة الناس ولا تاريخهم ولا طبائعهم يظل غريبًا عنهم، مهما كانت هندسته التشريعية بديعة. وقد صدق من قال إن القانون بلا ثقافة قانونية يشبه جسرًا بلا أعمدة:
يبدو جميلاً في الصورة لكنه لا يحمل أحدًا.

لكن العبارة تحتاج إلى تحفظ مهم: القانون ابن الثقافة، لكنه ليس ابنًا عاقًا ولا تابعًا أعمى. فهو لا ينبغي أن يكون مجرد مرآة للعادات، لأن بعض العادات تحمل ظلمًا قديمًا. القانون الذي يستمد شرعيته من الثقافة يجب أن يكون أيضًا قادرًا على تهذيبها وتصحيحها. هنا يصبح القانون ابنًا مصلحًا اذ يعكس قيم المجتمع، لكنه يدفعها نحو العدل والكرامة والمساواة. وليس من الحكمة أن نبرّر كل خلل قانوني بعبارة هذه ثقافتنا، كما ليس من الحكمة أن نستورد قوانين جاهزة ونرميها على مجتمع لا يشبهها.

إن العلاقة بين القانون والثقافة علاقة متبادلة: الثقافة تلد القانون والقانون يعيد تشكيل الثقافة. فحين يرى الناس أن القانون يحمي الضعيف وأنه يُطبّق على الجميع بلا استثناء، فإنهم يثقون به ويحترمونه. وحين يرون أن القوي يفلت والضعيف يُعاقب، فإنهم يفقدون الثقة، ويصبح القانون مجرد عقوبة لا قناعة. والثقافة القانونية لا تُبنى بالخطب بل بالمدرسة والجامعة والإعلام والأسرة، وبمشهد يومي يراه الناس في المحاكم والإدارات والشرطة: مشهد العدل حين يتحقق.

نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين أكثر، بل إلى ثقافة تجعل احترام القانون سلوكًا طبيعيًا لا استثناءً. نحتاج قانونًا يشبهنا ولا يغترب عنا، لكنه في الوقت نفسه يرتقي بنا ولا يستسلم لأسوأ ما فينا. نريد قانونًا ابنًا للثقافة، لكن لا يشبه كل عيوبها.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

فوزي عمار

كاتب ليبي