وجبة الصباح.. ماذا تقول الدراسات عن «الإفطار والذاكرة»؟

ليست كل وجبة إفطار متساوية، فبينما يبدأ البعض يومه بمعجنات أو حبوب غنية بالسكر ثم يشعر بالجوع والخمول سريعًا، يمكن لوجبة أخرى تجمع البروتين والألياف والحبوب الكاملة والدهون الصحية أن تمنح الجسم طاقة أكثر استقرارًا، وتساعد على الشعور بالشبع وتحافظ على استجابة أكثر توازنًا لسكر الدم، لكن السؤال الأهم: هل يمكن فعلًا أن يؤثر الإفطار في أداء الدماغ؟

الإجابة التي تقدمها الأبحاث أكثر دقة من عبارة “إفطار يجعلك أذكى”، فقد وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل 15 دراسة ونحو 1100 بالغ، أن تناول إفطار منخفض الحمل الجلايسيمي ارتبط بتحسن محدود في الذاكرة العرضية خلال الفترة المتأخرة من الصباح، بينما لم تظهر الفائدة نفسها في الاختبارات التي أجريت بعد تناول الطعام بوقت قصير، ما يشير إلى أن نوعية الوجبة قد تكون أكثر أهمية من مجرد تناول الإفطار بحد ذاته.

الشوفان.. بداية ذكية لليوم

الشوفان والحبوب الكاملة يأتيان في مقدمة الخيارات التي يمكن الاعتماد عليها في الصباح، ليس لأنهما “ينشطان الذكاء” مباشرة، وإنما لأنهما يوفران الألياف والكربوهيدرات الأقل تكريرًا، وقد أظهر تحليل تلوي شمل 48 دراسة عشوائية وأكثر من 4 آلاف مشارك أن تناول الحبوب الكاملة ارتبط بتحسن عدد من مؤشرات التحكم في سكر الدم والإنسولين، وهي عوامل مهمة للصحة الأيضية على المدى الطويل.

ويمكن جعل طبق الشوفان أكثر توازنًا بإضافة الزبادي الطبيعي والتوت أو الفراولة وقليل من الجوز أو بذور الشيا، فبهذه الطريقة لا تحصل فقط على الكربوهيدرات والألياف، وإنما تضيف أيضًا البروتين والدهون غير المشبعة، ما يجعل الوجبة أكثر إشباعًا ويقلل اعتمادها على السكر السريع.

البيض.. البروتين الذي يطيل الشبع

إذا كان الجوع يعود سريعًا بعد الإفطار، فقد يكون السبب أن الوجبة تفتقر إلى البروتين، وقد وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي شمل عشرات الدراسات أن زيادة البروتين في الوجبة يمكن أن تقلل الإحساس بالجوع وتزيد الشعور بالشبع، لذلك فإن البيض أو الزبادي أو الجبن قليل الدسم يمكن أن يكون إضافة عملية إلى وجبة الصباح.

والبيض لا يوفر البروتين فقط، بل يحتوي أيضًا على الكولين، وهو عنصر غذائي يدخل في وظائف عصبية مهمة، لكن الأدلة لا تسمح بوصفه بأنه “غذاء خارق للدماغ”، والأدق أن يكون جزءًا من وجبة متوازنة تضم الخضروات والحبوب الكاملة بدل تناوله ضمن إفطار غني باللحوم المصنعة والدهون المشبعة.

المكسرات مفيدة.. لكن لا تصدق كل ما يقال عنها

الجوز واللوز والفستق من أشهر الأطعمة المرتبطة بصحة الدماغ، لكن العلم أكثر تحفظًا من الدعاية، فقد وجدت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا عام 2024 وشملا خمس تجارب عشوائية و928 بالغًا، أنه لا توجد أدلة إحصائية قوية تثبت أن تناول المكسرات يحسن الأداء المعرفي مباشرة، ومع ذلك تبقى المكسرات خيارًا غذائيًا جيدًا بسبب الدهون غير المشبعة والألياف والمعادن التي توفرها.

والقاعدة نفسها تنطبق على الفواكه، فالتفاح والبرتقال والتوت والفراولة تضيف الألياف والماء والفيتامينات والمركبات النباتية إلى وجبة الصباح، بينما قد يؤدي الاعتماد على العصائر إلى الحصول على كمية أكبر من السكر خلال فترة قصيرة مع ألياف أقل، لذلك تكون الثمرة الكاملة في الغالب خيارًا أفضل من العصير.

أما الإفطار الذي قد يتركك جائعًا.. فهو قصة أخرى

المعجنات والحبوب السكرية والخبز الأبيض مع المربى والمشروبات المحلاة قد تبدو وجبة سريعة ومريحة، لكنها غالبًا تجمع بين كمية مرتفعة من الكربوهيدرات المكررة والسكر مع كمية محدودة من البروتين والألياف، وقد أظهرت الدراسات التي قارنت الوجبات منخفضة وعالية الحمل الجلايسيمي أن الوجبات الأقل تأثيرًا في سكر الدم تؤدي إلى ارتفاع أقل في الجلوكوز بعد تناول الطعام.

وهذا لا يعني أن الكربوهيدرات عدو يجب التخلص منه من وجبة الإفطار، بل إن الأفضل هو اختيار مصادر أقل تكريرًا مثل الشوفان وخبز الحبوب الكاملة والفواكه، ثم دمجها مع البروتين والدهون الصحية، لأن المشكلة غالبًا ليست في وجود الكربوهيدرات، وإنما في نوعيتها والكمية التي نتناولها وطريقة تركيب الوجبة كاملة.

هل يجب أن تتناول الإفطار كل يوم؟

ليس بالضرورة للجميع، فالدراسات العشوائية لا تثبت أن تناول الإفطار بحد ذاته يؤدي حتمًا إلى إنقاص الوزن أو تحسين الصحة، وقد وجد تحليل تلوي شمل 11 تجربة أن تخطي الإفطار أدى إلى انخفاض بسيط في الوزن بلغ في المتوسط نحو 0.66 كيلوغرام، لكنه ارتبط أيضًا بارتفاع كوليسترول LDL بنحو 9.9 ملغم لكل ديسيلتر، ولذلك لا يمكن اختزال المسألة في قاعدة تقول إن الإفطار مفيد دائمًا أو إن تخطيه ضار دائمًا.

والأهم من توقيت الوجبة هو ما تحتويه، فإذا كان الإفطار موجودًا فالأفضل أن يكون متوازنًا، وإذا كان الشخص لا يشعر بالجوع صباحًا فقد يكون من الأهم أن يحافظ على جودة غذائه خلال بقية اليوم، مع الانتباه إلى أن بعض الأشخاص، مثل المصابين بالسكري أو من يتناولون أدوية معينة، قد يحتاجون إلى تنظيم توقيت الطعام بما يتناسب مع حالتهم الصحية.

وفي النهاية، لا يوجد طعام قادر وحده على رفع معدل الذكاء، ولا يمكن لطبق إفطار أن يعوض قلة النوم أو التوتر أو قلة الحركة، لكن الأبحاث تشير إلى أن اختيار وجبة تجمع البروتين والألياف والحبوب الكاملة والفواكه والدهون غير المشبعة يمكن أن يمنح الجسم بداية أكثر توازنًا لليوم، وربما يساعد على الحفاظ على الشبع واستقرار الطاقة وبعض جوانب الأداء الذهني، لذلك فإن “إفطار الأذكياء” ليس وصفة سحرية، وإنما طبق بسيط ومتوازن مبني على ما تقوله الدراسات لا على ما تقوله الدعاية.

اقترح تصحيحاً