النفط الليبي بين الأمل والألم

بقلم:

قطاع النفط قطاع حيوي تعتمد عليه الدولة الليبية بكاملها، ويمس حياة جميع أفراد الشعب الليبي بطريقة أو بأخرى، ويمثل إنتاج النفط المصدر الوحيد للدخل الليبي من النقد الأجنبي بما يزيد عن 95% والمصدر الرئيسي لميزانية الدولة. قطاع النفط ليس ملكا للشعب الليبي وحده بل هو في تقاسم مع العديد من الشركات العالمية مثل إيني ايطالية و توتال الفرنسية وربسول الإسبانية، وهناك أكثر من 28 إمتياز لشركات متعددة الجنسيات تقوم بالحفر وإنتاج وتصدير النفط، ولا يوجد سوى عدد قليل من الشركات المؤممة للدولة الليبية مثل شركة الخليج، وشركة سرت النفط والغاز وشركة الواحة، وحتى الشركات المؤممة يوجد بها العديد من الشركات الخدمية الأجنبية في مجالات الحفر والصيانة والمناولة والمعالجة الكيميائية، وتوفير مواد التشغيل وغيرها. أي أن منظومة النفط كبيرة ومعقدة لها أطراف عديدة تتقاسم الأرباح، ويمثل الجانب الليبي لحجم العمل والعائد عليه جزءا يسيرا.

لما لأهمية قطاع النفط للدولة الليبية نأى العهد السابق بنفسه عن التدخل في هذا القطاع ولم يحاول فرض أفكارة الطوباوية عليه، مما أوجد منظومة مستقرة، لها بعض المزايا مثل العناية بالتدريب والتأهيل، وضبط الملاك الوظيفي تبعاً لإحتياجات الشركة، ووجود نظام تقييم للأداء يساعد على إفراز كفاءات للوظائف العليا بالشركات النفطية.

المرتبات في قطاع النفط كانت مناسبة للجهد وللمسؤولية، أي أن العمل في الحقول الصحراوية يحتاج إلى مقابل له، والعمل بالوظائف العليا له مقابل كذلك. في سنة 2009 م كان هناك زيادة لمرتبات بعض شركات النفط مثل شركة مليته للنفط والغاز بنسبة 100% والتي تشمل المرتب الأساسي وعلاوة المبيت والعلاوة الصحراوية، وشمل حتى من يعود إلى بيته يومياً. أثار هذا القرار ضجة كبيرة عند موظفوا الشركات الأخرى وطالبوا بالمساواة، وكان ذلك. في هذه الأونة حاول حرس المنشأة النفطية الولوج إلى مرتبات قطاع النفط ولكنه لم يفلح، وهو الذي إنتشرت بين دفاته الكثير من صور الفساد المالي، وخاصة تقاضي العمولات مقابل إصدار التصاريح النفطية.

بعد الثورة إنهارت مؤسسة الجيش والشرطة، ولم يعد حرس المنشأة النفطية تابعاً لأحد، وإنقطعت صلاته بوزارة الداخلية، الأمر الذي جعل بعض قادتهم يرغمون شركات النفط على دفع رواتبهم تبعا لمنظومة رواتب قطاع النفط، بعد أن أغلقوا الكثير من المواني والحقول، ولم يتورع حرس المنشأة من إستقطاب المسلحين والعاطلين والمغامرين وضمهم إليه حتى زاد عددهم عن أربعة وعشرون ألف، بعد أن كانوا لا يزيدون عن أربعة ألآف في زمن الحكم السابق، وهذه الظاهرة، ضاهرة للعيان في الشرق الليبي بإستلاء جضران على مواني التصدير وإغلاقها، مما كبد الدولة الليبية أكثر من 40 مليار دينار خسائر مباشرة بسبب توقف الإنتاج وأكثر من ذلك بكثير في الصيانة وإعادة تأهيل المنظومات للعمل.

حرس المنشأة النفطية نمر من ورق يتم دعمه قبلياً وجهويا لتنفيذ مأربها وعلى حساب الدولة الليبية ، ففي حين أنه لم يستطيع صد أزلام العهد السابق من الإعتداء على حقول الغاني والمبروك وغيرها من حقول المنطقة الوسطى إلا أنه سعى إلى توظيف ألآف الشباب العاطلين من غير المؤهلين، والطلبة في شركات الزويتينة، وسرت وراس الأنوف عنوة، بعد التهديد بقفلها وتوقف تصدير النفط منها، وبذلك قفز عدد الموظفين بهذه الشركات إلى أرقام قياسية، حتى أصبح لأحد شركات المنطقة الوسطى 300 سائق لعدد عشرة سيارات تمتلكهم الشركة.

بعد قفل مواني التصدير الثلاث، توقف العمل في أكثر من 20 حقل نفطي، وتبع ذلك نزوح العمالة والخبرات من الحقول إلى مواقع الشركات النفطية في طرابلس، أو البقاء في البيت والحصول على المرتب بلا عمل مقابل له، بل أن قرار المؤسسة الشامل لكل الحقول أعطى مبررا للموظفين بالتمتع بميزة راتب أساسي دون عمل حتى للحقول المنتجة. ولقد رأيت حقولاً للغاز ذات إنتاجية عالية لا يوجد بها سوى مشغلين أو ثلاثة فقط  لحجرة التحكم في الوردية الواحدة.  

تضاعفت أرقام الموظفين في قطاع النفط (بسبب المرتبات العالية دون  تطبيق معدلات الأداء) حتى أصبحت المكاتب تعج بعمالة وخبرات لا عمل حقيقي لهم، وهم الذين يتابعون حقولاً مغلقة، ولن يواسي فراغهم خلال ساعات الدوام سوى إحتساء القهوة وتصفح مواقع التواصل الإجتماعي. وفي غياب خطط التدريب والتاهيل المستقبلية الفعالة، تزداد الحاجة إلى العنصر الأجنبي في جميع مناحي قطاع النفط، من إصلاح حنفية إلى تركيب وتشغيل أجهزة تحكم في الإنتاج.   

توقف قطاع النفط عن التصدير له مساوي ومأسي كثرة، أقلها عجز الدولة عن تكوين ميزانية عامة لها، أما الماسي الأخري فهي تأكل وإنهيار مئات الكيلومترات من خطوط الأنابيب، وتوقف نهائي للعديد من ابار الغاز والزيت الخام، وسداد مرتبات لآلاف العاملين دون عمل، وتعويض الشركات الأجنبية بسبب الخسائر التي طالت منشأتها، وفقدان تجهيزات كثيرة متطورة بسبب المعارك، بالإضافة إلى فقد زبائن إستيراد النفط الليبي وعدم الإعتماد على النفط الليبي كمصدر للطاقة عند الكثير من الدول.

مشكلة النفط هي مشكلة المؤسسات الليبية قاطبة، وهي سؤ الإدارة، فليبيا البلد الوحيد الخارج عن قوانين الإدارة المتعارف عليها، فالموظف الليبي  يستطيع تعيين رئيسه وخلعة متى شاء، وذلك بتجميع عدة توقيعات وإصدر بيان بالخلع، والمدير في المؤسسة الليبية لا يستطيع نقل عامل مقهى من مكانه إن كان له سند، فكيف يستطيع إتخاذ قرارت جوهرية لإصلاح الشركة أو القطاع؟؟ إنها تركة النظام الجماهيري، الذي يمنع فصل الموظفين من أعمالهم وإن كانوا على درجة متدنية من الكفاءة، وإن كانوا معطلين للعمل، وإن كانوا لا مكان لهم بالمؤسسة الإنتاجية. أما الأدهى والأنكى أن نجد من يدافع على المجموعات المسلحة المسيطرة على المواني والحقول النفطية شرقا وغربا، شمالا أو جنوبا.

إن الحل الناجع لقطاع النفط والقطاعات الأخرى الخاسرة إقتصاديا مثل الكهرباء والماء والإتصالات هو خروجها عن منظومة الحكومة ومعاملتها كشركات خاصة خاضعة للربح والخسارة، وعندها سيكون الملاك الوظيفي مقنناً والتوظيف طبقاً للخبرة والتأهيل ولمعدلات الأداء، ومن لا مكان له في الملاك يتم توجيهه إلى القطاع الخاص. فقوانين الإدارة الحديثة سوى كانت للقطاع العام أو الخاص تُبنى على مبداء الربح والخسارة، وليس من مهام الشركات القيام بدور الضمان الإجتماعي الذي له مؤسسة خاصة به.

هذا القطاع يمثل نمودج لما ألت إليه القطاعات الإقتصادية في الدولة الليبية، والتي ستكون عبئاً ثقيلاً على الحكومة القادمة، وهو ما يحتاج إلى تظافر الجهود نحو حلحلة الأزمة الإقتصادية الحالية.   

د. عيسى بغني

الكاتب:

عدد المقالات المنشورة: 75.